ما أن أعلنت السلطات المصرية فتح معبر رفح البري ليومين متواصلين في كلا الاتجاهين، حتى بدت ملامح الأمل تتغلغل إلى قلب الحاجة “أم محمد”، اسم مستعار، كونها مريضة بالسرطان منذ شهور عديدة، وتخشى من تفشيه داخل جسدها.

اتجهت الحاجة منذ ساعات الصباح الأولى ليوم الخميس الماضي صوب بوابة رفح، وحملت أمتعتها وأوراقها الثبوتية بما فيها تحويلة العلاج التي تثبت تفاقم حالتها الصحية، لا سيما وأنها على موعد مع استئصال ورم سرطاني خبيث في أحد مشافي مصر.

صدمت المريضة بالعدد الهائل من العالقين عند بوابة المعبر، حتى أخذت تسأل عن دورها في المغادرة لكن “لا مجيب”، فأخذت تحمِّل السلطاتِ المصرية، والسلطةَ الفلسطينية في رام الله، وحركةَ حماس التي تدير قطاع غزة منذ 2006؛ مسؤولية تفاقم أوضاعها الصحية.

كان بإمكان الحاجة أن تسافر مثل غيرها من المرضى الفلسطينيين عبر “معبر إيرز” ببيت حانون والذي تشرف عليه إسرائيل، لكن تم رفضها لأسباب هي لا تعلمها، فأخذ المرض ينتشر في جسدها، إلى أن كانت وجهتها معبر رفح، لكن الأمور زادت أكثر تعقيدًا.

منذ أربعة شهور متواصلة تنتظر الستينية موعد سفرها إلى مصر لإجراء عملية جراحية لاستئصال الورم، بعد أن تقطعت بها السبل داخل غزة التي تعاني أصلا من نقص حاد في العلاج وتوفيره للحالات المرضية المستعصية.

هذه القصة هي واحدة من آلاف القصص اليومية التي باتت تلازم مرضى سكان القطاع، فمنهم من فارق الحياة في انتظار موعد سفره، ومنهم من فارقها عند بوابة المعبر، وآخرون لا يزالون يعانون الانتظار وهم على الأسرّة داخل مشافي قطاع غزة.

أما الطلبة الذين حازوا على منح دراسية في مصر أو خارجها، لم يحالف الحظ معظمهم مغادرة القطاع نتيجة لأيام فتح المعبر القليلة، حتى بات مستقبلهم مهددًا بالتزامن مع بدء الدراسة في الدول العربية والأجنبية.

رشاوى

ثلاث سنوات مضت على تخرج “أحمد” من الجامعة الإسلامية بتقدير “جيد جدا”، فرسم حلمه بإكمال دراسة الماجستير والدكتوراه في إحدى الدول الأوروبية بعد منحة كاملة حصل عليها، فباشر بالتسجيل للسفر في مجمع أبو خضرة بغزة على أمل أن يأتي دوره.

ومع كل إعلان مصر فتح المعبر يجهز “أحمد” أوراقه أملا في المغادرة، لكنه يرجع بلا أمل ولا أفق واضح، مع إصراره مطالبة الجهات المعنية بوضح حد لمعاناة المعبر المتفاقمة منذ سنوات عديدة.

لكن “أحمد”، الذي رفض الكشف عن هويته، في حديثه مع “ساسة بوست”؛ لفت إلى أن بعضًا من الطبلة تخرجوا قبل عام ونيف وحازوا على تأشيرات للمغادرة وتنسيق مسهل دون انتظار، مضيفًا: “لم أعد أعرف النظام المعمول به في المعبر، ومن يتحدث عن أن مغادرة الطلبة تتم عبر الكشوفات فقد يخدع نفسه والجميع”.

وتساءل: “لماذا لم أغادر أنا قطاع غزة، علمًا أني مسجل منذ ثلاث سنوات، في حين يأتي طالب آخر محسوب على جهة ما أو لديه واسطة مع مسؤول ما ويغادر بكل سهولة، أوليس هذا ظلمًا”، مطالبا في الوقت نفسه بضرورة تكثيف المراقبة على آليات مغادرة العالقين إلى الخارج من الجهات المخولة.

الحال لا يختلف كثيرًا أيضًا مع أصحاب الإقامات خارج قطاع غزة، ومن لديهم علاقات عمل، فمعظمهم تضرروا جراء الإغلاق المتكرر لمعبر رفح، في مقابل عدم سماح إسرائيل مغادرة البعض منهم عبر “إيرز” إلا بشروط، أهمها عدم ارتباطهم بالمقاومة.

ومع فتح المعبر يومي الخميس والجمعة الماضيين، نشر موقع “القدس” مقطع فيديو يكشف عن أزمة كبيرة حصلت، تمثلت في محاولات عدة جهات فرض مسافرين على آخرين، من خلال السماح لبعضهم بالسفر عبر “الواسطة” أو دفع أموال لجهات عديدة سواء مصر أو السلطة الفلسطينية أو حتى إدارة المعبر الذي تديره “حماس”.

ووفقا للموقع نفسه، فإن بعض المسافرين يضطرون لدفع أموال لجهات سواء في غزة أو السلطة الفلسطينية أو مصر من أجل تسهيل سفرهم، مبينا أن المبالغ تتراوح ما بين ألفي إلى 3 آلاف دولار للشخص الواحد، وأن هناك من يطلب أكثر للتسهيل.

وبالتالي، فإن ذلك لم يعد خافيًا على المواطنين بغزة، خاصةً وأن هناك مكاتب سفريات تعمل بهذا الشأن وتسهل عمليات دفع الرشاوى بطرق مختلفة، فضلا عن التلاعب بالكشوفات من أجل وضع أسماء ممن دفعوا الأموال ونسقوا عبر جهات بغزة أو جهات خارجية.

ما أن انتشر الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حتى خرجت وزارة الداخلية في غزة لنفي كل ما جاء، بيد أن من غادروا القطاع قبل شهور عديدة أكدوا هذه التجاوزات وكتبوا عبر صفحاتهم أنهم دفعوا أموالا لجهات لم يسموها من أجل تسهيل سفر مرضاهم.

قالت الناشطة الفلسطينية من سكان قطاع غزة، “أسماء المدهون”، والمقيمة حاليًا في مصر مع شقيقها الذي يتلقى العلاج؛ إنها دفعت مبلغ 800$ لجهة لم تسمها بهدف تسهيل سفر شقيقها الذي بلغ المرض ذروته عنده.

بينما لفت رجل الأعمال المقيم في غزة “مالك الشوا” إلى وجود المحسوبية في آلية سفر العالقين من غزة للخارج، ونوه عبر صفحته الخاصة على “فيس بوك” أن أولوية السفر لم تكن للطلبة المسجلين منذ فترة طويلة.

المعبر بين «حماس» و«فتح»

 

حديث النشطاء وغيرهم عبر الفيس بوك فتح موجة من تبادل الاتهامات بين الحركتين بشأن قضية المعبر، حتى أطلقوا هاشتاج #سلمو_المعبر، في إشارة إلى مطالبتهم “حماس” تسليم المعبر للسلطة الفلسطينية لتديره بالتنسيق مع الجانب المصري، الذي يرفض أن يضعه تحت إدارة حماس.

لكن هذا الهاشتاج فتح مجددًا تساؤلات عدة حول طبيعة ما يجري داخل معبر رفح البري والآلية المتفق عليها، حيث تطالب “فتح” حماس بتسليمه لحكومة الوفاق الفلسطينية، محملة إياها المسؤولية عن معاناة الفلسطينيين في القطاع. وفي المقابل تقول “حماس”: “إنها عرضت على السلطة تسلّم معبر رفح وأن يكون تحت إشرافها، لكنها رفضت، وأن مصر أبلغتها بأن فتحه مرهون بالأوضاع الأمنية داخل شبه جزيرة سيناء”.

وتدعي حركة “فتح” أن اتفاقًا بين السلطات المصرية والسلطة الفلسطينية لفتح معبر رفح، ينص على السماح لأصحاب الحاجات الإنسانية بالسفر من غزة وإليها، وعلى تنشيط الحركة التجارية. إلا أن مسؤولين في حركة حماس، التي تدير زمام الأمور في المعبر؛ نفوا علمهم بوجود أي اتفاق بهذا الشأن، مؤكدة في الوقت نفسه حرصها على فتح معبر رفح وضمان حق الفلسطينيين في التنقل بحرية ودون أي قيود.

وتعتبر “حماس” أن هناك إصرارًا من البعض على التفرد وتجاوز اتفاق المصالحة وصياغة اتفاق بعيدًا عن معطيات الواقع بطريقة تجعل من الصعب إنفاذه وتطبيقه.

وتكمن مشكلة معبر رفح في أنّ الجانب المصريّ يرفض التعامل مع “حماس” في إدارة المعبر، ويشترط انفراد السلطة الفلسطينيّة في إدارته، حيث يقول السفير المصريّ لدى السلطة الفلسطينيّة “وائل عطية” مارس الماضي: “إنّ فتح معابر قطاع غزّة وفي مقدّمتها معبر رفح، سيتمّ بعد تسليمها إلى الرئاسة الفلسطينيّة، وأن التعامل مع الأطراف الأخرى (حماس) يأتي ضمن خانة رعاية ملفّ المصالحة فقط”.

وتقول “حماس” إنها سمعت عن هذا الاتّفاق من خلال وسائل الإعلام فقط، ولم تقدّم إليها أيّ معلومات حوله أو أيّ طلب لمناقشة فتح المعبر من قبل حركة “فتح”، حيث تشترط إشراكها في إدارة معبر رفح لتسليمه إلى السلطة الفلسطينيّة، وهو ما ترفضه الأخيرة. وتأتي مشاركة حماس في اتفاق تسليم المعبر نابعة من مبدأ الشراكة الوطنيّة الذي تم الاتفاق عليه مع حركة “فتح” خلال تفاهمات المصالحة في أبريل 2014.

وتشكك “حماس” في جدوى تسليم المعبر لحكومة الوفاق نظرًا لعدم الالتزام بسائر بنود المصالحة، خاصة وأن نحو 42 ألف موظّف عيّنتهم “حماس” خلال فترة حكمها قطاع غزّة بين عامي 2007 و2014، يعانون حياة معيشيّة صعبة، نتيجة عدم صرف حكومة الوفاق رواتبهم منذ تشكيلها في 17 آذار/ مارس 2014.

آلية سفر العالقين

لا بد من الإشارة هنا إلى أن معبر رفح البري يربط بين قطاع غزة ومصر، وهو معبر مخصص للأفراد فقط، والمنفذ الوحيد لنحو مليوني فلسطيني في القطاع على الخارج، ولكن السلطات المصرية تغلق المعبر بشكل شبه كامل منذ يوليو/ تموز 2013، ولم تفتحه سوى 19 يومًا خلال العام الجاري، حيث تم فتحه يومي الخميس والجمعة بعد إغلاقه لمدة 107 أيام.

وتؤكد الجهات الرسمية المصرية، أن فتح المعبر مرهون باستتباب الوضع الأمني في محافظة شمال سيناء المحاذية لغزة، وذلك عقب هجمات استهدفت مقرات أمنية وعسكرية مصرية قريبة من الحدود خلال الأعوام القليلة الماضية.

وبالتالي، فإن التسجيل للسفر خارج قطاع غزة يتم عبر الجهات الرسمية والتسجيل في مواقعها المعروفة، وتقديم الأوراق الثبوتية حتى يأتي موعد السفر المتزامن مع إعلان مصر فتحه، حيث وصل عدد المسجلين للسفر من غزة إلى 25 ألف مواطن مُسجلين في كشوفات دائرة التسجيل للسفر.

في الموضوع نفسه، ومع تفاقم أزمة المغادرة في أيام فتح المعبر الأخيرة، فإن موقع “القدس” نوه إلى أن العمل على معبر رفح كان بطيئًا جدًّا ولم يدخل لعدة ساعات أي مسافر بسبب خلافات بين إدارة المعبر بغزة والجانب المصري والمنسقين من السفارة بسبب تلاعب بالكشوفات. إلى جانب محاولات من جهات بغزة لإدراج أشخاص غير مرجعين من سفر “يوم الخميس” الماضي ومطالبات الجهات الأخرى بالسماح لحافلات تقل تنسيقات خاصة عبرهم بالدخول، ما أثار خلافات كبيرة أدت لمحاولة المئات من المواطنين اقتحام البوابة المصرية قبل أن يتم السيطرة على الموقف.

وقد سمحت السلطات المصرية بسفر أربع حافلات فقط بواقع مائتي مسافر، ربعهم من أصحاب التنسيقات المصرية “غير المسجلين للسفر والذين تطلب القاهرة سفرهم بالاسم”، هذا وقد بلغت نسبة من تمكن من السفر أقل من 1 في المائة من أولئك المسجلة أسماؤهم للسفر في كشوفات وزارة الداخلية.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد