ميرفت عوف

5

ميرفت عوف

5

2,214

استشرت ظاهرة العنصرية ضد اللاجئين السوريين في لبنان، حيث يعيش حوالي مليون ونصف سوري في ظروفٍ قاسية على الأراضي اللبنانية. لا تكفُّ وسائل الإعلام عن تناول حوادث تدل على مدى استفحال هذه العنصرية، ففي وقتٍ تستمر فيه جهود النشطاء اللبنانيين في التصدي لها أيضًا، يحرق طفل سوري، أو يمنع ذووه من التجول، أو يكون مادة سخرية في برنامج تلفزيوني لبناني، كل ذلك بدافع عنصري، فلماذا كل هذه العنصرية؟

لماذا تستمر العنصرية تجاه السوريين؟

في الثاني عشر من فبراير (شباط) الماضي، وبينما كان الشاب اللبناني «بول محبوب» يسير في ساحة بلدة قرطبون في منطقة جبيل، أقدم بضعة شباب من المنطقة على ضرب محبوب ضربًا مبرحًا بعد أن طلبوا منه «بطريقة استفزازية وفوقية» الكشف عن هويته فرفض ذلك، فاعتقدوا أنه «سوري».

هذه الحادثة ما هي إلا انعكاسٌ واضح لما وصل إليه مستوى العنصرية تجاه السوريين في لبنان، وقد تمكن موقع «إنسايدر مونكي» الأمريكي من جمع استطلاعين للرأي منفصلين؛ وذلك بهدف تصنّيف أكثر 25 دولة عنصرية في العالم، لتظهر النتائج أنّ لبنان في المرتبة الثانية بعد الهند في تصنيف الدول الأكثر عنصرية في العالم، إذ أظهرت الأرقام أن 36.3% من المستطلعين لا يرغبون بمجاورة أشخاص من أعراق أخرى، بينما قال 64.5% منهم: أنهم شهدوا حوادث عنصرية.

للاستشهاد على حقيقة هذه الأرقام، يمكن البدء بما حدث عقب تفجيرات القاع في 27 حزيران
(يونيو) الماضي، فبينما اتخذ محافظ بعلبك «بشير خضر» قرارًا بمنع تجوُّل
النازحين السوريين في بلدتي القاع ورأس بعلبك، ومنع التجمع والتنقل بواسطة الدراجات النارية، تعرضت 10 عائلات للضرب من طرف لبنانيين، وهو ما دفع منظمة «هيومن رايتس ووتش» لإدانة هذه الحادثة؛ كون وتيرة الممارسات تجاه اللاجئين السوريين تزايدت بشكل لافت بعد التفجيرات في بلدة القاع.‬‬‬

ويستمر التذرع بحفظ الأمن بالمزيد من الممارسات العنصرية، كتوقيف وترحيل وإجبار السوريين على تنظيف الشوارع، كما حدث في 14 تموز (يوليو) عندما أجبرت بلدية ترتج في قضاء جبيل (شمال بيروت) اللاجئين المقيمين في نطاقها على تنفيذ يوم عمل مجاني لتنظيف شوارع البلدة، حسب صحفية «السفير» اللبنانية.

وفي مشهدٍ آخر، تناقلت وسائل الإعلام صور مداهمة عناصر من شرطة بلدية «عمشيت» شمال بيروت لمكان ظهر فيها سوريون راكعون على الأرض، أو يقفون ووجوههم إلى الحائط وأيديهم إلى الخلف؛ وهو ما دفع النشطاء اللبنانيين إلى الاحتجاج على ما اعتبروه إجراءاتٍ «عنصرية». وقد ذكر تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر مؤخرًا أن هناك «تصاعدَ عمليات الاعتقال التعسّفي التي تقوم بها قوات الأمن اللبناني بحق اللاجئين السوريين مع بداية عام 2016، وتركّزت عمليات الاعتقال في مناطق طرابلس، وعرسال، وبيروت، الأمر الذي انعكس على حياة السوريين الاقتصادية والاجتماعية»، كما تقول الباحثة في شؤون اللاجئين لدى منظمة العفو الدولية «خيرونيسا دهالا» : «هناك قلق تجاه التقارير التي تتحدث عن انتهاكات وإساءة جسدية يتعرّض لها اللاجئون السوريون، ومنها توقيف عشوائي وإخلاء بالقوة للمخيمات».

ويرجع المحامي اللبناني «نبيل الحلبي» استمرار مواقف العنصرية تجاه السوريين إلى «عدم وجود دولة في لبنان، وإلى الفوضى حيث لا يوجد رادع لحماية الضعفاء أياً كانت جنسيتهم حتى لو كانوا لبنانيين ضعفاء»، ويرى الحلبي أن دور المجتمع الحقوقي والمنظمات في إنهاء هذه المظاهر معدوم؛ لأنهم ليس لهم سلطة، وتابع القول لـ«ساسة بوست» : «هي منظمات مجتمع مدني، وبالتالي تقوم بدور رصد الانتهاكات و رفع الصوت لمطالبة السلطات بوقفها و محاسبة المرتكبين».

الأطفال.. أكبر ضحايا العنصرية

قبل بضعة أيام، وتحديدًا في منتصف ليلة التاسع من مارس (آذار) الحالي، كان الفتى السوري «أيهم مجذوب» يقصد قرية غزة الواقعة في منطقة البقاع اللبنانية، أراد الفتى ذو الرابعة عشر من العمر، والعامل في محل لبيع النرجيلة ، إيصال «طلبية» لأحد الزبائن، لكن وقود دراجته النارية لم يسعُفُه لإكمال مشواره، فلجأ لتدبير أمره بأخذ زجاجة بنزين من دراجة ركنت داخل بناية، وعندما اكتشف أمره تمثلت ردة فعل مجموعة من الشباب اللبناني بضربه ضربًا مبرحًا، بل لم يكتفوا بذلك فسكبوا زجاجة البنزين على جسده وأشعلوا النار به، أصيب الأجذب بتشوهاتٍ كبيرة في وجهه وجسده، ونُقل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى «جعيتاوي» في بيروت، وقالت أمه خوفًا على أسرتها أنه: «ليس هناك أية مشكلة مع أحد، ولا يوجد أحد حَرَقَ ابني، إنما انفجرت زجاجه البنزين في وجهه».


في لبنان، الأطفال السوريين هم أكبر ضحايا العنصرية، حتى أن دراسة منظمة «هيومن رايتس ووتش» الذي صدر مؤخرًا ووصف بـ «الصادم» كشف عن حجم الانتهاكات التي تحدث بحق الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان خلال دراستهم في المدارس الرسمية، فبينما يتعرض السائرون منهم للعديد من المشاكل كملاحقة الأطفال اللبنانيين لهم وضربهم وسلب مالهم، أكدت 30 عائلة للمنظمة أن «أبناءها تعرضوا للمضايقة والتحرش، لأسباب منها جنسيتهم، وقالت 9 عائلات إن أطفالها تعرضوا لاعتداءاتٍ جسدية من قبل أطفال آخرين، حدَّث لاجئون وعمال إغاثة عن حالات متعددة عن أطفال لبنانيين بقوا في المدرسة بعد انتهاء الدوام الصباحي للتحرش بالأطفال السوريين الذين يدرسون في الدوام المسائي«.

وأكدت المنظمة في دراستها المعنونة بـ «إنقاذ جيل من الضياع في لبنان يكبرون بلا تعليم» أن «من تتراوح أعمارهم بين 15 و 18 سنة في العام 2015 -2016 وعددهم حوالي 82.744 طفل لم يسجل من في المدارس اللبنانية سوى نسبة لا تتجاوز 3% فقط»، وتقول أم سورية تدعى حليمة (30 عامًا): أن «الناظر يدوس على أرجلهم ويسحبهم من شعرهم، لا يوجد أي احترام للطالب أو الأهل، كما أن المعلمون يهينون الأطفال في الفصل، ويصفونهم بالبقر والحمير، المعاملة المختلفة التي يلقاها الأطفال السوريون تجعلهم عقولهم تنغلق»، كما خلصت دراسة أخرى أجرتها جامعة لبنانية بين ديسمبر(كانون الأول) العام 2015 وفبراير (شباط) العام 2016 إلى : «أن 20% من الأطفال السوريين ليس لديهم كتاب ومستلزمات مدرسية، حيث قالت عائلتان من العائلات التي قابلناها إن المعلمين يُمضون الوقت في كتابة رسائل نصية على هواتفهم الخلوية، ولا يهتمون بالطلاب».

تاريخٌ من العنصرية

تظهر المراجعة التاريخية أن لبنان كانت جزءًا من سوريا حتى تمَّ الفصل بين الدولتين على يد الاحتلال الفرنسي، ويمكن تلخيص ما بعد مرحلة انتهاء الاحتلال الفرنسي بـ«المواجهة» كما أطلقت عليها الفرنسية أليزابيت بيكار. تلخص بيكار في كتابها «لبنان وسوريا: الغريبان الحميمان. قرنٌ من التفاعل الاجتماعي السياسي» ثلاثة منعطفات أوّلها «نهاية الخمسينيات بما حملته من اختلال في السلم الأهلي في لبنان، وثانيها الأحداث التي أفضت إلى حرب السنتين في لبنان أيضًا، وإلى دخول القوّات السورية أراضيها، وثالثها خروج لبنان من حربه المديدة في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي والتسليم الدولي للنظام السوري بالوصاية عليه».

وبالرغم من أن استقلال سوريا و لبنان كان في عامٍ واحد إلا أن فرنسا جعلت اللبنانيين يتصوَّرون أنها «أمهم الحنون» كما يصفها المحلل السياسي السوري «جميل عمار»، لذلك رسمت هذه العلاقة هُوَّة كبيرة بين دمشق وبيروت، دفعت على إثرها سوريا بعدم الاعتراف باستقلال لبنان، وبقي الأمر حتى اندلعت الحرب الأهلية عام ١٩٧٥ عندما لعبت سوريا دورًا محوريًا بالصراع من خلال قوات الردع، وهنا يقول عمار: «كان الجيش السوري أشبه بجيش محتل خلق هذا التصرف كره و حقد عند اللبنانيين تجاه السوريين، جاءت فرصة الانتقام بعد لجوء أعداد كبيرة من السوريين إلى لبنان، وبدلًا من أن يردوا الجميل على استضافة السوريين للبنانين العام ٢٠٠٦، قاموا بعمليات أقل ما يمكن أن تتصف به أنها عنصرية تجاه السوريين».

ويشير عمار خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه: «لكون الحكومة اللبنانية موالية مع حزب الله لسوريا، فالضغط على السوريين اللاجئين كان بإيعاز من النظام السوري، وكان ممارسة الضغط والعنصرية تجاه السوريين ممنهج»، وتابع القول: «الجميع يعلم أن لبنان مازالت تحت القوات السورية ممثلة بحزب الله والمردة – الحزب المسيحي الموالي لنظام السوري – فلو كان النظام السوري غير راض عن تلك الممارسات لما استطاع لبناني أن يقف في وجه الشعب السوري»، ويشدد عمار على أن النظام السوري غض الطرف عن ممارسات اللبنانيين العنصرية بحق السوريين؛ فوجدها بعض اللبنانيين فرصة للتشفي.

يذكر أن لبنان يستضيف نحو 1.1 مليون لاجئ سوري مسجلين رسميًا، وفي ظل امتناع المجتمع الدولي عن الإيفاء بكل التزاماته المالية تجاه النازحين في لبنان وصلت نسبة الفقر بينهم إلى 70%. ويعيش هؤلاء في رعب إعادتهم لقوات النظام في سوريا، والذي يعني أن مصيرهم لن يخرج عن القتل الفوري، أو الإخفاء القسري وهو ما يلعب عليه العديد من الشخصيات اللبنانية، ففي فبراير(شباط) الماضي، دعا الأمين العام لتنظيم حزب الله اللبناني، حسن نصرالله، الحكومةَ اللبنانية إلى التنسيق مع نظام بشار الأسد، لإعادة النازحين السوريين إلى مناطقهم، وذلك لعودة مساحات كبيرة في سوريا آمنة وهادئة، ولإزاحة «الملف الضاغط» كما وصفه عن لبنان.

وقد وثَّق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الذي صدر الاثنين الماضي، تسليمَ الأمن العام اللبناني ما لا يقل عن 56 معتقلًا سوريًا إلى المخابرات العسكرية السورية منذ بداية عام 2013 حتى نهاية عام 2016، كما أنه تعرّض ما لا يقل عن 108 من اللاجئين السوريين لعمليات خطف من قبل مجموعات مجهولة؛ إما بهدف الحصول على فدية مالية، أو بهدف تسليمهم للنظام السوري، وذلك بين مايو(أيار) 2011، ويناير(كانون الأول) 2016.

ويوضح التقرير أنَّ «الإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية أفقدَت معظم اللاجئين السوريين صفتهم القانونية بالوجود في لبنان؛ ما جعلهم عرضةً للتهميش في المجتمع، والاستغلال في العمل، والإساءة في التعامل، والتحرُّش الجنسي في بعض الأحيان، وعدم قدرتهم على اللجوء إلى أجهزة الشرطة والأمن في حال تعرَّضوا لأي اعتداء».

الإعلام.. أداة العنصرية القويَّة

ما يميز ظاهرة العنصرية ضد السوريين في لبنان أنها تتغذى على منظومة أفعال تكرسها بعض عناصر النخبة من رجال سياسة ووسائل الإعلام، حيث تؤكد مصادر لبنانية أن الإعلام اللبناني يخوض حملات تهويل وتخويف مبالغ فيها تجاه اللاجئين السوريين، عملت على تكريس خطاب تحريضي، وانتهجت لغة التهويل والتخويف من اللاجئين.

وتبدو بعض المبررات لتحقيق أهداف هؤلاء غربية للغاية، فمن التخويف من أثر تكاثر الولادات في صفوف النازحين على التوازن الديمغرافي بين المسيحيين، والمسلمين، إلى تحميل الإعلام اللبناني مسؤولية أزمة النفايات الشهيرة خلال الشهور الماضية إلى السوريين، بل قالت صحيفة «النهار» اللبنانية، «زيادة تدهور نوعية الهواء كانت بعد اللجوء السوري»، فحسب الصحفية: السوريون هم من أسباب تدهور نوعية الهواء في لبنان، بعد تزايد أعدادهم إلى مليون و800 ألف لاجئ، وضمن انتهاج سياسة التخويف من اللاجئين نشرت «النهار» صورة يوحى التعليق عليها بأن «النازحين السوريين ينحدرون من الصحراء وغير متحضرين».

أما موقع قناة «أم تي في» اللبنانية، فقد الموقع تقريرًا حول قضية زواج السوريات باللبنانيين بعنوان «سوريات ينافسن اللبنانيات.. حتى في هذه»؛ هدف إلى التحذير من خطر إدخال اللبنانيات في دائرة «العنوسة»؛ لأن السوريات لم يتركن «عرسانًا» للبنانيات.

أما في البث التلفزيوني، فقد بثت حلقة تلفزيونية ضمن برنامج ينتمي إلى فئة الكاميرا الخفية ويسمى «هدي قلبك»، يظهر فيه شاب سوري يريد إجراء مقابلة عمل ليُمارس عليه أنواع التشبيح والترهيب، إذ يظهر عنصر مسلح من فريق البرنامج ويطلب منه شهادة القيادة، والهوية الشخصية، ثم يلقي عليه كمية من الشتائم والصراخ والتهديد، كما يظهر شخصٌ أخر يطلب من الشاب ما هو مهين، كخلع ملابسه والركض بعد وضع العصا في لباسه الداخلي والهتاف بعبارات من قبيل «بدنا خبز، بدنا حرية»، كل ذلك تحت التهديد السلاح والاعتقال.