مشهد رمزيٌّ يلخص الحالة السياسية التي تعيشها الجزائر بعد حوالي سنتيْن من انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي، الذي استطاع إجبار الرئيس بوتفليقة على الاستقالة في أبريل (نيسان) 2019.

فبينما حكمت المحكمة العسكرية بالبليدة، ببراءة كلٍّ من الجنرال محمد مدين المعروف بـ«الجنرال توفيق»، قائد المخابرات السابق، وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق، وبشير طرطاق المنسِّق السابق للمخابرات، بعد إعادة محاكمتهم مرَّة أخرى؛ يوجد رشيد نكَّاز، أحد أبرز وجوه المعارضة وصاحب الدور الكبير في انطلاق الحراك الشعبي، في السجن منذ أكثر من سنة، بعد اعتقاله في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2019، بالإضافة إلى حوالي 90 معتقلًا بتهم متعلِّقة بالمشاركة في الحراك الشعبي.

لم يكن اسم رشيد نكاز معروفًا في المجال العام الجزائري قبل سنة 2013، فرجل الأعمال الثريُّ الذي أمضى جلَّ حياته في فرنسا، واستطاع تحقيق ثروة من خلال شركة تقنية ناشئة، قبل أن يستثمر في مجال العقارات؛ كانت له مغامرات سياسية محدودة في فرنسا، البلد التي وُلد فيها ودرس بها وأمضى فيها أغلب حياته، فوالده كان مهاجرًا جزائريًّا انتقل إلى فرنسا بحثًا عن وظيفة.

ويقول رشيد نكاز الذي حاول الترشح في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في سنة 2007، إنها كانت مجرد حركة رمزيَّة من أجل كشف تحيُّز النظام الفرنسي ضد المسلمين. 

بدأ اسم رشيد نكاز يشتهر في سنة 2010 في الأوساط الإسلاميَّة من خلال دفعه لغرامات المنتقَّبات في فرنسا وأوروبا، بعد أن قرَّرت بعض البلاد إقرار غرامات ماليَّة ضد كل من ترتدي النقاب في الأماكن العامة، ويقول إنه بقي يدفع هذه الغرامات إلى غاية سجنه في ديسمبر 2019. 

رشيد نكاز.. سياسي يسحب البساط من الوجوه التقليدية

بدأ نجم رشيد نكاز يسطع في الساحة السياسية خلال سنة 2014 عند ترشُّحه لانتخابات الرئاسة الجزائرية في السنة ذاتها. فبينما كانت وسائل الإعلام تستضيفه بوصفه مرشَّحًا غير جاد مثيرًا للسخرية، خصوصًا بسبب لهجته العامية التي يمكن للسامع أن يلحظ أنها غير مُتقنة، ومتأثِّرة كثيرًا بالنطق الفرنسي؛ كان يستغل هذا الظهور الإعلامي من أجل وضع اسمه في الواجهة وطرح أفكاره التي لاقت استحسان شرائح واسعة من الجماهير.

تركَّزت اقتراحات رشيد نكاز خلال الترشح في تلك الفترة على برامج وقرارات تخاطب الشباب مباشرة وتمسُّ انشغالاتهم اليوميَّة، والتي وصفها البعض بالشعبوية، من بينها إلغاء الخدمة الوطنية الإجبارية، كما اعتمد على خطاب مُهادن للسلطة لا يسعى إلى التهجم عليها أو استفزازها.

وقد بدأت مضايقات النظام لنكاز منذ تقديمه لملفِّ ترشحه لرئاسيات 2014 – التي شهدت ترشُّح بوتفليقة لعهدة رابعة وهو في حالة صحية سيئة – إذ تعرَّضت استمارات الترشُّح للسرقة من داخل مقرِّ «المجلس الدستوري».

رشيد نكاز أثناء إحدى المسيرات على أقدامه إلى الصحراء

لكن رشيد نكاز لم يستسلم بعد أن خابت محاولته الأولى في الترشح، فالرجل الذي يملك كاريزما جذَّابة لا تخطؤها العين، علاوة على ابتسامة لا تغادر وجهه، وحسن تعامل، وقدرة على الاستماع لمشكلات الناس دون مقاطعة لساعات متواصلة؛ واصل نشاطه السياسي الدؤوب وبدأ استراتيجية جديدة للالتحام بالفئات الشعبية المسحوقة، من خلال مسيرات على الأقدام من أقصى الشمال إلى الصحراء الجزائرية، ثم من أقصى الشرق إلى الغرب، يلتقي خلالها المواطنين ويزور مختلف المناطق وينشر اسمه في كلِّ مكان. 

ليس هذا فحسب، بل وضع نكاز صوب عينيه ممتلكات المسؤولين الجزائريين في أوروبا، وعمل على فضح هذه الشقق والعقارات التي يمتلكها الوزراء والمسؤولون والتشهير بها من خلال حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما جعله عُرضة للمضايقات وحتى الاعتداءات الجسدية، كما تعرَّض أيضًا للمنع من السفر والاحتجاز في بيته العائلي، ومنعه من دخول الجزائر، والاختطاف من طرف الأجهزة الأمنية عدَّة مرَّات، دون النجاح في إيقاف نشاطه.

رشيد نكاز أمام إحدى الشقق المملوكة لعمار سعداني، الزعيم السابق لحزب «جبهة التحرير الوطني»، أثناء الاعتداء عليه من طرف أحد أفراد عائلة سعداني

بالإضافة إلى ذلك تبنَّى نكَّاز قضية الثروات الطبيعية الجزائرية، موضحًا أن الشركات الفرنسية والأجنبية تحصل على حصَّة غير عادلة من النفط الجزائري، وأن النظام الجزائري متواطئ في التفريط في هذه الثروات، بالإضافة إلى قضية الغاز الصخري التي رفض سكان عين صالح استغلاله بسبب تلويثه لمخزون المياه.

وقد مثَّلت كل هذه التحرُّكات والنشاطات، والفعل الميداني المتماهي مع الجماهير، والمختلف تمام الاختلاف عما تتسم به العديد من الشخصيات السياسية في الجزائر؛ عامل جذب وإعجاب لفئات شعبية كبيرة؛ إذ أصبح نكاز من أكثر الشخصيات السياسية متابعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بالخصوص لدى فئة الشباب الجزائري.

فقد استطاع قراءة المشهد السياسي والاجتماعي في الجزائر، وبالتالي مخاطبة الفئات الشعبية حول ما يمسُّ حياتهم اليومية مباشرة؛ واستغلال مواقع التواصل لنقل هذا النشاط وإبرازه إلى العموم. 

رشيد نكاز في عين صالح لرفض مشروع الغاز الصخري سنة 2015

وبسبب طريقته غير المألوفة للكثيرين، اتَّهمه البعض بممارسة الشعبوية وانعدام الواقعية، وبالقيام ببعض الممارسات لغرض إثارة الضجة الإعلامية فقط لا غير، والتي من بينها تلك الحادثة التي صدمت المراقبين أثناء ترشُّحه للرئاسة سنة 2019، حين رفض المجلس الدستوري قبول ملفِّ ترشُّحه، فقرَّر بدلًا من الانسحاب، ترشيح ابن عمِّه الذي يحمل الاسم ذاته «رشيد نكاز» ويعمل ميكانيكيًّا، وإهداء استماراته إليه، ووعد أنصاره بأن ابن عمَّه بعد الفوز بالرئاسة، سوف يستقيل ويسلِّم السلطة إليه!

هل كانت حملة رشيد نكاز الرئاسية نواة حراك 22 فبراير؟

نجح رشيد نكاز في فترة زمنية قياسية، من صناعة حالة سياسية استثنائية في الساحة الجزائرية؛ فعكس باقي السياسيين ورؤساء الأحزاب، بدأ نكَّاز، الذي بدأ نشاطه من الصفر منذ 2014 يشتبك مع الأوساط الشعبية البسيطة ويزور القرى المداشر النائية، ليسلب في هذه المدة القصيرة قلوب فئات واسعة من الشباب، ويصبح فاعلًا مهمًّا في الساحة السياسية، رغم عدم امتلاكه لأية قواعد حزبية أو أيديولوجية راسخة يمكنه الاعتماد عليها.

 وأصبحت زيارته لمدينة ما أو قرية، حدثًا مشهودًا يستقبله فيه المواطنون ويشتكون إليه مشكلاتهم وهمومهم المعيشيَّة وسخطهم من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما يوثِّق كلَّ ذلك من خلال «لايف» صفحته في «فيسبوك»، والتي تحوَّلت إلى منبره الإعلامي الأوحد، لدرجة أن المتابع قد يخيَّل له أن نكَّاز موجود على البث المباشر طوال 24 ساعة، خصوصًا في ظلِّ الحصار الإعلامي الشديد الذي فرضه عليه الإعلام الجزائري الذي غيَّر تعامله معه جذريًّا.

فبينما كانت القنوات الإعلامية تتسابق إلى استضافته في بداية مشواره السياسي، بوصفه مجرَّد شخص مثير للسخرية، ومصدرًا للفكاهة وجلب المشاهدات، يطمح إلى الوصول إلى كرسي الرئاسة؛ سرعان ما مُنع من الظهور في الإعلام بصفة صارمة بعد الصعود الصاروخي لشعبيته في فترة وجيزة، وتحوُّله إلى فاعل حقيقي على الأرض. 

ولا يمكن إغفال الدور المهم الذي لعبته الحملة الرئاسية للمترشح رشيد نكاز لانتخابات 2019 في صناعة مشهد الحراك الشعبي؛ فقد استغلَّ نكَّاز ببراعة انتشار حالة كبيرة من السخط والغضب الشعبي اتجاه ترشُّح الرئيس السابق بوتفليقة لعهدة خامسة، من أجل الدفع بشخصه بديلًا عن الرئيس المُقعد العاجز عن أداء مهامه.

وفي الوقت الذي كان يطوف فيه على المدن والمحافظات والقُرى، كان يُهيئ بصفة ضمنية الميدان للثورة الشعبية؛ إذ إن تجمعاته الشعبية التي كانت ظاهريًّا من أجل الحملة الانتخابية، كانت في حقيقة الأمر مناسبة للتجمُّع الشعبي والتجمهر – الذي عادة ما يُقمع من طرف الشرطة – ومناقشة السياسة وأحوال البلاد، والاعتراض على النظام الحاكم؛ إذ كثيرًا ما كانت تُرفع في تجمعاته الانتخابية شعارات منددة بالعهدة الخامسة. 

هذه التجمعات والاحتجاجات كانت هي النواة التي هيَّأت الأرضية لانطلاق احتجاجات الحراك الشعبي في 22 فبراير (شباط) 2019، وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل واضح في زيارته إلى مدينة خنشلة (450 كم شرق العاصمة) التي جرت قبل ثلاثة أيام فقط من بداية الحراك الشعبي، حيث استُقبل استقبالًا جماهيريًّا ضخمًا.

وبعد اتجاهه إلى مقر البلدية من أجل المصادقة على استمارات الترشُّح التي وقَّعها المواطنون المساندون له، رفض رئيس البلدية استقباله، فتحوَّلت الساحة المُقابلة لمقر البلدية إلى احتجاجات شعبية ضخمة بسبب هذا الرفض، وانطلقت شعارات رافضة لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة، ثمَ تطوَّرت هذه الاحتجاجات والهتافات إلى درجة إسقاط المحتجِّين لصورة ضخمة للرئيس بوتفليقة كانت معلَّقة على مقرِّ البلدية، وداس المتظاهرون عليها بأقدامهم. 

الزنزانة 85.. أبرز رموز الحراك يعاني في السجن

يقبع رشيد نكاز في السجن منذ أكثر من سنة؛ إذ جرى اعتقاله في الرابع من ديسمبر 2019، بتهمة «المساس بالوحدة الوطنية وتحريض المواطنين على حمل السلاح عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والعمل على مخطط لمنع المواطنين من أداء واجبهم الانتخابي، والتجمهر والتعدي الجسدي» حسب جريدة «الشروق» الجزائرية، وذلك على خلفية تصريح له على مواقع التواصل الاجتماعي، دعا فيه إلى منع قانون المحروقات الذي كان – حسب قوله – سيتخلَّى عن ثروات البلاد النفطية لصالح الشركات الفرنسية.

وفي فيديو نشره عبر صفحته على «فيسبوك» قال نكاز: «أقول لنواب البرلمان، أي شخص منكم سيوافق على بيع قطرة من الغاز والنفط للشركات الأجنبية، من حق أي جزائري أن يحمل الرشاش ويقتلكم واحدًا واحدًا». ويقول نكَّاز إن قرار اعتقاله صادر عن الشركات النفطية العالمية التي حاول منعها من الحصول على النفط الجزائري، وأنها تنتقم منه من خلال هذا السجن التعسفي، بحسبه.

ويوجد نكَّاز منذ أكثر منذ سنة في زنزانة انفرادية بسجن مدينة القليعة، ويقول عبر الرسائل التي يرسلها بين الحين والآخر إن ظروف سجنه الشخصية شديدة السوء؛ إذ جرى نقله إلى الرواق نفسه الموجود فيه متهمون في قضايا إرهابية؛ كما يشتكي من سوء الخدمات والرعاية الصحية، بالإضافة إلى سوء الوجبات الغذائية، خصوصًا مع منع إدخال الغذاء من طرف عائلات المساجين منذ بداية جائحة كورونا الصحية.

جدير بالذكر أنه لم يحدد إلى الآن أي موعد لمحاكمته، ويرفض القضاء الجزائري الإفراج عنه رغم طعن دفاعه، ومطالبته بإطلاق سراحه بسبب الخروقات القانونية التي تشوب ملفَّه، حسب هيئة الدفاع.

ومع الإفراج المتتالي عن العديد من رموز نظام بوتفليقة، آخرهم الجنرال توفيق، والبراءة في قضيَّة التخابر لكل من شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة، ومنسق جهاز المخابرات، بشير طرطاق، بالإضافة إلى الوزراء السابقين مثل عمارة بن يونس، أو من درج الإعلام الجزائري بعد الحراك على تسميتهم بـ«العصابة»؛ يتساءل الشارع الجزائري عن أسباب الإبقاء على اعتقال رشيد نكاز و90 معتقلًا في السجون الجزائرية بتهم متعلِّقة بالمشاركة في الحراك الشعبي، وإن كان سجنهم مرتبطًا بالحراك الشعبي.

الربيع العربي

منذ أسبوع
بعد براءة سعيد بوتفليقة والجنرال توفيق.. هل فشل الحراك الشعبي الجزائري؟

المصادر

تحميل المزيد