إسرائيل التي لا تكف عن الادعاء بأنها «دولة ديمقراطية متنورة»، لم يعد الأمر يقتصر فيها على ظهور فتاوى من الحاخامات تجيز سرقة الفلسطينيين وتخريب مزروعاتهم واستباحة أموالهم، بل تعلو أصوات هؤلاء وهم يحرضون الجنود والضباط الإسرائيليين على قتل النساء والأطفال والأسرى والجرحى الفلسطينيين.

فهؤلاء الحاخامات الذين يتقاضون رواتب من الخزينة الإسرائيلية العامة كونهم في الغالب موظفين رسميين؛ يجيزون القتل حتى ردًا على اشتعال الحرائق الطبيعية في الغابات، وقد حملت آخر المعلومات ما يفيد بأن الحاخامات دعوا الجنود خلال الحرب على غزة إلى «عدم التردد في المس بالنساء والأطفال العرب أثناء القتال على اعتبار أن التوراة تتيح ذلك».

الحاخامات العسكريون

يكشف تقرير إسرائيلي النقاب عن حجم الدور الذي يلعبه الحاخامات العسكريون في تحريض الضباط والجنود اليهود على قتل «الأبرياء من العرب».

ووصل الأمر بالحاخامات العسكريين إلى تحريض الجنود الإسرائيليين إلى عدم الانصياع لتعليمات إطلاق النيران التي تُصدرها قيادة الجيش الإسرائيلي، وتحريضهم على استهداف العرب المدنيين، وذلك وفقًا لشهادات ضباط وجنود، تلقوا محاضرات من حاخامات.

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عند جنود إسرائيليين، شهاداتهم على حثّ حاخامات لهم، بعدم التردد في المساس بالنساء والأطفال العرب، على أساس أن «التوراة تبيح ذلك»، وفيما يبدو فإن الحاخامات يُصرون على إقناع الضباط والجنود بأن «الالتزام بتعاليم التوراة، ممثلة بفتاوى الحاخامات والمرجعيات الدينية يتقدم على الالتزام بتعاليم القيادة العسكرية«، ولم يخل التقرير من التطرق إلى تحريض الحاخامات ضد المجندين في الجيش الإسرائيلي من غير اليهود، بخاصة الدروز، فقد طالبوا بالتوقف عن استيعابهم في الجيش حتى  يمنع اختلاطهم  بالمجندات اليهوديات.

وبالتطرق إلى تأثير الحاخامات في عدة حروب سابقة خاضتها إسرائيل، كحرب لبنان الأولى 1982 وحرب لبنان الثانية 2006، وحربي غزة 2008 و2014، يتضح أن أكثر الحاخامات اليهود تطرفًا هم من ألقوا المواعظ الدينية على الجنود قبيل الشروع في الحرب وأثنائها، إذ وزعت ما يعرف بـ«الحاخامية العسكرية» خلال هذه الحروب، كراسات على الجنود تطالبهم فيها باقتفاء أثر «يوشع بن نون» في انتصاراته العسكرية.

 

وبررت الحاخامية العسكرية، القتل الجماعي، على أنه «ضرورة شرعية ملحة لتطهير الأرض من قوة الشيطان»، مُوزعةً منشورًا يحمل توقيع حركة «تلاميذ الحاخام إسحق جيزنبرج»، يدعو إلى «عدم الاكتراث بحياة المدنيين في غزة، فهم مجرمون، ونحن ندعوكم إلى تجاهل كل القيم والأوامر التي من شأنها أن تعرقل سير القتال كما يجب أن يكون. دمروا العدو».

وعلى سبيل المثال كشفت عدة تقارير عن الحرب الأخيرة على قطاع غزة المُحاصر، في 2014، عن دور بارز  للحاخامات في دفع الضباط والجنود لاستهداف المدنيين الفلسطينيين. كما نُقل عن الحاخام الجنرال رونتسيكي، قول لجنود لواء المظلات: «الوحشية مطلوبة مع الأغيار، لا مجال للرحمة مع هؤلاء، الرحمة هنا تساوي الموت».

عوفاديا و«شريعة الملك»

«الأسد أكل عرفات والدب أكل أبا مازن«، تحمل هذه الموعظة الدينية اليهودية، تحريضًا على العرب لا يكف عنه الحاخام عوفاديا يوسيف، فهو أيضًا من قال إن «العرب أنجاس وأفاعٍ»، وأن «الله يندم كل يوم على أنه خلق ذرية لإسماعيل».

ويستمر يوسيف في الدعوة إلى إهلاك العرب وقتلهم، بخاصة عن الحديث عن «الخطر الديموجرافي» الذي يُشكله العرب على اليهود، وهو القائل في موعظةٍ عشية عيد الفصح اليهودي، إن «الله يجب أن يُدمّر العرب»، حاثًا مريديه على الهتاف من ورائه: «صُبّ غضبك على الأغيار»، مُستخدمًا اللغة العربية في تحريض قال فيه: «يجب عدم الرأفة بهم، يجب توجيه الصواريخ باتجاههم على كيف كيفك (قالها بالعربية)، يجب إبادة هؤلاء الماكرين الملاعين«.

أما الكتاب الأبرز الذي يلقى رواجًا في صفوف المستوطنين و يدعو بشكل واضح لقتل غير اليهود بخاصة الفلسطينيين، فهو كتاب «شريعة الملك» الذي ألفه الحاخام يتسحاق شابيرا من مستوطنة «يتسهار»، ويتضمن عددًا من الفتاوى الحاثّة على قتل الأطفال الفلسطينيين، حتى أن إسرائيليين يرون أن العناصر اليهودية المتطرفة، أو «إرهاب تنظيمات إسرائيلية» تمس الأطفال بالسوء، قد تأثروا بشكل أساسي بكتاب «شريعة الملك»، كونه يتضمن فتاوى تُجيز قتل الأطفال، بما في ذلك الرُّضع. ويُشار إلى أن عددًا من أعضاء مجلس الحاخامية الكُبرى، والذي يُعد أكبر هيئة دينية رسمية في إسرائيل، وصفوا الكتاب بأنه «إبداعٌ فقهي»!

من مؤيدي الكتاب، ومن أبرز المحرضين على قتل العرب، حاخام مستوطنة كريات أربع، دوف ليؤور، والذي يُعدّ من أبرز الحاخامات الداعين إلى رفض الأوامر العسكرية المتعلقة بإخلاء المستوطن، والمعروف بمقولته: «التوراة فوق القانون»، رغم أنه يتقاضى أجرًا من الخزانة الإسرائيلية.

فتاوى القتل في كل مناسبة

لا يحدث أمر إلا ويخرج بعده الحاخامات اليهود بفتاوى تبيح قتل الفلسطينيين. وسرعان ما أخرج هؤلاء لمواجهة أحداث انتفاضة القدس ما يبيح في العقيدة اليهودية قتل منفذي العمليات من الفلسطينيين بعد القبض عليهم، وتحظر هذه الفتوى إبقاءهم على قيد الحياة كفريضة دينية.

 

ولم يتردد الحاخام «بن تسيون موتسافي»، في إجابته على سؤال حول التعامل مع الفلسطيني بعد القبض عليه، أن يقول: «إنها فريضة دينية أن تمسك برأسه وتضربه بالأرض حتى يلفظ أنفاسه». كما لم يكتف حاخام مدينة صفد، شموئيل إلياهو بالدعوة لمنع تأجير أو بيع بيوتٍ للعرب، وقد منع طلاب صفد العرب من الحصول على سكن جامعي بسبب ذلك، بل طالب أيضًا بمحاكمة جنود إسرائيليين لعدم قتلهم فلسطينيين من منفذي عمليات الطعن بالسكاكين بعد القبض عليهم، ناشرًا على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: «يحظر إبقاء مخرب على قيد الحياة بعد عملية. فإذا أبقيته حيًا، فإنه ثمة تخوف بأن يطلق سراحه ويقتل آخرين«.

أما المثير فكانت فتواه بقتل العرب على الحرائق التي اشتعلت هذا الشتاء في مناطق مختلفة من إسرائيل، إذ نشر على صفحته في فيسبوك: «لو أطلقوا النار على مشعلي الحرائق في بيت مئير وكرميئيل وحيفا لما وقعت هذه الكارثة. وآمل أن يصدر رئيس أركان الجيش والمفتش العام للشرطة أوامر للجنود وأفراد الشرطة والإسرائيليين المستمدة من أن إشعال النار لا ينتهي، لأن هذه مسؤوليتهم».

وفي إحدى عظاته الدينية المكتوبة، أشار إلياهو إلى أن اتفاق أوسلو الموقع مع السلطة الفلسطينية في 1993، سمح بتسليح الفلسطينيين، «على أمل أن يقتتلوا داخليًا»، على حد قوله، ومع «وجّهوا السلاح نحونا»، لذا فهو يرى أنه على اليهود ليس الحذر وفقط من العرب، وإنما قتلهم أيضًا.

هُناك أيضًا حاخام كنيس نيوجيرسير، «ستيفن بروزانسكي»، الذي دعا إلى معاقبة العرب في الداخل، والفلسطينيين بشكل جماعي، وذلك كي «يدركوا أنهم لا مُستقبل لهم على أرض إسرائيل» على حد تعبيره، مطالبًا في مقال له عنونه بـ«التعامل مع المتوحشين»، يقصد العرب، بتدمير جميع البلدات العربية واقتلاع قبة الصخرة وإطلاق الرصاص الحي على ملقي الحجارة، ومنع الصحافة من تغطية تلك المشاهد ومصادرة كاميرات الصحافيين.

أما في الضفة الغربية، فقد وصل الأمر إلى حد إصدار رئيس مجلس حاخامات المستوطنات هناك، الحاخام «شلومو ملميد»، فتوى تجيز تسميم مياه الشرب في القرى والبلدات الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية. ونقلت منظمة «يكسرون الصمت» الحقوقية الإسرائيلية تبرير الحاخام للفتوى بقوله «إن الهدف من تسميم المياه يتمثل في دفع السكان المحليين الفلسطينيين إلى ترك قراهم وبلداتهم ليتسنى للمستوطنين السيطرة على أراضيها«.

عنصرية إسرائيل

قبل أيام، أنهى رئيس الحركة الإسلامية رائد صلاح، محكوميته في السجون الإسرائيلية، والتي بلغت مدتها تسعة أشهر، في رد من إسرائيل على جملة اعتبرتها تحريضية، قالها الرجل في خطبة قبل 16 عامًا، وتحديدًا في 16 فبراير (شباط) 2007 في القدس المحتلة، أثناء إلقائه خطبة ضد إغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين، وهي: «إسرائيل تُمهّد لإقامة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى».

 

لم تكن القضية خاصة بالشيخ صلاح، فلا تكف القوات الإسرائيلية عن اعتقال الشباب العربي في مدن الداخل لمجرد كتابتهم منشورات نعي لشهداء الانتفاضة الفلسطينية على فيسبوك، ومع ذلك يرى اليهود المتطرفون أن السلطات الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع العرب بـ«قفازات من حرير» كناية عن التعامل الليّن، في الوقت الذي يُطالبون فيه بمنح حصانة للحاخامات اليهود، تحميهم جنائيًا من أن تطالهم يد القانون بسبب تحريضهم ضد العرب أو اليهود اليساريين.

ما قد لا يعرفه الكثير أن الحاخامات ليسوا فقط شخصيات دينية معروفة، بل هم في الغالب موظفون حكوميون يعملون في سلك الدولة الإسرائيلية، وهم رجال دين يحصلون على راتبٍ حكومي، ويستوجب القانون الإسرائيلي اعتقال الحاخامات إذا تجاوزوا ما تقتضيه وظيفتهم الرسمية، ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات رادعة ضد المحرضين منهم، وهو ما لا يحدث.

ويعتبر هذا النوع من فتاوى الحاخامات، مناقضًا تمامًا للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، وعلى وجه التحديد المادتين الثالثة والخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفقًا لما أشار إليه خبير القانون الدولي حنا عيسى.

ظاهرة الاعتداء على العرب

لم تكن دعوات التحريض والتصريحات العنصرية التي يطلقها الحاخامات اليهود، أن تخرج لحيز التنفيذ إلا تحت حماية السلطات الإسرائيلية، التي غطّت على الكثير من الجرائم التي ارتكبها متطرفون يهود ضد الفلسطينيين.

بل وصل الأمر لحد خلق ظاهرة تتكرر يوميًا تتمثل في اعتداء شبان وفتية يهود على العرب بدوافع عنصرية، وبتأثير الكراهية والأفكار اليمينية المتطرفة، حسب ما يؤكده تقرير نشره الموقع الإلكتروني لصحيفة  يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، وصف المعتدين بأنهم «متدينون سئموا الدين، لكنهم لا يزالون يُبجّلون الحاخامات، وهم أعضاء في مجموعات فيسبوك يمينية ويتسكعون في الليالي في وسط القدس».

وأوضح التقرير أنه ثمة سمات مُشتركة للمعتدين اليهود، وهي أن «معظمهم كانوا في الماضي جزءًا من العالم الديني الحريدي، قبل أن يتركه في الفترة الأخيرة»، وهو ما تكشفه صورٌ قديمة لهم تظهر فيها سوالفهم الطويلة ولبساهم الحريدي.

يتضح إذًا كيف أن لرجال الدين اليهود تأثيرًا كبيرًا على المجتمع والسلطات الإسرائيلية، وأن تأثيرهم يزيد أكثر على فئة الشباب، الذين يُشحنوا بالعنف والعنصرية تجاه الغير، أو أي مُختلف عنهم، وهو ما أكّد عليه مدير الائتلاف لمناهضة العنصرية، نضال عثمان.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد