اليابان من الدول المصابة بالشيخوخة، وبسبب قلة العمالة من الشباب فيها، تضطر اليابان لفتح أبوابها للمهاجرين، وعلى الرغم من حاجة اليابان إلى بقاء المهاجرين في بلادهم لدفع عجلة الاقتصاد، إلا أن العنصرية في اليابان تكاد تتفوق على بعض الدول الغربية المشهورة بهذا الأمر؛ إذ يتعرض المهاجرون للعديد من حوادث العنصرية، وجرائم العنف المبنية عليها، وخطابات الكراهية، بل محاربتهم في حقوقهم الأساسية في الحياة.

وفي تقرير أصدرته وزارة العدل اليابانية تماس مع حقيقة العنصرية في اليابان ونشرته «رويترز» في عام 2017 وضح أن 40% من المهاجرين في اليابان، والذين يبحثون عن مسكن قد رفضت طلباتهم، ومع زيادة عدد الأجانب في اليابان وفق المسح الذي أجرته وزارة العدل اليابانية بسبب استضافة البلاد لأولمبياد طوكيو 2020؛ يجب تسليط الضوء على بعض مظاهر العنصرية في اليابان التي يتعرض لها المهاجرين الأجانب، خاصة بعد أن اصطدم الإعلام الياباني بحراك السود في أمريكا بعد نشر مقطع مصور من الرسوم المتحركة الذي يرسخ الصورة الذهنية العنصرية عن السود، ويتجاهل ذكر مقتل جورج فلويد كسبب في اندلاع المظاهرات.

«ممنوع دخول الأجانب».. العنصرية في اليابان

هذا المسح الذي أجرته وزارة العدل اليابانية، بغرض الكشف عن قضايا التمييز وحقوق الإنسان والعنصرية في اليابان التي يواجهها الأجانب، وإيجاد سبل لحمايتهم، جاء تحت ضغط من منظمات حقوق الإنسان في أنحاء العالم، بعد أن نوهت أكثر من مرة واستنكرت على الحكومة اليابانية عدم سن قوانين تجرم التمييز العنصري في اليابان، بالرغم من الحوادث المتكررة التي تخص هذا الشأن، وكان هذا هو أول استطلاع حكومي من نوعه في اليابان، أجراه مركز تعليم وتدريب حقوق الإنسان في نهاية عام 2016 ونُشر عام 2017.

من بين 18500 أجنبي تم التواصل معهم خلال إجراء هذا المسح، تجاوب 4252 أجنبي معظمهم من الكوريين والصينيين، وأكثر من 40% منهم عاشوا ما يزيد عن 10 سنوات في اليابان، صرح ما يقرب من 20% منهم أنهم يتلقون أجرًا أقل من اليابانيين مقابل نفس الوظيفة والمهام، وأكد 17% منهم أنهم لا يحصلون على ترقيات؛ لأنهم ليسوا يابانيين.

حوالي 30% من المشاركين في المسح أكدوا تعرضهم للإهانة والتمييز بشكر متكرر، وصرحت امرأة برازيلية أنها عندما حاولت الدخول إلى متجر صغير في هارجوكو؛ منعها الموظفون من الدخول مخبرين إياها أنه لليابانيين فقط. ولا تعد شكوى تلك المرأة مبالغ فيها، فمنع الأجانب من دخول أماكن بعينها ظاهرة تكررت فى اليابان.

الأمر لا يتوقف على التنوية اللفظي أو الشفهي، فهناك ظاهرة أخرى متكررة في اليابان وهي لافتات منع الأجانب من الدخول، وتلك اللافتات أو المنع بشكل عام للأجانب، لا ينطبق على نسبة قليلة من الأماكن العامة والسياحية في اليابان، ولا يتوقف هذا السلوك على أصحاب الأماكن فقط، بل يمتد للمسؤولين أنفسهم، ويعد أكبر مثال على ذلك هو ما قيل على لسان وزير السياحة الياباني نارياكي ناكاياما في عام 2008، والذي وضعه تحت ضغوط من منظمات حقوقية دولية طالبين منه الاستقالة من منصبه وقد كان، وهذا لأنه ورد على لسانه للإعلام الياباني ما يلي: «اليابانيين متجانسون عرقيًا وبالتأكيد لا يحبون الأجانب»، وفي هذا العام امتنع ما يقرب من 70% من الأماكن العامة والسياحية من استقبال الأجانب، سواء كانوا سائحين، أو مهاجرين مقيمين في البلد.

والأمر لا يتوقف على منع غير اليابانيين من دخول بعض الأماكن، ولكن هناك أيضًا سلوك عام من تصدير خطاب الكراهية تم رصده في بعض الأماكن، فتجد على جدران دورات مياة تلك الأماكن، العديد من الشتائم والسباب الذي يخص المهاجرين بشكل عام.

وجدير بالذكر أنه في عام 2014، رفع مشجعو فريق كرة القدم الياباني أورارا ريدز لافتة تقول «اليابانيين فقط» فوق مدخل المدرجات خلال واحدة من المبارايات في ملعب سايتانا، وقد تسبب هذا الشغب في لعب المباراة في ستاد بدون جماهير على الإطلاق، وقد كلفت تلك الحملة الفريق أكثر من 100 مليون ين خسائر في مبيعات التذاكر المفقودة.

مجتمع

منذ 8 شهور
مجتمع مُحافظ أم سادي جنسيًّا؟ معلومات غريبة عن الجنس في اليابان «كوكب السعادة»

وبدءًا من عام 2013 في اليابان انتشرت بعض المسيرات التي تشجع العنصرية والتمييز ضد الأجانب خاصة الكوريين منهم، وبلغ إجمالي التجمعات التي نظمت 347 مسيرة في العام 2013، و378 مسيرة في العام 2014، ودعت بعض اللافتات التي يحملها المتظاهرون إلى نفي الكوريين، أو إقامة مذبحة للتخلص منهم، والتفكير في ذبح الكوريين لمجرد التخلص من وجودهم في اليابان كمهاجرين، وهو الأمر الذي يذكر بواحدة من أهم المذابح التي وقعت في اليابان بدافع العنصرية والتمييز.

«مذبحة كانتو».. اضطهاد الكوريين في اليابان

في عام 1923 ضرب زلزال «كانتو العظيم» خليج ساغامي لمدة تزيد قليلًا عن دقيقة، وبلغت قوته 7.9 درجة بمقياس ريختر، وأدى إلى تسونامي بلغ ارتفاعه الأقصى 12 مترًا واستمر لمدة 10دقائق وفق لبعض الروايات، دمر الزلزال طوكيو وميناء يوكاهاما، واندلعت حرائق كبرى، وانتشر الرعب في قلوب اليابانيين، وتلك الكارثة الطبيعية التي دمرت اليابان في ذاك الوقت وقتلت الكثير من اليابانيين والمهاجرين أيضًا، ولدت بداخل قطاع من الشعب غضبًا وجد ضالته في الخوف المزمن من الأجانب.

وخلال ساعات من وقوع الكارثة والرعب لازال مشتعل في قلوب اليابانيين، انتشرت شائعات بأن السكان الكوريين يستغلون المأساة لارتكاب الحرق العمد، ونهب الممتلكات المتضررة من الزلزال، وتسميم آبار مياه الشرب، حتى أن الإعلام ساهم في انتشار تلك الشائعات بنشر أخبار مرسلة دون دليل على اعتداءات الكوريين المزعومة، تلك الشائعات كانت المتنفس لكل ما يحمله بعض اليابانيين من غضب تجاه الكارثة، وتم توجيهه إلى المهاجرين الكوريين في البلد في حادثة تعرف باسم «مذبحة كانتو».

بدأت الحرب في شوارع اليابان ما بين اليابانيين والكوريين، ولم تكن تلك الحرب في صالح الكوريين لأن الكثير من ضباط الشرطة كانوا في صف الشعب الياباني الغاضب، وفي الأسبوع الأول الذي تلى وقوع الكارثة قُتل ما يقرب من 230 كوريًا على أيدي العصابات المتجولة في اليابان، أو أيادي الشعب، والضباط الغاضبين، وفي نهاية تلك المذبحة قُدر عدد القتلى الكوريين في تلك المذبحة بحوالى 10 آلاف قتيل.

وحتى الآن، وعلى الرغم من أن الكوريين يمثلون النسبة الأكبر من المهاجرين في اليابان، إلا أن الأوضاع الاجتماعية والسياسية لازالت متدهورة بين الطرفين، ويعد أكبر دليل على ذلك هو وجود جماعات مثل جماعة زيتوكوكاي المناهضة لكوريا، والتي تصنف تحت بند الـ«Hate Group»، تلك الجماعة التي تنادي بوضوح تام بكراهية الكوريين وطردهم ونفيهم من اليابان ومعاملتهم معاملة سيئة طالما اختاروا العيش في اليابان، وعلى الرغم من بعض المشاكل القانونية التي تتعرض لها تلك الجماعة، إلا أنها لا تتوقف عن نشاطها.

«المقعد الفارغ في المواصلات» وارتداء «الوجه الأسود»

الاضطهاد والتمييز وأعمال العنف أحيانًا لا تختص الكوريين فقط، فأصحاب البشرة السوداء في اليابان كان لهم نصيبًا واضحًا من العنصرية والتمييز أيضًا. باي ماكنيل الصحافي المقيم في اليابان، والذي لفت النظر إلى الدعايات السيئة في الإعلام الياباني ضد حراك السود في أمريكا من خلال حسابه الشخصي على توتير، يعيش في اليابان من 15 عامًا ويكتب عمودًا صحافيًا بعنوان: «العين السوداء» بهدف مواجهة العنصرية ضد السود في اليابان، ويظهر بشكل متكرر في وسائل الإعلام الياباني متحدثًا عن التنوع وقبول الآخر.

وفي كتابه الأول «Hi! My Name is Loco and I am a Racist» اختار غلافه صورة تعبر عن ظاهرة أطلق عليها «ظاهرة المقعد الفارغ في المواصلات» والتي يعتبرها مثالًا يوميًا وجارحًا، ولكنه في نفس الوقت يجسد العنصرية التي تسيطر على تفكير الشعب الياباني من وجهة نظره، ويعود تعبير المقعد الفارغ على المقعد المجاور لأي أجنبي في المواصلات العامة، أو القطارات، أو حتى المقاهي، وأحيانًا في الشوارع أيضًا؛ لأن بعض اليابانيين حتى وإن كانت المواصلات العامة مزدحمة يفضلون الوقوف على أرجلهم طوال الرحلة بدلًا عن الجلوس بجوار أجنبي.

ويرى ماكنيل أن ظاهرة ارتداء الوجه الأسود تعد أكثر خطورة وعنصرية في اليابان، وهي تتمثل في تلوين الممثلين وجوههم بالسواد لتقديم عرضًا كوميديًا مجسدين السود تجسديًا سيئًا، بل إن هناك بعض المشاهير والمواطنين اليابانيين يلونون وجههم بالأسود في عيد الهلع، وكأن الوجه الأسود هو الوجه المرعب الذي يتنكر به الشخص في هذا اليوم. هذا بالإضافة إلى خط من خطوط الموضة يطلق عليه «Ganguro» ظهر في التسعينات باليابان، وهو عبارة عن تلوين الجسد والوجه باللون الأسود أيضًا.

وأشار أن الطريقة في التعبير عن العنصرية في اليابان تجاه السود، قد اكتسبوه من العنصرية الأمريكية التي ابتدعت ظاهرة «ارتداء الوجه الأسود» كنوع من أنواع السخرية أو الفكاهة أو الرعب، ويظن اليابانيون لأنهم ليس لديهم نفس التاريخ العنصري الذي تمتلكه أمريكا تجاه السود، فارتداء الوجه الأسود يعد أمرًا لا بأس به، ولكن ما يؤكده ماكنيل أن الأمر لا يختلف كثيرًا، والعنصرية لا تحتاج إلى تاريخ مظلم حتى تثبت وجودها الحالي.

في بداية العام 2018 ظهرت حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان “#StopBlackfaceJapan”، وكان السبب الرئيسي في ظهور تلك الحملة هي واحد من المسلسلات الكوميدية في اليابان «Japanese Comedian Who Used Blackface Comes Under Fire Online»، والذي تعمد بطلها – الممثل الياباني – تلوين وجهه بالأسود لأغراض كوميدية، وقد هاجمه ماكنيل على حسابه الشخصي على «تويتر» قائلًا: «تحتاج لتقديم كوميديا مضحكة؟ حاول الحصول على كتاب كوميديا أفضل»، مشيرًا أن الاعتماد على تلوين الوجه بالأسود لم يعد مضحكًا، بل أصبح مزعجًا، ويشجع العنصرية والتمييز ضد السود داخل المجتمع الياباني.

«الأفضل أن تعيش الأجناس بعيدًا عن بعضها البعض»

شبكة قنوات «NHK» الوطنية اليابانية والتي صرحت بإذاعة المقطع المصور للرسوم المتحركة الذي ينشر معلومات رآها البعض تستبطن العنصرية حول حراك السود في أمريكا، ليست الجهة الإعلامية الوحيدة، بل إن العديد من المواطنين في اليابان يرون أن الإعلام الياباني لا يفي مظاهرات السود حقها في التغطية؛ ما دفع الكثير من اليابانيين الداعين للإصلاح والقضاء على العنصرية في اليايان للخروج في مظاهرات ضد ما تصدره وسائل الإعلام اليابانية عن حقوق السود في أمريكا، رافضين ما يحدث الآن، ورافضين بشكل عام تاريخ الإعلام الياباني مع العنصرية والتمييز.

في ظل هذه الظروف يرى البعض أن هذا الوقت هو وقت الكتاب والمثقفين ليقفوا في صف التنوع والسلام، ورفض العنصرية في اليابان، ولكن أيضًا بعض المثقفين والكتاب اليابانيين لهم مواقف ربما تساهم في ترسيخ العنصرية أكثر في المجتمع.

في العام 2015 نُشر مقالًا للكاتبة اليابانية سونو أياكو، تطالب فيه الحكومة اليابانية بفتح حدودها للمهاجرين الذين يصلحون للعمل في مجال التمريض، مؤكدة أنه ليس من الضروري امتلاك هؤلاء لشهادات عليا أو إتقان اللغة اليابانية، وتلك مطالب تبدو منطقية، ولكن ما آثار الجدل هو بقية مقالها، والتي شرحت فيه وجهة نظرها عن هؤلاء المهاجرين الذين تنتظرهم البلاد، مطالبة بتوفير أماكن للسكن لهم بعيدًا عن مساكن وأحياء اليابانيين، موضحة أن «الأفضل أن تعيش الأجناس بعيدًا عن بعضها البعض»، واتهمها البعض أن ما تقوله يعد دفاعًا واضحًا عن سياسات الفصل العنصري، ولكن سونو لم تستجب للأصوات التي طلبت منها سحب تلك وجهة النظر، مؤكدة أن ما قالته يندرج تحت بند «حرية التعبير».

وما أكدته اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري، أن وضع المرأة المهاجرة في اليابان أكثر صعوبة من الرجال المهاجرين، مؤكدين أن الشرطة المحلية والحكومة اليابانية بشكل عام، لا توفر للمرأة الأجنبية في اليابان أي نوعًا من أنواع الحماية، خاصة عندما يخص الأمر العنف المنزلي، أو أعمال العنف العنصرية في الطرقات، وبشكل عام تتخذ الشرطة موقفًا سلبيًا تجاه المهاجرين رجالًا ونساء، ويتعمدون إظهار المهاجرين بأنهم السكان الأكثر ارتكابًا للجرائم، وهذا عن طريق دمج القضايا البسيطة مثل مخالفات المرور تحت بند «الجرائم» ولذلك تكون نسبة «الجريمة» بين المهاجرين كبيرة، في حين أن ما أثبتته الإحصاءات أن معظم قضايا السرقة، والقتل تكون بين اليابانيين، وليس المهاجرين.

وفي التقرير الذي أصدرته اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري في العام 2018 ، أكدت خلاله أن هناك «انتهاكات خطيرة» لحقوق الإنسان في اليابان بدافع التمييز العنصري، وجرائم الكراهية التي تتمثل في الهجوم على المقرات والمدارس الكورية بالأخص، سواء كان بالهجوم اللفظي، أو بالعنف الجسدي، مؤكدين في التقرير أن خطاب الكراهية العنصرية في اليابان وجرائم الكراهية ضد الأقليات خرج عن السيطرة، ولا يوجد قانون واحد في اليابان لحظر التمييز العنصري، وأكد التقرير أن المطالب الدولية من منظمات حقوق الإنسان تتوالى على الحكومة اليابانية دون أن تجد آذان صاغية موضحين أن «لا يوجد تفسير عقلاني لأن الحكومة اليابانية ترى أن قانون مكافحة التمييز ليس ضروريًا»

وعلى الرغم من أن المادة 14 من الدستور الياباني تنص على أن جميع المواطنين متساوون بموجب القانون، ولا يمكن التمييز ضدهم سياسيًا، أو اجتماعيًا على أساس العرق، أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية، إلا أن الكثير من منظمات حقوق الإنسان ترى أن هذه المادة لا تعد سوى «قانونًا نظريًا» طالما لا يوجد تشريعًا واحدًا يحظر أو يحدد عقوبة على الأنشطة التمييزية التي يرتكبها المواطنون، أو الشركات، أو المنظمات غير الحكومية.

إن مبدأ التمسك بالهوية اليابانية، والذي يدفع أحيانًا بعض أفراد الشعب الياباني وحكومته للتمييز وأحيانًا العنف ضد الأجانب وإشعال العنصرية في اليابان، يمكن تلخيصه في تصريح قاله تارو أسو وزير الشؤون الداخلية والاتصالات في اليابان بالعام 2005، عندما صرح أن اليابان دولة «عرق واحد»، مؤكدًا في خطابه أن اليابان: «دولة واحدة، وحضارة واحدة، ولغة واحدة، وثقافة واحدة، ولا توجد أي دولة أخرى لها نفس الخصائص»

ربما يكون هذا وجهًا جديدًا لم نتعمله عن اليابان، في ظل سيادة نظرة طوباوية تدعو البعض لتسميتها بـ«كوكب اليابان»، لكن مسألة العنصرية في اليابان هي أحد تلك الوجوه التي يغفلها العديد من المتابعين والمتحمسين لتجربة اليابان. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد