منعت السلطات الأمنية بولاية بجاية، الأسبوع الماضي «منظمة الشباب الوطني» المعروفة اختصارًا بحركة «راج» من تنظيم جامعتها الصيفية التي دأبت تنظيمها في المدينة السياحية تيشي (180 كلم شرقي الجزائر)، كما قامت باعتقال العشرات من المنضوين تحت لواء الحركة، جاء ذلك على خلفية قرار السلطات الجزائرية حظر نشاط حركة «راج» المثيرة للجدل.

في هذا التقرير نتعرف معًا على حركة «راج» الجزائرية التي يتهمها البعض باختراق الحراك الشعبي وخدمة الأجندة الأجنبية بالجزائر.  

لماذا تريد السلطة الجزائرية التعجيل بالانتخابات الرئاسية رغم رفض الحراك؟

حركة «راج».. ذراع الليبراليين الشبابية في الجزائر

في الخامس من أكتوبر (تشرين الأوّل) عام 1988، شهدت الجزائر موجة احتجاجات واسعة -شبّهها الكثير من المتابعين بالموجة الثورية التي  تعيشها الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي- استطاعت «احتجاجات أكتوبر» أن تكسر حاجز خوف الجزائريين من ممارسة السياسة، كما فرضت على النظام تغيير المعادلة السياسية في البلاد والتحوّل من الأحادية التي كانت تحكم الجزائر باسم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية عن طريق فتح المجال لتأسيس الأحزاب والجمعيات بدايةً من سنة 1989.

وعلى إثر هذا التحوّل خرجت للساحة عشرات الأحزاب والجمعيات الوطنية، كانت الجمعية الوطنية للشباب «راج» التي تأسست في ديسمبر 1992، وأخذت الاعتماد الرسمي في 16 مارس (آذار) 1993 في عهد تولي الوزير المغتال محمد حردي وزارة الداخلية إحدى مفرزات هذا التغيير الذي شهدته الجزائر.

وحسب تعريفها المنشور على موقعها الإلكتروني، تُعرف منظمة «راج» نفسها على أنّها «جمعية جزائرية اجتماعية ثقافية هدفها الرئيسي هو وعي وتعبئة الشباب للمشاكل الاجتماعية، وكذلك تشجيع جميع الأنشطة الثقافية وحقوق الإنسان».

عبد الوهاب فرساوي رئيس جمعية راج

عبد الوهاب فرساوي رئيس جمعية «راج»

ويعود حكيم عداد أحد مؤسسي المنظمة إلى تاريخ تأسيس الحركة بالقول أنّ «منظمة «راج» أسسها مجموعة من الشباب عددهم 22، تيمنًا بالاجتماع الذي مهّد لاندلاع الثورة التحريرية. وهي جمعية ذات طابع وطني مستقلة عن الأحزاب السياسية وعن التيارات الأيديولوجية المتناحرة حينها، ولقد قررنا منذ البداية الاهتمام بكل المواضيع الحساسة الاجتماعية والثقافية وخاصة السياسية، لأن السياسة موجودة في الحياة اليومية ولا يمكن تجنبها. وهذا لمواجهة الخطاب الذي كان يدعو الشباب إلى تجنب السياسة».

كثّفت حركة «راج» من أنشطتها طيلة فترة العشرية السوداء؛ في محاولة لمنافسة التيار الإسلامي الذي كانت يسيطر على الحياة الجامعية والأنشطة الشبابية، حيث قادت سنة 1995 حملة وطنية للسلام في الجزائر  جمعت من خلالها 20 ألف توقيع للمطالبة بوقف إطلاق النار كما نظمت في فترة العشرية السوداء حفلًا موسيقيًا حضره أكثر من 10 آلاف شخص.

الخامس من أكتوبر هو مرجع في تاريخ الحركة الديمقراطية الجزائرية

الخامس من أكتوبر هو مرجع في تاريخ الحركة الديمقراطية الجزائرية

أفرزت هذه النشاطات لحركة «راج» صدامًا بين التيارين الليبرالي والإسلامي في  وقتٍ كانت تشهد فيه البلاد تضييقًا على الحريات تحت مسمى مكافحة التشدد والتطرف، وفي هذا الصدد يشير عدّة مخطاري القيادي السابق في منظمة «الاتحاد العام الطلابي الحر» -ذراع الإخوان المسلمين الطلابي-  لـ«ساسة بوست» أنّ «فترة التسعينيات شهدت صراعًا داخل الجامعة بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالي اليساري المعادي للقيم الإسلامية الجزائرية والمتمثل في أعضاء حركة «راج» التي كانت نشطة في ذلك الوقت في جامعات الجزائر وتيزي وزو وبجاية، بحيث كانت بعض المرّات تصل الصراع بيننا حتى إلى الاشتباك، فقد كانت تلك العناصر تمتلك بلطجية تستخدمها في الهجوم على أنشطة الإسلاميين وكانت تعمل كل جهدها من أجل شيطنة الإسلاميين وحظر نشاطهم».

كان أوّل رئيس للجمعية حكيم عداد قد اعترف بتلقي حركة «راج» لدعم خارجي، عن طريق تسلمه أموال من جهات أجنبية، كما أضاف أن الدعم الأمريكي للحركة توقف بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بعد أن رفضت «راج» إملاءات أمريكية لتغيير مواقفها تماشيًا مع مواقف الإدارة الأمريكية، كما لم ينكر رئيس راج السابق ارتباط  الحركة بـ«حزب جبهة القوى الاشتراكية» قائد التيار الليبرالي في الجزائر. 

من موالاة النظام إلى معارضة بوتفليقة

منذ اعتلائه سدّة الحكم في ربيع سنة 1999، عمل بوتفليقة على قتل الحياة السياسية والجمعوية في البلاد، عن طريق قوانين جديدة تحدّ من نشاطات الجمعيات خصوصًا ما يتعلق بالشق السياسي، غير أنّ ذلك لم يمنع أعضاء حركة «راج» من النشاط وإبداء معارضتهم لنظام بوتفليقة وتنظيم حركات احتجاجية رفقة الحركات والأحزاب المناهضة لحكمه، رغم موالاتها في العشرية السوداء للسلطة، فكان الاعتراض على تعديل الدستور سنة 2008، والذي بموجبه ترشّح بوتفليقة للعهدة الثالثة والرابعة، وقد كان هذا أوّل صدامٍ بين منظمة «راج» ونظام بوتفليقة، بعد أن نظمت «راج» وقفاتٍ ضد هذا التعديل.

ومع اندلاع الربيع العربي سنة 2011، وجدت حركة «راج» فرصة في إبداء تطلعاتها من أجل بناء جمهورية ثانية، من خلال مشاركة أعضائها في الاحتجاجات، غير أنّ نجاح الإسلاميين وقتها في السيطرة على تونس وليبيا جعل أعضاء حركة «راج» يعارضون الربيع العربي وهذا ما يؤكده الشاب أنس إسلام -أحد الأعضاء السابقين لـ «راج»- الذي كان يبلغ من العمر حينها 18 سنة والذي استرجع ذاكرة الأحداث لـ«ساسة بوست» بالقول: «أخطأت في قراءة الأحداث حين تورطت في أحداث الزيت والسكر، لكن بعدها تبيّن أن الفرصة لتغيير في الجزائر لم تحن إلّا الآن».

شعار حركة راج

لم تمضِ سوى سنة على «أحداث الزيت والسكر»، حتى حان وقت العقاب، ففي يناير (كانون الثاني) 2012، أصدرت الحكومة الجزائرية قانونًا كان سببًا في عدم اعتماد المئات من الجمعيات، كانت حركة «راج» إحدى هذه الجمعيات التي لم تنل الاعتماد الرسمي حتى الآن بموجب القانون الجديد، ما جعل نشاطاتها غير مرخصة وزاد من تضييق الحكومة عليها.

وكانت منظمة «هيومن رايس ووتش» قد انتقدت السلطات الجزائرية في تقاريرها خلال السنوات الخمسة الماضية على منعها إصدار ترخيص لمنظمة «راج» التي قدمت طلباتها في يناير (كانون الثاني) 2014 على النحو المنصوص عليه في «القانون 06-12»، غير أنّها لم تحصل على إيصال يُثبت وجودها القانوني ما جعلها غير قادرة على فتح حساب مصرفي أو استئجار مكتب باسمها، أو استئجار قاعة عامة لعقد اجتماع. علاوة على ذلك أصبح أعضاؤها عرضة للسجن حتى ستة أشهر للقيام بأنشطة باسمها.

الحراك الشعبي يعيد إحياء دور «راج» من جديد

مع اندلاع الحراك الشعبي في الجزائر في 22 فبراير (شباط) الماضي، سارعت معظم الحركات والجمعيات إلى التموقع وسطه خصوصًا مع غياب جهة واضحة تتبنى الحراك، وهذا الأمر الذي ساعد حركة «راج» بدايةً من الأسبوع السادس الذي شهد سقوط رؤوس  الدولة العميقة بالجزائر، على إثر اعتقال كلٍ من الجنرالين محمد مدين وبشير طرطاق والسعيد بوتفليقة؛ على التموقع ورفع مطالب التنظيم عاليًا.

شكلت سلالم البريد المركزي -الساحة التي  يجتمع بها المتظاهرون كل جمعة- الميدان الذي يحقق لأي جهة تريد فرض مطالبها، فسارعت «راج» إلى احتلال السلالم قبل بداية أي جمعة من الحراك، ورفع أعلام الهوية الأمازيغية ورفع شعارات مناوئة للقيادة العسكرية، وعلاوةً على ذلك قامت «راج» بتنظيم تجمعٍ سياسيٍ أسبوعي تحت مسمى «منتدى راج» تستضيف من خلالها  شخصيات مناوئة للقيادة العسكرية.

كما كثفت الحركة من أنشطتها داخل الجامعات في خطوة قرأها المراقبون للشأن الجزائري على أنّها محاولة لـ«اختراق حراك الطلبة»، كما وأمام هذا الوضع صعدت المؤسسة العسكرية من تصريحاتها المناهضة لـ«الأطراف» التي تريد اختراق  الحراك دون تسميتها، فبعيد خطاب القايد صالح والذي اتهم فيه جهات داخلية باختراق الحراك وخدمة مصالح أجنبية، اقتحمت قوات الأمن الجزائرية كلية «سعيد حمدين للحقوق بجامعة الجزائر 1»، وقامت باعتقال عددٍ من الطلبة بتهمة اختراق الحراك وخدمة أجندة خارجية وتحريض الطلبة على العصيان، وتبيّن فيما بعد أنّ الطلبة المعتقلين ينتمون لتنظيم «راج» المغضوب عليه والمتهم باختراق الحراك الجزائري.

أعضاء راج الذين إقتحموا مقر لجنة الحوار

أعضاء راج الذين إقتحموا مقر لجنة الحوار

وفي منتصف شهر أغسطس (أب) الماضي وبينما كانت «لجنة الوساطة والحوار» بقيادة كريم يونس في اجتماعٍ خاصٍ بتنصيب «لجنة الحكماء» وتوزيع دعوات المشاركة في «ندوة الحوار الوطني»، اقتحم العشرات من الأشخاص مقّر الاجتماع مبرزين رفضهم القاطع لاستمرار عمل لجنة الوساطة والحوار، ومتهمين المشاركين في الحوار بـ«دعم خطط الحوار برؤية الحكومة الحالية»، مطالبين بتوقيف مسعى الوساطة والحوار قبل أن تتدخل قوات الأمن وتعتقل عددًا منهم، ليتبيّن أن حركة «راج» وراء هذا الاقتحام. 

ومع بداية شهر سبتمبر (أيلول) أعلنت حركة «راج» عن اعتقال رئيسها والعشرات من النشطاء المنضوين تحت لوائها، خلال بدء التحضير للجامعة الصيفية بإحدى ساحات وسط مدين بجاية، عقب «رفض السلطات الترخيص لعقدها، مثلما جرت عليه العادة منذ 2012».

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

المصادر

تحميل المزيد