في نهاية التسعينيات ومطلع الألفية، كان من النادر أن ينجو طفل داكن البشرة في مصر، من أن يغني له رفاقه: «شيكولاتة، شيكولاتة، زفوا الورد على الشيكولاتة»، التي عُرفت من خلال الفيلم  الذي انتشر على نطاق واسع آنذاك، «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، والذي حفل بالعديد من «الإيفيهات» التي أطلقها بطل الفيلم، الفنان محمد هنيدي، وهو يغازل فتاة الليل «سمارة» ذات البشرة السوداء، والتي أصبحت صديقته بفضل المفارقات الدرامية.

آنذاك وبسبب شعبية محمد هنيدي؛ وقع الكثير من المصريين ذوي البشرة الداكنة، ضحايا «إيفيهات» هنيدي في الفيلم، إذ لم يخل مشهد جمع بين خلف الدهشوري (محمد هنيدي) و«سمارة»، من إفّيه واحد على الأقل يسخر من لون بشرتها واصمًا -بهذا الاستحقاق للسخرية- عرقًا بشريًّا كاملًا، فما بين «وبتطفي النور ليه ما انتي مضلمة خلقة» و«أنا مش شايفلك إيد من رجل من راس يخربيتك» و«استغفر الله العظيم الولية ماتت من وشك الأسود»، كانت البشرة السوداء مادة لا تنضب لسخرية هنيدي التي ربعته على عرش لم ينافسه فيه من أبناء جيله إلا علاء ولي الدين.

وبالرغم من أن خط أحداث «سمارة» وتيمة السخرية من البشرة السوداء لم يكونا محورًا رئيسيًا في الفيلم، الذي لن يحتاج إلى إشارة هنا تؤكد على مكانته الاستثنائية في الكوميديا المصرية، إلا أن تلك الاستعارات العابرة قد وجدت طريقها إلى «إيفيهات» المصريين اليومية، الذين جاءوا في إحصائية حديثة، خامس شعوب العالم في ممارسة العنصرية، التي يتعرض لها نحو 40% من المصريين.

كوميديا «للرجل الأبيض المتوسط»

لم تكد «إيفيهات» فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» تخفت في أذهان المصريين إلا ولحقه عام 2001 فيلم «أفريكانو»، الذي يسافر بطلاه أحمد السقا وأحمد عيد (بدر وعصام) إلى جنوب أفريقيا، وحين يقرران دخول أحد النوادي الليلية، يجدان مجموعة فتيات ذوات بشرة سوداء من النادي ليقول عيد ساخرًا «هو النور قاطع جوه ولا إيه؟»، وفي العام التالي شارك أحمد عيد أيضًا في فيلم «قلب جريء»، وفي أحد المشاهد يذهب ليؤدي دورًا في فيلم سينمائي فيأمر المخرج بدهنه باللون الأسود ليقف ضمن العبيد، ليرد عليه عيد: «عبيد إيه يا أستاذ، أنا طموحي أكبر من كده»، فيُجيبه المخرج «مالهم العبيد؟ مش عاجبك تتدهن أسود؟ طب ما أنا أسود آهه» فيحبط عيد ويجيبه بدعوة لا تخلو من التلميح «ربنا يزيدك يا أستاذ».

ما لا تعرفه عن مآسي أصحاب البشرة السمراء في مصر

في العام اللاحق 2003، كان محمد سعد في ذروة مجده يواصل تحطيم الأرقام القياسية في شبابيك التذاكر بفيلم «اللي بالي بالك» الذي لم يفوّت قطار التمييز العنصري، ففي أحد المشاهد يظن محمد سعد خطأ أن بنت الخادمة سوداء البشرة هي ابنته فيحتضنها قائلًا «حبيبة بابا مضلمة الدنيا» وعندما تلومه زوجته لأنه ظنها بنتهما يرد عليها «معلش أنا قلت برضه انتي بيضا وأنا أبيض إزاي نخلف صباع العجوة ده؟»، وفي مشهد آخر يتغزل اللمبي في زوجته قائلًا «إيه الشمس اللي منورة الدنيا دي؟»، وعندما يلتفت يجد الخادم الأسود فيتكدر وجهه ويستطرد متبرمًا «إيه الليل اللي هجم دا؟».

خلت سينما 2004 من العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء تقريبا، لكن 2005 جاءت لتعوضها بثلاثة أفلام، أولهم هو «عيال حبيبة» الذي دُهِن فيه الممثل سليمان عيد بلون أغمق من بشرته الداكنة في الأصل، اعتقادًا بأن هذا أكثر إثارة للسخرية التي عززها هو بقوله: «هو هيبقى سواد وريحة وحشة كمان؟» حينما امتدح حمادة هلال العطور التي يضعها سليمان، وفي المشهد نفسه يأتي حسن حسني فينهر ابنه (حمادة هلال) لوقوفه مع عم نصر (سليمان عيد) بقوله: «إيه اللي موقفك مع الضلمة دي؟» ويوجه خطابه لعم نصر «دا كان يوم أسود يوم ما سكنتك عندي في البيت» فيرد عيد مشيرًا إلى نفسه «طبعا كان أسود إنت جبت التايهة يعني».

سود

مشهد من فيلم عيال حبيبة

ومرة أخرى يسخر رامز جلال (مِمس) من صور عائلة عم نصر المعلقة على جدار شقته قائلًا «هي الشقة دي اتحرقت قبل كده ولا إيه؟»، ويتابع محمد لطفي «الصور دي مش كنت تحمضها قبل ما تعلقها»، فيحاول عم نصر تبرير موقفه بأنه حمّضها ثلاث مرات، مما يثير بالطبع ضحكات الشباب (والجمهور كما يفترض) وحينما يغضب عم نصر يختتم مِمس الحفلة عليه باعتذاره: «خلاص يا عم نصر مايبقاش قلبك زي وشك».

الفيلم الثاني في 2005 كان فيلم «أبو العربي» الذي تضمن مشهدًا لهاني رمزي يذهب فيه إلى ملهى ليلي في اليونان لمقابلة رجل مصري اسمه نور فيجد حارسًا ذي بشرة سوداء على الباب ويسأله عن نور فلا يجيب فيقول له: «طب أنت نور؟ يمكن نور وقطع»، أما الثالث فقد كان فيلم «حاحا وتفاحة» حيث يسخر فيه حاحا (طلعت زكريا) من مجموعة أطفال سود البشرة بقوله لأمهم «ربنا ما رزقكيش بعيل أبيض يكسر الضلمة اللي انتي عايشة فيها دي».

يحصي تقرير للمرصد المصري لمناهضة التمييز العنصري أكثر من 50 فيلمًا وعملًا دراميًا مصريًا خلال ما انقضى من سنوات الألفية حتى 2017 تتناول الأشخاص داكني البشرة بطريقة تسخر من لونهم أو لهجتهم أو تمارس ضدهم تنميطًا سلبيًا بحصرهم في أدوار السفرجي والبواب.

100 عام من «يا أسمر اللون يا لالالي»

التمييز العنصري في السينما المصرية ليس وليد موجة أفلام الألفينات وإن كانت هي الأقسى، فقبل ذلك بعقد تقريبًا، في فيلم «شمس الزناتي» عام 1991، يسخر مصطفى متولي من لون بشرة علي عبد الرحيم بقوله «عارف ياض يا سامبو، لو الشغلانة اللي عايزنا فيها الزناتي دي في كحل الليل، هتطلع أنت البريمو، بس اوعى تضحك كدا لتنور وتكشفنا وتبقى ليلتنا طين».

لم نزل في «جروبي وسط البلد».. كيف رسخت الدراما المصرية العنصرية ضد السودانيين؟

ويمكن القول بأن ما جرى عليه العرف في السينما المصرية منذ بدايتها من تنميط للسود في أدوار الخدم والبوابين والطباخين؛ لم يكن نبتًا «شيطانيًا»، فقد كان أثرياء مصر إبان عهد الملكية يحرصون على توظيف النوبيين تحديدًا في هذه المهن، فجاء علي الكسار ليرسخ بشخصية «عثمان عبد الباسط» هذا الدور لشخصية النوبي في عشرات المسرحيات والأفلام، وفي أحدها توبخه زوجته قائلة «كويس كده؟ أهو الواد لسة مجاش لحد دلوقتي، ومين عارف جراله إيه؟ مبسوط بوشك الأسود دا؟».

ومنذ ذاك الحين تلقفت السينما المصرية هذا الشكل النمطي للخادم أو السفرجي أو البواب في مئات الأفلام والمسلسلات، حتى بعدما لم تعد تلك المهن مرتبطة في واقع المصريين ولا في أذهانهم بالبشرة السوداء إلا باعتبارها صورة من الماضي، وكما رأينا أن ذلك امتد إلى فيلم مثل «اللي بالي بالك»، يذكر المرصد المصري لمناهضة التمييز العنصري في تقريره أن 10 أفلام في سنوات الألفية حصرت ذوي البشرة السمراء في تلك الأدوار فقط.

نيران العنصرية الصديقة أحيانًا

المفارقة التي لا يمكن إغفالها هنا لا تكمن فقط في أن تلك السخرية قد يشارك فيها أحيانًا ممثل أسمر مثل سليمان عيد، أو أن يسخر ممثل داكن البشرة مثل مصطفى متولي من ممثل آخر أغمق لونًا مثل علي عبد الرحيم، الأغرب هو أن يكون مخرج الفيلم الأبرز في هذا التقرير «صعيدي في الجامعة الأميركية» هو المخرج السوداني سعيد حامد، وهو أيضا المخرج الأعلى رصيدًا في تقرير مرصد مناهضة التمييز العنصري برصيد ستة أفلام.

المحامي محمد عزمي، المدير العام «للمرصد المصري لمناهضة التمييز العنصري»، يرى أن الكارثة في مصر تتمثل في أن: «المثقفين والوسط الإعلامي لا يروا أن هناك تمييزًا عنصريًا في البلد»، وأوضح أن تقرير المرصد عمل على رصد التمييز العنصري في مختلف مجالات الفن والإعلام، إذ رصد تلك الممارسات في الأعمال السينمائية والدرامية والبرامج التلفزيونية والصحف، بالإضافة إلى رصد ميداني لحالات تعرضت للتمييز.

مؤكدًا أن: «أكثر الممارسات العنصرية التي تتم في الشارع من إيفيهات الأفلام»، ومشيرًا إلى أن: «تقبل هذه الممارسات من باب المزاح أو العكس قد يختلف من شخص إلى آخر، لكن الناس لا يفهمون كذلك معنى أن تنتهك حياة شخص أو أن يُعامل في الشارع معاملة مواطن درجة ثانية لمجرد أنه أسود».

كان مهمًا أن نستفسر أيضًا من صانع «صعيدي في الجامعة الأمريكية» عن سبب تضمين الفيلم لتلك المشاهد الساخرة من البشرة السوداء، فأجاب لـ«ساسة بوست»، بأنه «لا يرى في ذلك أي إساءة للسود، إذ إن السخرية جزء من المصريين جميعا، مثلها في ذلك مثل المشهد الذي قال فيه خلف لصديقه علي نصيحته الأثيرة بألا يأمن لامرأة في الدنيا إلا أمه، وهذا فقط ما لم يطلقها أبوه».

يضحك الأستاذ سعيد حامد حين يسترجع الإفيه ويؤكد أن هذا بالطبع غير وارد، ولكنها كوميديا مصرية بحتة، ويعود لسمارة التي «أحبت خلف وكان الوحيد الذي أدخلته بيتها»، وعندما أشرنا إلى احتمالية تمرير «الإيفيهات» في الفيلم على سبيل المزاح بين الشخصيات، ثم تظهر المشكلة عند انتشارها لاحقًا واستخدامها في التنمر والتمييز ضد نوع معين من الناس، حتى دون إدراك ممن يستخدمها، رد المخرج بأن: «هذه عنصرية تكمن في بعض النفوس الضعيفة» موضحًا أنه يفخر بأصحاب البشرة السوداء وأدوارهم في السينما منذ أيام الأبيض والأسود لأنهم كانوا مشهورين بالأمانة، وكانوا شرفاء في هذه المهن التي حُصروا فيها، مما جعل الناس يستأمنونهم على بيوتهم، ولا يسيء لهم أنهم كانوا يقومون في الأفلام أيضًا بأدوار تلك المهن ذاتها.

سؤالنا الأخير لمخرج فيلم «يا أنا يا خالتي» حول هل إذا أخرج «صعيدي في الجامعة الأمريكية» الآن في 2018، كان سيمرر فيه الإيفيهات ذاتها؟ فقال: «إن الكوميديا تغيرت الآن لكن لا مشكلة ما دامت المشاهد والإيفيهات ستوضع في سياقها وتُوَظّف بشكل صحيح، أما أن يأتي من يقتطعها من سياقها ويوظفها في غير محلها فهذه ليست مشكلتي»، مشيرًا إلى أن: «الناس يقتطعون آيات القرآن نفسه من سياقها»، قبل أن يضيف أننا: «في فترة بناء دولة حديثة والوقت ليس مناسبًا للحديث عن وجود تفرقة عنصرية وما إلى ذلك من المشاكل البسيطة»، بحسب قوله.

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!