بينما كانت الدولة المملوكية في طريقها للأفول، وفي أقل من عقد تعاقب على السلطنة عدة سلاطين؛ يخلع أحدهم الآخر ثم يعيده الأمراء مرة أخرى، أو تكون نهايته القتل على يد الأمراء المماليك، جاء عام 1501 حين عُزل السلطان الأشرف جانبلاط، ثم عُزل السلطان العادل طومان باي (وهو غير الأشرف طومان باي)، واجتمع الأمراء لاختيار من يتولى السلطنة.

يحكي لنا المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي سيرة عصر المماليك وأحوال الناس فيه، لكنه في أواخر سنوات حكم المماليك يتوقف عن الحكي، إذ كانت وفاته عام 1445م، قبل عقود قليلة من تولي قنصوة الغوري (السلطان الغوري) عرش السلطنة، وهكذا يخبرنا مؤرخ آخر هو ابن إياس، كيف عاش الناس في عصر السلطان المملوكي قبل الأخير قنصوة الغوري.

تمسك الأمير قيت الرجبي والأمير مصرباي بتولية السلطان الغوري، وكما يحكي ابن إياس، فقط قال الأمراء «ما نسلطن إلا هذا» ثم «سحبوه وأجلسوه وهو يمتنع ويبكي»، وعلى هذه الحال أُحضر إلى قنصوة شعار السلطنة، وهو الجبة والعمامة السوداء، ولُقب بالملك الأشرف، وصارت كنيته أبو النصر قنصوة الغوري، وقبل تنصيبه بأيام سرت الشائعات بأن «الأشرف قنصوة خمسمائة» – الذي عُزل قبل أعوام قليلة ولم يُعرف مصيره- لا يزال على قيد الحياة، فنودي عليه في القاهرة بأن يظهر وله الأمان، وإن لم يظهر بعد ستة أيام فلا أمان له.

هكذا لم تغب عن بال السلطان الغوري النهايات الوحشية للسلاطين الأواخر، ويُقال إنه لم يقبل بتولي السلطنة إلا بعد أن اتفق مع الأمراء على أن يعزلوه إن أرادوا خلعه، وألا يقتلوه، وعندها آلت السلطنة إلى الرجل الذي بلغ الستين من عمره، ليقول فيه الشاعر:

ألا إنما الأقسام تحرم ساهرًا… وآخر يأتي رزقه وهو نائم

ظن الأمراء أنهم وضعوا على العرش من سيكون طوع بنانهم، لكن الرجل الذي ظل يطلب منهم العام تلو الآخر أن يقسموا على المصحف العثماني بألا يخونوه، كان أقوى مما حسب الأمراء، كما أظهرت الخمسة عشر عامًا التي قضاها في الحكم، كما أن القدر خبأ له موتًا على أرض المعركة مدافعًا عن سلطانه بعد هذه السنوات الطويلة في حكم البلاد. 

طاعون وفقر.. وفخامة لا مثيل لها

قبل سنوات من توليه الحكم كان الطاعون يفتك بالناس من العامة ومن المماليك الذين راح ما يقرب من ثلثهم ضحية المرض، وكانت الأعباء المالية تثقل كاهلهم، فأفلست خزانة الدولة، وبدأ الغوري بتثبيت حكمه ليعيد الاستقرار إلى الدولة، فضاعف الرسوم الجمركية والمكوس، وفرض ضرائب 10 شهور مقدمًا، وفرض الضرائب على الحوانيت والعقارات؛ مما أثقل كاهل الشعب أكثر. 

توفرت للسلطان أموال طائلة، فأجرى إصلاحات بقلعة الجبل، وشيد المسجد والمدرسة الشهيرة، القائمة حتى اليوم في حي الغورية، وأصلح طريق الحج وحفر فيه الآبار، وأنفق من الأموال على تجميل مكة والقبور المقدسة.

مسجد السلطان الغوري – المصدر wikiwand.com

واهتم بحفر الترع وتحصين الإسكندرية ورشيد، وأكثر من شراء المماليك – كعادة السلاطين – ليضمن ولاءهم، وبينما كان العامة يعانون الفقر، كان السلطان يعتني ببلاطه عناية فائقة أكثر من أي شيء آخر، فزين مائدة طعامه بالذهب، وصار قصره ومظهر مماليكه وخيوله وجواهره مضرب الأمثال في الفخامة، وأكرم الشعراء والمغنين والقصاصين الذين ارتادوا قصره.

في مواجهة أطماع البرتغاليين في البحر

كانت قبضة السلطان قوية بحيث استطاع السيطرة على الداخل وإخماد الاضطرابات التي خشي منها في بداية حكمه، لكن خطرًا أكبر ظهر ليهدد دولته من الجنوب، فقد كان يمر طريق التجارة الدولي الوحيد الذي ظل آمنًا لقرون من البحر الأحمر، وقد استغل المماليك هذه الفرصة ففرضوا ضرائب باهظة على تجارة التوابل والبخور التي تمر من هناك.

لكن السنوات الأخيرة السابقة على حكم الغوري شهدت تغيرًا كبيرًا باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1487م ثم تمكن المستكشف البرتغالي فاسكو دي جاما من الوصول إلى الهند بالطواف حول أفريقيا عام 1498م ليحقق البرتغاليون نصرًا عالميًّا يمكِّنهم من توفير التوابل للسوق الأوروبية بما يعادل ربع ثمنها في الإسكندرية ودمياط. ويصبح المصدر الأول لأموال السلطنة المملوكية مهددًا.

تاريخ

منذ سنة واحدة
السلطان سليم الأول.. الشاب «الصارم» الذي غيّر تاريخ العالم العربي

من هو السلطان سليم الأول الذي غير تاريخ العالم العربي عبر معركة مرج دابق ومعركة الريدانية بعدما قتل السلطان قانصوه الغوري والسلطان طومان باي.

تكدست البضاعة في الإسكندرية ودمياط بعد أن قل عدد التجار الأوروبيين، واختل الميزان الاقتصادي للدولة، وهنا سجل السلطان الغوري جهودًا كبيرة في مواجهة البرتغاليين، جنبًا إلى جنب مع حكام البندقية التي كانت تمثل وسيطًا بين مصر والدول الأوروبية، فالتقت مصالح البلدين، وبدأ الغوري بتحريض الحكام المسلمين في الهند لطرد البرتغاليين من البحر، بينما بذل حكام البندقية جهودهم لتأليب القوى الأوروبية ضد البرتغال، لكنها جهود ذهبت سدى أمام إغراء التوابل الرخيصة. 

لم يتوقف الغوري عند هذا الحد، فقد أرسل أسطولًا بحريًّا عام 1505 بقيادة حسين الكردي، وقال إنه أرسله بسبب «عبث الفرنج في بحر الهند»، واستطاع الأسطول في الجولة الأولى أن يهزم البرتغاليين بالقرب من الشواطئ الغربية للهند، لكن البرتغاليين عادوا عام 1509 أكثر قوة ليحطموا أسطول المماليك في موقعة ديو البحرية، وبعدها حاول الغوري القضاء على النفوذ البرتغالي، لكن دولته العجوز كانت في طريقها للزوال؛ فلم تصمد أمام دولة البرتغال الفتية، كما أن البرتغال لم تكن الخطر الوحيد، فقد كان الشمال مهددًا أيضًا.

العثمانيون قادمون

كانت العلاقات بين الدولة العثمانية ودولة المماليك قوية، كما يصفها الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور في كتابه «الأيوبيون والمماليك في حكم مصر والشام»، ويشير إلى «عين الارتياح» التي نظر المماليك بها إلى كل نصر كان العثمانيون يحرزونه، فكانت القاهرة تتزين وتحتفل بهذه الانتصارات وأبرزها فتح القسطنطينية عام 1453م، وحرص السلاطين على تبادل عبارات التهاني في هذه المناسبات، حتى عام 1461م.

في ذلك الوقت التفتت أنظار العثمانيين إلى الشرق؛ إذ كانت توسعاتهم في الغرب قد توقفت، وكانت الدولة العثمانية قد قنعت بما حققته من فتوح في البلقان، وبدأت أطماع الدولة العثمانية وسياساتها التوسعية في الشرق بالظهور، فالتفتت للإمارات التي لا تزال خارجة عن سيطرتها في آسيا الصغرى، وأهمها إمارتا قرمان ودلغادر التركمانيتان؛ وهي إمارات شكلها المماليك، وهكذا بدأت هجمات العثمانيين على أطراف الدولة المملوكية، واتخذت شكلًا أكثر خطورة في عهد السلطان الغوري، وهو صراع بدا حتميًّا كما يصفه الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، بين قوتين كانتا تتزعمان العالم الإسلامي السني في الشرق الأدنى وكان لا بد لإحداهما أن تتوسع على حساب الأخرى.

بينما يقول محمد علي داهش في كتابه «الدولة العثمانية والمغرب (إشكالية الصراع والتحالف)» إن ما دفع العثمانيين لهذه التوسعات هو ضعف المماليك وفشلهم في مواجهة البرتغاليين في المدن العربية وسواحل البحر الأحمر وتأمين الأماكن المقدسة في الحجاز، رغم مساعدات العثمانيين لهم، وتنامي قوة الصفويين في بلاد فارس من ناحية أخرى مهددة حدود الدولة العثمانية، وهكذا بدأ العثمانيون في محاولات السيطرة على دمشق والقاهرة ثم الأماكن المقدسة لتكون تحت سيطرتهم، ولتضمن لهم إمكاناتها الإستراتيجية والاقتصادية أيضًا قيادة العالم الإسلامي.  

في عام 1515 أغار العثمانيون على مملكة دلغادر، وهي إمارة تركمانية كانت تقع في الركن الجنوبي الشرقي من الأناضول، ثم أعد السلطان سليم الأول لغزو سورية في العام التالي فجهز جيشًا ضخمًا لكنه قال إنه سيواجه به الشاه إسماعيل الصفوي في إيران، وفي مصر أعد السلطان الغوري حملة لمواجهة الجيش العثماني؛ إذ لم تنطلِ عليه الحيلة، رغم رسائل خاير بك نائب حلب المطمئنة، التي ظهر لاحقًا خداعها.

اتجه السلطان إلى الشام، ولم ينخدع برسالة السلطان العثماني سليم الأول، التي سلمها له خاير بك، رغم ما بدا فيها من ود؛ إذ طلب منه السلطان العثماني الدعاء قائلًا له «أنت والدي، وأسألك الدعاء»، وظهرت نوايا السلطان العثماني حين أرسل له الغوري رسولًا استقبله العثماني بجفاء وأخبره بأن يلاقيه الغوري عند مرج دابق، لتدور المعركة الشهيرة، وقد بدأت بنصر المماليك ثم أشاع خاير بك بين الجنود أن السلطان قد قُتل وأمرهم بعدم التقدم إلا حين تأتيهم الأوامر.

تفرق المماليك واختلت صفوفهم، وحاول السلطان الغوري أن يعيد تنظيمهم صائحًا «يا أغوات.. الشجاعة، صبر ساعة»، لكن هول ما حدث أثر في الشيخ ليسقط حينها من على الفرس صريعًا متأثرًا بالصدمة، ولم تخبرنا كتب التاريخ حول مصير السلطان، إذ اختلفت الأقوال، بين من قال إن السلطان العثماني أرسل رأسه إلى إسطنبول، وبين من قال إنه دفن في حلب، وهكذا قُدر لنائبه طومان باي أن يشهد نهاية سلطان المماليك على مصر بعد شهور قليلة من توليه الحكم خلفًا لقنصوة الغوري. 

تاريخ

منذ 7 شهور
هذا ما عادت به «سفارات النجدة» التي أرسلها الأندلسيون لأهل الشرق!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد