أول أمس، الفاتح من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، فوجئ الجميع بقرار منشور في الجريدة الرسمية للرئيس «عبد الفتاح السيسي»، يقضي برفع بعض فئات الرسوم الجمركية وذلك بعد موافقة المجلس الأعلى للتعريفة الجمركية.

وبذلك يصبح طرفي العام 2016 مُحملين برفع أسعار الجمارك على بعض السلع والمنتجات، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي تم رفع أسعار الجمارك على بعض السلع المستوردة، وأصبحت التعريفة الجمركية لها تتراوح بين 20 و40% بعدما كانت 10، 30% في الماضي، ويأبى العام 2016 أن يرحل دون استكمال ما بدأه في بدايته.

القرار الجديد يقضي برفع أسعار التعريفات الجمركية على 364 سلعة بنسب تترواح بين 45، 60% بعدما كانت 10، 30% في الماضي. وتم تطبيق القرار من الأمس.

أهم السلع التي تم رفع أسعار الجمارك عليها ونسبة الرسوم بعد القرار الجديد

أولًا: سلع تم رفع أسعار جماركها لتصل إلى 60%

موز الجنة، والبرتقال، واليوسفي، والمشمش، والخوخ، والبرقوق، والكمثرى، والفراولة، والكرز، والألعاب النارية، والكبريت «الثقاب»، وأدوات المائدة والمطبخ، والأحذية الرياضية، والجرانيت والبورسلين، والأزرار، والأبواب والنوافذ، والمراوح، وأجهزة شفط الهواء، والثلاجات والمجمدات، والغلايات، والخلاطات، وأجهزة الحلاقة، وأدوات العناية بالشعر، وأفران الميكروويف، وأجهزة إعداد القهوة والشاي، ومشغلات الأسطونات، وأجهزة الـ«ريسيفر»، والشاشات «بلازما»، والأثاث، وأجهزة إنارة السقوف والجدران والمكاتب، وحبال اللمبات الكهربائية لشجرة أعياد الميلاد، وورق اللعب وألعاب الفيديو، والأقلام الحبر والرصاص.

ثانيًا: سلع تم رفع أسعار جماركها لتصل إلى 50 و45%

الزجاج (50%)، والجوافة، والمانجو، والمثلجات والآيس كريم، والعطور ومزيلات العرق ومستحضرات التجميل والشامبو ومستحضرات العناية بالشعر والحلاقة (45%).

ثالثًا: سلع تم رفع أسعار جماركها لتصل إلى 40 و30%

الأناناس، والأفوكادو، والأقفال، واللمبات «الفلوروست» (40%)، أما «الترسكلات والسكوترات» فبلغت نسبة الرفع خاصتها (30%).

لماذا رفعت الحكومة أسعار جمارك هذه السلع؟

بلغت فاتورة الاستيراد في مصر 77 مليار دولار في عام 2015، ويُعتقد أن حوالي 8% منها عبارة عن سلع غير ضرورية في نظر المسؤولين الحكوميين، وبالتالي يقومون برفع أسعار الجمارك عليها. وتمثل نسبة هذه السلع في فاتورة الاستيراد حوالي خمسة مليارات دولار سنويًا.

فعلى سبيل المثال جاءت المثلجات و«الآيس كريم» في قائمة القرار الجديد برفع أسعار جماركها إلى 45%، وتستورد مصر بـ 40 مليون دولار سنويًا تقريبًا آيس كريم وشيكولاتة.

ومن ثم ترى الحكومة ضرورة رفع أسعار الجمارك على هذه السلع للحفاظ على النقد الأجنبي، وعدم التفريط فيه من أجل منتجات لها بديل محلي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تحسن عجز الميزان التجاري من خلال تقليل حجم الواردات.

والحجة الثانية التي تستند إليها الحكومة هي حماية ودعم الصناعة المحلية، فالسلع المفروض عليها جمارك بأسعار أكبر لها بدائل محلية في السوق المصري، وبالتالي تعمل أسعار الجمارك المرتفعة على تقليص المستوردين لحجم استيرادهم من تلك المنتجات، ومن ثم تُعطى الفرصة للمنتجات المحلية، وبالتالي تنشط الصناعة المحلية.

يقول «عادل ناصر» رئيس الغرفة التجارية في الجيزة، لليوم السابع، إن تحريك التعريفة الجمركية للسلع الاستفزازية قرار صائب 100%، وكان لابد من خروجه منذ فترة طويلة، وقال إن سعر كيلو الكمثرى وصل إلى 70 جنيهًا، وهذا أمر لا يمكن قبوله مع ما يتبعه من استنزاف للعملة الصعبة.

ما تأثير هذا القرار؟

القرار يصب في مصلحة منتجي هذه السلع المحليين، فرفع أسعار الجمارك على هذه السلع، سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها داخل السوق المحلي، وهو ما يمنح المنتج المحلي ميزة تنافسية تمكنه من إغراء المستهلك وتدفعه إلى شراء المنتج.

ولكن السوق المصري يفتقد إلى الرقابة المُحكمة على المنتجين، وتراجع آليات محاربة الاحتكار، سواء من خلال التشريعات الصارمة أو تطبيقها على الأرض.

وبالتالي فمن الممكن أن يؤدي هذا القرار إلى تقاعس المنتجين المحليين عن تطوير صناعاتهم وإنتاجهم والركون إلى كون الأسواق لا يوجد بها منافس أجنبي، والنتيجة ستكون عكسية تمامًا في هذه الحالة، فبدلًا من تطوير المنتج المحلي، فسوف يقود القرار إلى تدهور الصناعة والإنتاج المحلي.

والأمر الآخر هو عدم إحكام الأجهزة الرقابية من قبضتها، على آليات تحديد الأسعار بخصوص السلع التي فُرضت عليها أسعار جمارك بشكل مرتفع، وبناء على ذلك فمن المتوقع أن يعمد المنتجين المحليين لاستغلال ارتفاع أسعار السلع التي تضمنها القرار، والقيام برفع أسعار المنتج المحلي أيضًا من أجل تحقيق المزيد من الأرباح، ومن ثم سيكون المستهلك هو الخاسر الأول.

وبناء على ذلك فمن الممكن أن يعزز هذا القرار من الاحتكارات داخل السوق المحلي، ويؤدي إلى اتفاق المنتجين المحليين على فرض أسعار محددة تزيد من أرباحهم بشكل غير عادل.

وهناك من يشير إلى أن القرار جاء بضغط من جماعة رجال الأعمال في السوق المحلي؛ من أجل إفساح المجال لمنتجاتهم، وتحقيق المزيد من المكاسب والأرباح، ففي تصريحات صحافية قال «أحمد شيحة» رئيس شعبة المستوردين بالقاهرة: إنه لا يوجد شيء يسمى بالسلع الاستفزازية، فكل السلع الواردة في القرار أساسية، وتستخدم يوميًا وفي كل بيت مصري، وأن سبب صدور مثل هذه القرارات هم مجموعة من رجال الأعمال المنتفعين من الاحتكارات، ممن لهم أدوات ووسائل ضغط؛ من أجل إصدار قرارات تصب في صالحهم.

وربما تريد الحكومة أيضًا من فرض هذه القرارات زيادة الحصيلة الدولارية؛ بسبب الرسوم الجمركية، ولكن الأمر في هذه الحالة سيتوقف على مدى مرونة هذه السلع من عدمه للمستوردين، فالسلع غير المرنة التي لن يتراجع المستوردون عن استيرادها، بالرغم من ارتفاع رسوم الجمارك عليها، هي التي ستؤدي إلى زيادة إيرادات الدولة من النقد الأجنبي.

ومن المتوقع أن يُخفض المستوردون الكميات التي يقومون باستيرادها بشكل مؤقت لحين رصد وترقب حركة الأسعار داخل السوق المحلي، فإذا ما قام المنتجون المحليون برفع أسعار هذه المنتجات بسبب قلة المعروض منها، ففي هذه الحالة سيعوض رفع الأسعار من قبل المنتجين زيادة الرسوم الجمركية، ومن ثم فالأسعار ستصبح متقاربة، وبالتالي سيعاود المستوردون استيراد نفس الكميات من جديد، ويتحمل المستهلك في النهاية زيادة الإيرادات الآتية من الرسوم الجمركية.

القرار سيؤثر حتمًا على المستوردين لمثل هذه السلع. فالسلع المرنة التي سوف تتأثر أسعارها بشدة في السوق المحلي، وبالتالي لن يقبل عليها المستهلك لارتفاع أسعارها، ربما يُحجم المستوردين عن استيرادها، وبالتالي ستتأثر الايرادات الدولارية للدولة جراء هذا الأمر، في الوقت التي هي في أمس الحاجة إلى مثل هذه الإيرادات.

خطورة مثل هذه القرارات

وفقًا لبيانات وزارة الزراعة المصرية، فإن مصر قامت باستيراد 605 ألف طن من الفواكة عام 2015، وتستحوذ الفاكهة على نسبة كبيرة من السلع التي تضمنها القرار. وتأتي خطورة قرار رفع الرسوم الجمركية بنسب كبيرة، مثل قرار أول أمس، فيما تسمى بالإجراءات الحمائية المانعة، تكمن خطورتها في احتمالية اتخاذ الدول التي تقوم مصر باستيراد السلع الواردة في القرار منها، بإجراءات مضادة على الواردات المصرية، مثل قيامها برفع أسعار الجمارك هي الأخرى على السلع المصرية النافذة إلى أسواقها، أو قيامها بفرض حصص استيرادية تُحجم الكميات المستوردة من مصر، كردة فعل على مثل هذه القرارات، كتلك الدول التي قامت مصر باستيراد 605 ألف طن فواكة منها، تحت دافع تضررها من مثل هذا القرار.

ويتم استيراد معظم السلع الواردة في القرار من الصين. وبالرغم من العجز التجاري الكبير بين مصر والصين لصالح الأخيرة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.6 مليار دولار في عام 2014، منها 90% صادرات صينية لمصر، و10% صادرات مصرية للصين. وبالتالي تصدر مصر للصين بحوالي 1.2 مليار دولار. ومن المحتمل بعد اتخاذ قرار رفع الرسوم الجمركية، أن تقوم الصين بخطوات مماثلة على بعض السلع المصرية التي يتم تصديرها للصين.

الإجراءات الحمائية، مثل رفع الرسوم الجمركية لا تحبذها الدول عمومًا، وتسارع إلى اتخاذ إجراءات مضادة على الفور؛ وهو ما يؤدي إلى الإضرار بصادرات الطرف الآخر أيضًا.

من أجل ذلك، فقد كشف حاسم علوان عضو مجلس إدارة الشعبة العامة للمصدرين في الاتحاد العام للغرف التجارية، عن عقد اجتماع لشعبة المصدرين يوم الثلاثاء المقبل لبحث موقف الدول المتضررة من قرارات زيادة التعريفة الجمركية، ودراسة مدى إمكانية اتخاذ الدول قرارات المعاملة بالمثل.

موقف المستهلك المصري

أما عن موقف المستهلك، فتشير كافة الدلائل إلى أنه أكبر الخاسرين من هذا القرار، وذلك من عدة أوجه: فالقاعدة الإنتاجية المصرية لا تتسم بالقدر الكافي من المرونة الإنتاجية، بما يمكنها من تلبية نقص السلع الواردة في القرار بسرعة، دون رفع الأسعار أو تقليل جودة المنتجات التي تعاني من رداءة الجودة بالفعل، وبالتالي يؤدي نقص المعروض من تلك السلع إلى زيادة أسعارها في السوق المحلي، ومن ثم سيضطر المستهلك إلى دفع مبالغ أكبر من ذي قبل عند شراء هذه السلع.

تضر قرارات رفع الرسوم الجمركية بركيزة أساسية من ركائز السوق الحر وهي «المنافسة»، فالمنافسة دومًا تصب في مصلحة المستهلك سواء من ناحية الأسعار أو من ناحية الجودة، ومن ثم فالمستهلك المصري هنا يكون مُعرضًا لشراء المنتج غالي الثمن بجودة أقل؛ لأن المنتج المنافس صاحب الجودة الأعلى، وربما السعر الأقل، تم منعه من خلال رفع الرسوم الجمركية عليه.

بدائل يمكن اتخاذها

وربما يتساءل سائل، عن بدائل مثل هذه القرارات، فالواردات تستنزف النقد الأجنبي، كما أنها تضر بالصناعة المحلية، فما هو السبيل؟

تلجأ معظم الحكومات الرشيدة، إلى انتهاج سياسات مغايرة عن اتخاذ تلك الإجراءات الحمائية التي تضر أكثر مما تنفع، كما تبين من عديد التجارب، فتقوم بالاهتمام بالصناعة المحلية بشكل أكبر ودعمها، وخلق بيئة إنتاجية صالحة بشفافية تامة، وتذليل الصعوبات لتطوير هذه الصناعة، واستغلال كافة الإمكانات المحلية المتاحة. ومن ثم تحل المنتجات المحلية محل المستوردة بشكل مباشر، وذلك دون فرض إجراءات حمائية من قبل الدولة ربما تستجلب أعداء دوليين تجاريين، وبالتالي فهي لم تدع فرصة لزيادة الاحتكارات داخل السوق المحلي، وفي نفس الوقت قامت بتطوير الصناعة المحلية؛ ما يمكنها من تلبية الطلب المحلي والبحث في إمكانات التصدير للفائض، ولم تضر المستهلك المحلي المعني الأول بكل ذلك، بل على العكس أتاحت له منتجًا عالي الجودة بسعر منافس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد