«نعم، نحن عنصريون. نحن نؤمن بالعنصرية.. هناك عروق في العالم والشعوب لديها ميزات وراثية، وهذا يتطلب منا مساعدتهم، اليهود هم العرق الأنجح»، إذا ما كنت تتابع الشأن الإسرائيلي فليس من الغريب أن تعلم أن القول السابق يعود إلى مدير كلية «بني دافيد» العيزر كاشتئيل، وهو قولًا يمثل ذرة في كومة العنصرية التي تنبع من مؤسسات التعليم الإسرائيلي، بحسب البعض.

فالحاخام الذي ألقى محاضرته في الكلية المقامة على أرض مستوطنة إيلي الواقعة في جنوب مدينة نابلس الفلسطينية قال أيضًا حسب سلسلة تسجيلات مسربة: «الأغيار يريدون أن يكونوا عبيدنا. أن تكون عبدًا ليهودي هو الأفضل، إنهم سعيدون بكونهم عبيدًا، إنهم يريدون أن يكونوا عبيدًا»، مضيفًا: «في كل مكان حولنا، نحن محاطون بأشخاص مع مشاكل وراثية، اسألوا عربيًا بسيطًا أين تريد أن تكون؟ يريد أن يكون تحت الاحتلال، لماذا؟ لأن لديهم مشاكل وراثية، إنهم لا يعلمون كيف يديرون دولة، إنهم لا يعلمون كيف يفعلون أي شيء».

التلاميذ العرب في مرمى نيران وزارة التعليم الإسرائيلية

يدرك فلسطينيو الداخل أو «عرب 48» وحدهم معنى أن يتسلم عضو مركزي في حزب إسرائيلي متدين، أو زعيم في حزب مماثل، زمام الأمور في وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، فقد لمسوا من هؤلاء تغلغلًا متزايدًا للمكونات الدينية اليهودية في مناهج وكتب التعليم بالمدراس الإسرائيلية، لكن أكثر ما يقلقهم هو أن هناك مزيدًا من التمييز ضد التلميذ العربي.

تلاميذ دينيون في مدرسة في ميعادريم بالقدس المحتلة

وللتدليل على الحقائق السابقة، سجلت فترة تولي كلّ من الوزراء المتدينين المتطرفين دعون ساعر وشاي بيرون ونفتالي بينيت لوزارة التعليم الإسرائيلية خلال السنوات 2012 – 2016 رفعًا لميزانيات التلاميذ في المدارس الثانوية الدينية اليهودية بشكل كبير، حيث يحصل التلميذ اليهودي في المدرسة الابتدائية على ميزانية أعلى بنسبة 30% من الميزانية التي يحصل عليها التلميذ العربي، ثم تتسع الفجوة في المدارس الإعدادية، حيث يحصل التلميذ اليهودي على ميزانية أعلى من التلميذ العربي بـ50% وفي المدارس الثانوية بـ75%، حسب معطيات العام 2016.

لتصبح هذه الميزانية الأعلى بين سائر قطاعات التعليم، وتصل الذروة في العام 2017 حين خصص 33 ألف شيكل (الدولار يساوي 3.5 شيكل) للتلميذ الواحد سنويًا، وهو مبلغ أكثر من 22% من الميزانية المخصصة للطلاب التلاميذ اليهود في المدارس الثانوية الرسمية، وأكبر بـ67% من الميزانية المخصصة للتلاميذ المدارس الثانوية العربية.

وقد أحدثت سياسة التمييز ضد جهاز التعليم العربي فجوة كبيرة، ليتحقق بذلك سياسية ترسيخ الجهل والفقر في المجتمع العربي، فحسب معطيات نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فإن «معدل التلاميذ للمعلم في جهاز التعليم الحكومي الديني (اليهودي) 8.9 فقط، وفي جهاز التعليم الحكومي (اليهودي) 10.9 تلاميذ لكل معلم، أما في جهاز التعليم العربي فالمعدل 11.3 تلميذًا لكل معلم. وفي جهاز التعليم الحريدي 12.9 تلميذًا لكل معلم».

وللوقوف على عمق الفجوة، تظهر المعطيات أنه في جهاز التعليم الحكومي الديني بالمدراس الثانوية  يعمل مدرس مقابل كل 5.2 تلاميذ، ومدرس مقابل 7.6 تلاميذ في جهاز التعليم الحكومي (اليهودي)، أما في جهاز التعليم العربي فإنه يوجد معلم مقابل كل 10.4 تلاميذ.

الجندي المجهول ضد صفقة القرن: ربما يكون إسرائيل نفسها!

التلميذ العربي يساوي «تُسع» التلميذ اليهودي

مرت حادثة اشتباكات اليهود الأثيوبيين مع الشرطة الإسرائيلية قبل أيام بالكثير من التفاصيل حول العنصرية التي تنال من هؤلاء داخل المجتمع الإسرائيلي، ويمكننا القول أن واحدة من أبرز مظاهر العنصرية ضد اليهود ذوي الأصول الإثيوبية تتمثل في سوء المستوى التعليمي الذي أدى بدوره إلى ارتفاع نسبة البطالة بينهم.

وتظهر بيانات «مكتب الإحصاء المركزي لإسرائيل» لعام 2017، أن 55.4% فقط من تلاميذ المدارس ذوي الأصول الإثيوبية يحصلون على شهادة الاستحقاق واستكمال تعليمهم الجامعي.

طالب يهودي متدين يعلق قبعته ومعطفه قبل الدروس في مدرسة بونوفيتز يشيف

ما سبق يخص  التلاميذ من ذوي الأصول الإثيوبية، فيما تنامت العنصرية تجاه التلاميذ العرب لحد تفاقم نهج اللامبالاة حيال العنصرية من قبل معلمي المدارس الإسرائيلية الذي أصبح يتخوفون من صد الطلاب اليهود عن عنصريتهم، أو طرح مواضيع حول حقوق الانسان وحرية التعبير حتى لا يتهم مهاجمتهم من قبل التلاميذ اليهود ونعتهم بالعلمانيين اليساريين.

ويؤكد الصحافي الإسرائيلي أوري كاشتي، بعد رصده محادثات له مع تلاميذ مدارس في مرحلة التوجيهي أن «العنصرية لا تقتصر على مدارس في مجتمع معين، حيث إن معلمين إسرائيليين من مختلف المدارس في القدس يقولون إنها منتشرة في كافة المدارس (الراقية)، ويعبر عنها الطلاب في الحصص المدرسية، خاصة في موضوعات المواطنة والتاريخ، وأيضًا في أوقات الفراغ، وبعد اليوم التعليمي وفي المراكز التجارية والساحات والمرافق العامة، في إشارة الى كثرة الاعتداءات على العرب في مختلف أنحاء مناطق 1948، وليس فقط في القدس».

ويضيف كاشتي أن «ما نجح به الوزير ساعر (غدعون ساعر، تولي وزارة التعليم عن حزب الليكود)، هو تعميم شعور اللامبالاة لدى المعلمين حيال ظاهرة العنصرية، وكانت وزارته سحبت كتابًا تدريسيًا لموضوع المواطنة، فيه الكثير من مفاهيم حقوق الانسان ومناهضة التمييز».

أما التقرير الرسمي الذي صدر بعنوان «خطة مؤسساتية لدمج اقتصادي للمجتمع العربي» فيؤكد على أن «الطلاب العرب ذوو تحصيل متدنٍّ في علامات الامتحانات التقييمية مثل بيزا وميتساف في كافة المواضيع وكافة الصفوف، قياسًا بالتلاميذ اليهود وبضمنهم التلاميذ في جهاز التعليم الحريدي، الذي يعتبر مجتمعًا ضعيفًا».

وتعاني المدراس العربية في إسرائيل من نقص بنسبة 30% في الغرف الدراسية،  فقسم من التلاميذ العرب لا يزال يتعلم بغرف متنقلة، ليبلغ النقص اليوم أكثر من 5500 غرفة،  بل إن عدد مكتبات المدارس العربية منخفض قياساً بالمدارس العبرية وعدد كتبها محدود أكثر أيضًا، وينجم عن هذه الأوضاع تفوق في نسبة التسرب من المدارس العربية بـ50% النسبة في المدارس اليهودية، ويبرز عدم نجاح الطلاب العرب حتى لدى الذين ينجحون في إنهاء المدرسة الثانوية، حيث إن 23% منهم فقط يحصلون على شهادة بجروت (شهادة تجيز دخول التعليم العالي) بعلامات نوعية تمكنهم من الالتحاق بالجامعات، بينما النسبة تصل إلى 47% لدى اليهود.

وفي المجمل يحصل التلميذ العربي على ميزانية أقل بنسبة تتراوح ما بين 78%-88% قياسًا بالطالب اليهودي؛ ما يعني أنه بالنسبة لجهاز التعليم العام في إسرائيل، يساوي الطالب العربي تُسع الطالب اليهودي، حسب تقرير «المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)»

«لا أهلًا ولا سهلًا» بالطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية

ارتأت إحدى الطالبات المقدسيات في كلية «دافيد يلين» بالقدس المحتلة أن تكتب على اللوح المعد لكتابات الطلاب «رمضان كريم» في اليوم الأول لشهر رمضان الفائت الموافق الخامس من مايو (أيار) 2019، لكن سرعان ما تفاجأت الطالبة وزميلتها بقيام طالبات يهوديات بتوثيقهن، ثم تقديم شكاوى لإدارة الكلية ضدهن.

بل لم تقف الأمور عند هذا الحد، فحين وصل العضو في حزب «الليكود» ذو المواقف العنصرية، أورن حزان، إلى الكلية جرى استدعاء الطالبات، ثم فرض عليهن مع طلاب عرب آخرين قرارات مجحفة، كالإبعاد عن الكلية حتى نهاية شهر أغسطس (آب) المقبل، وإدراج مكتوب إنذار في ملفهن الشخصي، وتجريد إحداهن من شهادة الامتياز، رغم تحصيلها العالي، بالإضافة إلى تقديم ساعات خدمة جماهيرية داخل الكلية.

طلاب في كلية «بني دافيد» قبل العسكرية، المصدر «إسرائيل أوف تايمز»

المزيد من الحوادث يمكن أن يُلقى الضوء من خلالها على مدى التمييز والعنصرية التي تنال من الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية التي تحصل على مراتب رفيعة في «قائمة التصنيف الدولي للمؤسسات التعليمية»، والتي يشكّل نسبة الطلاب العرب فيها أكثر 10% من مجمل الطلاب.

فعلي سبيل المثال، يعاني الطلّاب العرب في «الجامعة العبرية» في القدس وهي الأكبر بين الجامعات الإسرائيلية، بصورة كبيرة من العنصرية المتفّشية في داخل الحرم الجامعي أو خارجه، في المواصلات العامة وأماكن العمل، والتي يمكن أن تظهر في أرقام استطلاع كشف أن 50% من هؤلاء الطلبة يواجهون مظاهر عنصرية وتمييزًا خلال التعليم، ونحو 40% تحدثوا عن تعابير عنصرية تصدر عن أعضاء الطاقم الأكاديمي.

وبالعودة إلى جملة الحوادث التي تستهدف الطلبة العرب، ففي إسرائيل التي لا تمنح الشاب العربي فرصة متساوية في أية مرحلة، قررت جامعة تل أبيب في يناير (كانون الثاني) الماضي، إغلاق مصلّى الطلاب في حرمها، وذلك قبل أن يمضى عام واحد على افتتاحه بعد جهود كبيرة خاضها الطلاب المسلمين من أجل إيجاد هذا المصلى الصغير، فتحت ذريعة الترميم أغلقت الجامعة المُصلّى بدون تحديد وقت الترميم وإعطاء بديل للمصلين.

كذلك من المعتاد أن يذهب الطلبة العرب في جامعة تل أبيب إلى سكنهم الجامعي فيجدون  مجموعة «تدفيع الثمن» المتطرفة، وقد خطت عبارات عنصرية معادية ومسيئة لهم، كما حدث في اليوم الخامس من يوليو (تموز) الجاري.

الجندي المجهول ضد صفقة القرن: ربما يكون إسرائيل نفسها!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد