“هذا واحد تكلم عن الله ورسوله”، هكذا وصف أحد الأشخاص المدون والناشط السعودي رائف بدوي لشخص آخر سأله عن السبب الذي يُجلد رائف من أجله، وذلك أثناء تنفيذ حكم الجلد عليه يوم الجمعة التاسع من يناير عام 2015.

* مقطع لجلد رائف بدوي

 

المشهد الذي قوبل بعاصفة من التكبير والتصفيق في السعودية، أثار موجة من الاستهجان والاستنكار في الأوساط الحقوقية العالمية؛ مما جعل اسم “رائف بدوي” يتصدر وسائل الإعلام المختلفة ونشرات الأخبار، مثيرًا الكثير من الجدل حوله، فمن يكون؟!

في صخب الأزمة الدائرة حاليًا لا يعرف الكثيرون أن رائف كان كاتبًا يُنشر له مقالات في صحيفة “البلاد”، وهي أقدم الصحف السعودية، وكثيرًا ما شُنت عليه حملات هجومية من التيار الديني المتشدد تضغط على الصحيفة لكي توقفه عن الكتابة، وإلى جانب الكتابة في “البلاد” له بعض المقالات المنشورة في “المجلة الثقافية” التابعة لصحيفة “الجزيرة” إحدى أكثر الصحف انتشارًا بالمملكة.  أهمها مقال بعنوان: “نعم لنموذج ليبرالي سعودي”، يطرح فيه رؤيته لتوفيق الليبرالية مع ثقافة المجتمع السعودي.

رابط المقال من هنا 

النقطة الفاصلة في حياته كانت مع بلوغه الثانية والعشرين من عمره، عندما قام في عام 2006 بتأسيس موقع إلكتروني أطلق عليه اسم “الشبكة الليبرالية السعودية الحرة”، بهدف “تثقيف المجتمع بواجباته وحقوقه”، ولكن ذلك لم يلقَ قبولاً لدى الكثير من المتدينين السعوديين، لما كان يُطرح في الموقع من أفكار تصادمية معهم.

بدأ رائف منذ ذلك الحين يدفع الثمن بتعرضه لتهديدات ومضايقات مستمرة، لم يسلم فيها الموقع من الاختراقات المتلاحقة، يفسر البعض ذلك بنوعية الكتابات التي كان يكتبها وما عرضته من تفاصيل لانتهاكات ارتكبتها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضًا تشكيكه في التفسير السائد للإسلام، وانتقاده طريقة علاج دعاة الدين لمشكلات المجتمع.

بعض مهاجميه على مواقع التواصل الاجتماعي كانوا يعيرونه بأنه أحد “المتجنسين” السعوديين، ولذلك فهو لا يعبر عن ثقافة مجتمعهم المحافظ، ولكن ربما ما لا يعرفه هؤلاء أن رائف ينتمي إلى قبلية “شمر” إحدى أكبر قبائل شبه الجزيرة العربية فاسمه كاملاً هو “رائف محمد رائف بدوي الشمري”.

لم يجد المدون السعودي حلاً للتخفيف من التضييق المزعج سوى مغادرة بلاده، ولكن الأمور لم تسير كما يتوقع ففي مارس 2008 أوقفت السلطات السعودية “بدوي” في المطار، وأخضعته للتحقيق المكثف لمدة يومين، حول كتاباته المنشورة على الإنترنت، ثم أطلقت سراحه بعدها.

 

هل حرض علماء الدين ضد رائف؟!

الداعية السعودي محمد العريفي

 

“وكلما ازداد كفرًا ازدادت العلاوات له والمال”.

هكذا شرح الشيخ محمد العريفي الآلية التي يعمل “رائف بدوي” وفقًا لها، فبرغم عدم ذكر العريفي اسم رائف صراحة في خطبة الجمعة التي كانت بعنوان: “الجرأة على الدين”، لأنه على حد وصفه أحقر وأذل وأخنع من أن يساق اسمه على منابر المساجد، إلا أن حديثه كان فيه من التلميح ما يكفي للتأكد من قصده.

وصف العريفي “الشبكة الليبرالية السعودية الحرة” بأنها شبكة تدعو إلى الإلحاد، وأستنكر ما يُكتب فيها من مقالات تستهزأ بالدين وأهله، ودعا ولاة الأمور والمسئولين المعنيين بالأمر إلى وضع حد لتجاوزات رائف بإقامة الحكم الشرعي عليه، وفي حالة عدم قيامهم بذلك فإنهم سيرون عجبًا!

* مقطع الفيديو الخاص بمحمد العريفي

 

كلمات العريفي في المقطع السابق لم تمر مرور الكرام، فقد فُسرت بأنها دفاع للشيخ عن نفسه بعد قيام “رائف بدوي” بالتعرض له في إحدى مقالاته بصحيفة “البلاد” تحت عنوان “جواز كذب الوعاظ”، انتقد فيه اختلاق علماء الدين للقصص الوهمية؛ بهدف تشويق المستمعين وزيادة تمسكهم بالدين.

وجاء ذكر الشيخ “العريفي” في جزء من المقال نصه: ” فلكل واعظ مغامرات وبطولات لا تقل غرابة عن مغامرات (أليس في بلاد العجائب) ولا تقل بطولة عن استعراض الواعظ العريفي على الثغر الجنوبي إبّان حربنا مع الحوثيين، فوعاظنا الأفاضل لم يتركوا الساحة خالية بدون مغامرات وبطولات وفتوحات ومعجزات”.

لم تكن هذه المرة التي انتقد فيها “رائف” الشيخ “العريفي”، ففي مقالة أخرى نشرها في موقع “الحوار المتمدن” بعنوان: “المنُّ والسلوى في إشكالات الفتوى” أستشهد بفتوى للعريفي على اعتبارها نموذجًا للفتاوى الشاذة، التي تسيء للمجتمع وتحتقره.

ردود فعل علماء الدين لم تقف عند حد الحديث في خطب الجمعة، فتجاوزت ذلك إلى إصدار الفتاوى التكفيرية، حيث أصدر الشيخ عبد الرحمن البراك عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا، فتوى بتكفير “رائف بدوي” وجعله مرتدًا يجب أن يحاكم لاعتباره ما يكتبه نوعًا من الكفر؛ حيث يعلل البراك حكمه لما قاله رائف بأن المسلم واليهودي والنصراني والملحد كلهم سواء، وإظهاره التضايق من دخول شهر رمضان، وتأكيده على أن البشرية لم تجد تفسيرًا صحيحًا لما تصير إليه بعد الموت.

وكان لهذه الفتوى أثرًا في أن يبدي “رائف بدوي” بعدها تخوفه على حياته وحياة أفراد أسرته، خاصة بعد قيام أبيه وأحد إخوته بالتبرأ منه علنًا واعتباره كافرًا.

* مقطع فيديو لوالد رائف بدوي يتهم ابنه بالعقوق ويطالب بإقامة القصاص عليه

 

من عقوق الوالدين إلى الإساءة للنظام!

المكان: محل سوبر ماركت بمدينة جدة

الزمان: مساء الأحد 17 يونيو  2012

الحدث: اعتقال رائف بدوي

كان رائف يقيم بعيدًا عن منزله هذه الفترة رغم تيقنه بأنه ليس مطلوبًا بشكل رسمي. وبعد اعتقاله احتجزته السلطات السعودية في قسم النزهة بجدة ووجهت إليه تهمة “عقوق الوالدين” التي يعاقب عليها القانون السعودي القائم على أساس الشريعة الإسلامية، وقالت السلطات حينها إنها ستقدمه للمحاكمة بهذه التهمة. ووفقًا لأحد المقربين من رائف فإنه حينها لم يكن رأى أباه منذ سنوات، ورغم ذلك جاء في لائحة الاتهام أن والده هو محرك الدعوى القانونية ضده.

حقيقة الأمر أن سبب الاعتقال هو تأسيس رائف لموقع “الشبكة الليبرالية السعودية الحرة”، وهي التهمة التي على أساسها تم عرضه على المحكمة الجزائية في نفس اليوم، وشهدت الجلسة مطالبة المدعي العام بمعاقبة “بدوي” والحكم عليه وفقًا لنظام مكافحة جرائم المعلوماتية، وصودر جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص برائف وتم إتلافه باعتباره أداة الجريمة التي أدين بها.

وقد وجهت إلى رائف عدة تهم منها: مخالفة نظام مكافحة جرائم المعلوماتية السعودي بإنشاء موقع إلكتروني يمس النظام العام، ومساعدة الآخرين في ذلك. وأسُتند إلى العديد من المشاركات بالموقع تسيء إلى أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبعض علماء الدين كأدلة لتأكيد ذلك.

أجلت القضية لمدة ثلاثة شهور لدراستها، أودع خلالها رائف بسجن “بريمان” بجدة، ورفضت السلطات السعودية الإفراج عنه بكفالة مالية، وتعرض بدوي أثناء وجوده بالسجن للعديد من المضايقات والانتهاكات. لم يسلم منها الأشخاص الذين قاموا بزيارته لدعمه.

عشر سنين في السجن ومثلها بعد خروجه!

“الإعدام في مكان عام”.

تطبيقًا لحد الردة كانت توصية أحد القضاة في المحكمة الجزائية بعد إحالته للدعوى الخاصة بـ “رائف بدوي” إلى المحكمة العامة. فبعد دراسة المحكمة الجزائية للقضية أصدرت حكم بالسجن سبع سنوات والجلد 600 جلدة بتهمة الإساءة للإسلام، ونقضت هذا الحكم محكمة الاستئناف، فعادت القضية إلى المحكمة الجزائية، التي أحالتها إلى المحكمة العامة.

أثناء واحدة من جلسات المحاكمة أكد بدوي للقاضي على أنه مسلم، لكنه قال: “كل شخص لديه الاختيار في أن يؤمن أو لا يؤمن”.

عادت القضية مرة أخرى من المحكمة العامة إلى المحكمة الجزائية لتصدر حكمها النهائي بسجن “رائف” عشر سنوات، وجلده ألف جلدة، وتغريمه مليون ريال، ومنعه من السفر والظهور الإعلامي والكتابة لمدة عشر سنوات بعد خروجه من السجن.

“حكم جائر”، هكذا وصفته منظمة “هيومن رايتس ووتش” وعلقت عليه قائلة: “بدلاً من حماية حق المواطنين السعوديين في حرية التعبير، قامت الحكومة السعودية بمعاقبة رائف بدوي، وتخويف الآخرين الذين قد يجرؤون على مناقشة مسائل الدين”.

 

أسباب صحية أم ضغوط دولية؟!

مظاهرة أوروبية تندد بتنفيذ حكم الجلد على رائف بدوي

“حين يجلد السوط جسد رائف بدوي فإن من يُجلد لن يكون فقط رجلاً شجاعًا لم يرتكب أي جريمة في عرف أي قانون عقلاني، بل أيضًا سيكون آمال المسلمين الذين يراقبون الجلد من بعيد وأحلامهم”.

ما سبق جزء من افتتاحية صحيفة الجارديان البريطانية التي أفردتها للتعليق على تنفيذ الدفعة الأولى من حكم الجلد على رائف بدوي يوم الجمعة 9 يناير 2015 أمام مسجد الجفالي بجدة. وحملت الافتتاحية عنوان: “جلد شخص بسبب أفكاره عمل بربري”.

ندد الاتحاد الأوروبي كذلك بحكم الجلد مشيرًا إلى أن العقوبة الجسدية منافية لحقوق الكرامة الإنسانية، وطالب السلطات السعودية بوقف استكمال العقوبة الجسدية؛ لأن المملكة من الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب.

رسم كاريكاتير تضامنًا مع رائف بدوي

“طلبت من العاهل السعودي ممارسة نفوذه من أجل وقف جلد رائف بدوي، والعفو عنه ومراجعة هذا النوع من العقوبات القاسية جدًّا”. صاحب هذا الطلب هو زيد رعد الحسين المفوض الأعلى لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتقدم بطلبه يوم الخميس السابق ليوم تنفيذ الدفعة الثانية من حكم الجلد.

وبينما كان الجميع يوم الجمعة ينتظرون تنفيذ الحكم أرجأت السلطات السعودية التنفيذ لأسباب صحية، فجروح رائف الناجمة عن الدفعة الأولى من الجلد لم تلتئم بدرجة تكفي لجلده مجددًا. التأجيل لهذا السبب يؤكد على وحشية العقوبة وأنها أمر في غاية البشاعة وفقًا لحقوقيين.

في اليوم التالي اتخذ مكتب الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز قرارًا بإحالة قضية رائف بدوي إلى المحكمة العليا لإعادة النظر فيها، ومد هذا القرار زوجته بالأمل في إلغاء السلطات السعودية العقوبة المفروضة عليه.

 

للداخل أم للخارج تستجيب السعودية؟!

مظاهرة للتضامن مع رائف بدوي في مونتريال بكندا، وتتوسط الصورة “إنصاف حيدر” زوجة رائف حاملة صورته.

بين ضغوط المنظمات الحقوقية العالمية، وإثارة غضب المتدينين السعوديين، تقع السلطات السعودية في مأزق. يرى محللون أن السعودية تتعرض بالفعل لضغوط غربية، لكنها قلقة من المخاطرة بأخذ قرار إعفاء رائف بدوي من العقوبة؛ مما قد يثير رجال الدين المحافظين في السعودية، الذين رأوا في موقف السعودية تجاه حادثة “شارلي إيبدو” موقفًا ضعيفًا، تمثل في مشاركة السفير السعودي لدى فرنسا في مسيرة التضامن هناك، والتي رفع مشاركون فيها الرسوم المسيئة للنبي محمد، مما يقلل من فرصة كسب هؤلاء في صف حملة السعودية على تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.

تسهم شعبية التيار السلفي السعودي بشكل مؤثر في زيادة قوة الضغط الداخلي تجاه تنفيذ العقوبة على رائف بدوي، حيث تتعلق المسألة بمدى التزام الدولة بتطبيق الشريعة.

أوباما في زيارته للرياض

ولكن الأمر معقد، فالسعودية توجه لها انتقادات غربية شديدة في تطبيقها للحدود، المتضمنة الإعدام بحد السيف والجلد، وأيضًا انتهاكها لحقوق المرأة وعدم وجود مساواة بين الجنسين. وتتجه بعض التفسيرات التي تستهون بهذه الانتقادات إلى القول بأن للضغط الغربي حدودًا لا يستطيع تجاوزها، فعندما زار الرئيس الأمريكي باراك أوباما الرياض في مارس 2014 لم يناقش أوضاع حقوق الإنسان مع الملك عبد الله في الاجتماع الذي تركز على صراعات المنطقة.

أبرز المنظمات التي تعمل في سبيل الضغط على الحكومة السعودية “منظمة العفو الدولية”، حيث قامت بنشر – على موقعها الرسمي- خمسة طرق لدعم رائف بدوي تمثلت في: إرسال تغريدة للسعودية عبر “تويتر”، ممارسة الضغط على الحكومة هناك، الاتصال بالسفارات السعودية في البلدان المختلفة، الانضمام إلى المظاهرات، إرسال خطابات مساندة لرائف. ونجحت المنظمة في جمع ما لا يقل عن خمسين ألف رسالة تضامنية تدعو السلطات السعودية لوقف تنفيذ العقوبة الجسدية.

وتظاهر العشرات أمام السفارات السعودية في عدة عواصم أوروبية يوم الخميس 15 يناير 2015، منها برلين وروما ولندن وأمستردام وباريس، تنديدًا بجلد بدوي، ورفعوا لافتات تطالب بالإفراج عنه.

يذكر أنه تثمينًا لجهود ونشاط رائف بدوي فقد تم منحه العديد من الجوائز العالمية كان آخرها جائزة “إيكنهيد” من “الجمعية العلمانية الأسكتلندية” لعام 2015، وجائزة الإنسانية من “منظمة القلم” الكندية لعام 2014، وتم منحه في نفس العام جائزة “مواطن الإنترنت” من منظمة “مراسلون بلا حدود”. ومؤخرًا دعا بعض النشطاء على الإنترنت لمنحه جائزة نوبل للسلام 2015 واصفين إياه بفولتير العرب.

 

للأبناء نصيب من المعاناة!

رائف بدوي مع أطفاله الثلاثة

أطفال رائف بدوي مع والدتهم بمنزلهم في كندا وفي الخلفية لوحة لتوقيعات المتضامنين مع والدهم.

التحريض ضد رائف وصل إلى أسرة زوجته “إنصاف حيدر”، حيث كانوا على وشك أن يقوموا برفع دعوى لتطليق زوجته منه بصفته مرتد، ليس من حقه الزواج من مسلمة وفقًا لما تنص عليه الشريعة الإسلامية؛ مما أدى بزوجته وأطفال الثلاثة إلى مغادرة السعودية.

“نجوى 11 سنة، طراد 10 سنوات، ميريام 7 سنوات”، سافروا مع والدتهم للعيش في كندا بعد حصولهم على حق اللجوء السياسي هناك. ولكن رفاهية الحياة في الخارج لم تنسهم احتياجهم إلى والدهم؛ مما جعل طراد “دودي” يوجه رسالة مصورة إلى والده يشرح فيها افتقاده لوجود والده في حياته:

عرض التعليقات
تحميل المزيد