في حارات الشام وشوارعها، لا مثيل لرونق شهر رمضان، وعلى أبواب مساجدها العريقة تتلاقى القلوب والأجساد، وعلى موائدهم أطياب من الطعام تعكس روح العطاء بين أسرها، بينما أسواقها الدمشقية العريقة تتزين دائمًا في أبهى صورها، لكن ذلك كله أصبح ماضيًا.

حرم السوريين، بعد خمس سنوات من الحرب، من أبسط مظاهر الحياة في رمضان وغيره من الشهور، لكن رمضان تحديدًا سيعيد لهم كل الألم، بفقدان عزيز شهيد، أو نازح أو معتقل، أو مقاتل على الجبهة، وسيثير الحنين والشوق لتجمعات العائلات الصغيرة، وربما يلهيهم كد توفير أساسيات الحياة من طعام وشراب عن أحزانهم قليلًا، فالوضع المادي السيء، والحرمان الشديد، لهما سطوة كبرى في انشغال السوريين عن معاناتهم، إلا أنهم لم ينسوا كثيرًا من الأوجاع.

على جبهة القتال.. الإفطار لأن «ما عندي عيلة»

«كنت أعود من المدرسة، وأكبر همي أن ألقي حقيبة المدرسة عن كتفي، ثم أذهب لأمي لتحدثني عن يومنا الرمضاني، وكيف سنقضيه»، هكذا يروي لنا الشاب السوري، شريف الحلبي، ذكرياته في رمضان، عندما كان فتى في السابعة عشرة من عمره، اليوم بلغ شريف الثانية والعشرين، ولم يعد تلميذًا ثانويًا، بل مقاتل وإعلامي، ضمن جبهة عسكرية معارضة للنظام السوري.

ترك أهله منذ أعوام ثلاثة، والآن يتناول إفطاره الرمضاني على جبهة القتال، لأنه كما يقول: «ما عندي عيلة»، ومن حسن طالعه كون الجبهة «بادرة» وليست «ساخنة»، كي يهنأ لبعض الوقت متناولًا طعامه، طعامٌ لا تطهوه والدته بالطبع، بل يطهوه مطبخ تابع لفصيله العسكري، ويبتهج شريف كثيرًا عندما يحظى بدعوة لرفيق ما زال أهله في حلب، إذ يعني ذلك أنه سيأكل طعامًا منزليًا، صنعته أم.

نعود بالذكريات مع شريف إلى اليوم الرمضاني الأول قبيل الثورة السورية، عندما كان يعود من المدرسة، إلى بيت جده في منطقة حلب بصلاح الدين، يقول: «الأكلة الدسمة في اليوم الأول من عادات أهل حلب، كان يومًا لا يخلو من اليبرق والمحشي والفروج، كما يحضر أبي وهو عائد من العمل شراب العرقسوس أو التمر هندي»، ثم يكمل: «الآن الطيران فوق رأسي، لكن حلب ستبقى الأجمل حتى الشهادة أو النصر».

يحزن شريف كثيرًا لحال أهل حلب الباقين على قيد الحياة بأقل القليل من الغذاء، وكيف له أن يهنأ وقد يضطر للتنازل عن طعامه لطفل جائع ونحيف، اقترب منه مرددًا: «عمو أعطني، عمو أعطني»، يقول شريف: «تعمل هنا العديد من الجمعيات الخيرية، كجمعية مسرات أو فسحة أمل أو السلام، لكنها لا تستطيع أن تشمل جميع الفقراء والأيتام».

الشهداء لا يجلبون الحلوى في رمضان

لم تستكن أوجاع الشابة السورية، آلاء محمد، في العقد العشريني من عمرها، حتى بعدما لجأت إلى تركيا، فقد مزقت الحرب في سوريا عائلتها، واليوم يقيم شقيقها الأكبر في مخيم اليرموك مقاتلًا في الجيش الحر، بينما لجأت مع والدتها وبقية أشقائها إلى تركيا، نازحين من الحرب.

يحيا زيد مع آلاء أيضًا، الطفل زيد ابن السنوات الست، الذي لم يتمكن من الوصول إلى والده ووالدته، أو شقيقيه اللذين ولدا بعد نزوحه مع جدته، تقول آلاء بلهجتها المحلية: «ما حسنا نرجعه، يعرف عائلته فقط من خلال الإنترنت».

الشهيد السوري محمد محمد

ورغم تعدد أوجه معاناة عائلة آلاء، إلا أن استشهاد شقيقها محمد، ذي الـ22 عامًا، هو الوجع الرئيس، وضيفهم الدائم رمضاننا هذا. رحل محمد إثر إصابته في عام 2013، واستشهد لعدم توافر علاج له، من طلق ناري في قدمه، في مستشفيات المخيم المحاصر، وتتذكره آلاء بـ«العوامة»، نوع من الحلوى تحبه كثيرًا، كان محمد يحضرها لها من محلات ماهر، مع حلوى أخرى وتمر هندي للعائلة، وتحكي آلاء عنه: «كان كالملائكة، لا يأكل من طبق تأكل منه أمي، ولا يتركها تجلس وحدها، حتى ولو لديه مشاغل، كان على استعداد أن يخرج تلبية لطلب أحدنا في منتصف الليل».

سيأتي رمضان «حزينًا» بما يكفي على أسرة محمد، سيأتي وقد تعمدت أم آلاء عدم طهي ما أحبه محمد، لأنه يبكيها، وكيف ستنسى لحظات إعداد السحور، لحظات كان محمد جزءًا رئيسًا منها، مشاركًا إياها في إعداده، وكيف تنسى «مطيعها» كما تسميه، من يؤثر على نفسه تلبية طلباتها، بعد أن يتذمر أشقاؤه من تلبيتها، وتكمل آلاء: «كل بضع دقائق يقول لأمي: كيفك، وعندما تطالبه بالكف عن السؤال، يقول لها: بهز الورد مشان شم ريحته يا ميمة».

كان محمد طالبًا جامعيًا يدرس الأدب العربي، يخرج من أزقة مخيم اليرموك الذي هاجرت إليه عائلته في الجولان المحتل، إلى جامعة دمشق، آملًا في أن يصبح أستاذًا جامعيًا للغة العربية، إلا أن قوات نظام الأسد كان لها رأي آخر، منهية كل تلك الأحلام بضربة واحدة.

«شفت بالمنام إنه نحن راجعين عالبيت»

ما أن يفوح عطر الشهر الكريم، ويكون يوسف بعيدًا عن ضيعته، مسافرًا في مهمة عمل أو دراسة، حتى يترك كل شيء ويعود، ولم يكن يتخيل أن يقضي يومًا واحدًا من شهر رمضان بدون أسرته.

ليس باستطاعة يوسف اليوم أن يفعل ذلك، يوسف محمود، الشاب البالغ من العمر 24 عامًا، فهو في ساحة حرب واسعة، بلا فرصة للعودة منها، لأنه أصبح مطلوبًا لـ«جهة عسكرية»، تحكم قبضتها على منطقة سكناه، يقول بنبرة حزن: «ما عاد أقدر أرجع لعند أهلي.. هم بمنطقة يسيطر عليها قوات كردية، بريف عين العرب، ونا بمنطقة أخرى بحلب، أبعد 130 كيلومتر عنهم».

يحكي يوسف لساسة بلهجته بأريحية، فيتمنى أن يتذوق «لحمة بالصينية أو مقلوبة أو بطاطا مقلية»، من «تحت إيدين الماما» كما يحب أن يقول، ويحب أيضًا «الهريسة» منزلية الصنع، من أيدي والدته في البيت، وهو عطش للتمر الهندي، أم صوت صلاة التراويح في جامع الرحمن، كان يعطي نكهة أخرى لرمضانه. حرم يوسف من ذلك للعام الثالث على التوالي، وتزوج وأصبح قبل أربعة شهور ونصف أبًا لطفل واحد «إسلام»، وتحلم الجدة برؤية حفيدها إسلام ولمسه، ورؤية ابنها الذي حرمت منه، ولا يروي شوقها رؤيته عبر كاميرا الويب، في اتصالات متقطعة خاضعة لسوء شبكة الإنترنت، ككل شيء في سوريا.

«مشهد من مدينة حلب بعد قصف النظام لها»

لم تكن حسرة أم يوسف خاصة ببعده وحده عنها، فأبناؤها الثلاثة الآخرون رحلوا أيضًا، وسيحل رمضان للمرة الثالثة دونهم، وأصبح حلمها أن يجتمعوا مرة، ولو في هذا الشهر فقط، ويرافقها شوقها الكبير في منامها، كما تحكي ليوسف عندما هاتفته بالأمس، في أحد اتصالاتهم رديئة الجودة، قائلة: «شفت بالمنام إنه نحن راجعين عالبيت».

قبل أن ننهي حديثنا مع يوسف، أخبرنا عن حزنه الشديد على رفيقه، عبد الكريم حمدان، ابن «دير الزور»، الذي قُتل قبل ثلاثة أشهر في مواجهات مع تنظيم الدولة الإسلامية، المعروف بـ«داعش»، في ريف حلب الشمالي، محدثًا رفاقه قبل الموت عن أمنيته بأن يأكل من يد «أمه» الشهيدة من جراء قصف لطيران حربي، يكمل يوسف: «كان يخبرنا أنها كانت تخصه بما يحب من طعام في شهر رمضان، وهو يبكي، فيؤثر فينا ونبكي معه».

القصف يتزايد عند موعد الإفطار والسحور

اختلفت العادات الرمضانية في سوريا كثيرًا، بين ما قبل الثورة وبعدها، في المناطق الواقعة تحت سيطرة «المعارضة»، لكن أبرز ما يذكره السوريون لهم بالخير، وساكنو تلك المناطق عمومًا، هو منحهم الحرية الدينية التي حرمها منهم النظام السوري، ويقول السوريون أن هذه الحرية، بشكل ما، تخفف من وطأة العيش في المناطق المحررة، تحت نيران جيش النظام السوري، وميليشيات إيران وروسيا وحزب الله اللبناني.

التقينا الشيخ أبو محمد، ذا الـ65 عامًا، ليخبرنا بأن القصف الذي يتعرضون له من قبل قوات النظام، يتزايد بشكل ملحوظ عند موعدي الإفطار والسحور في شهر رمضان، ويكمل الشيخ: «يزيد النظام من قصفه لنا في هذا التوقيت، انتقامًا من الذين خرجوا ضده، كذلك لا يريد أن تعلو كلمة الله في سوريا».

يحكي الشيخ أبو محمد لساسة أنهم، في السابق، كانوا لا يعرفون الكثير من الأمور الدينية المتعلقة بالفرائض مثلًا، لأن النظام السوري عمل على إخفائها عنهم، و«استمات» في محاولات «إبعادهم عن الدين»، وملاحقة المتدينين، ويستدرك الشيخ قائلًا: «في السنوات الأخيرة، قبل انطلاق الثورة، كان الكثير من المسلمين لا يصومون خلال شهر رمضان في سوريا، ولا أحد يستهجن هذا الفعل، إذ عُدّ أمرًا طبيعيًا إلى حد ما».

الآن تغير الوضع كليًا، حسبما قال الشيخ، فالسوريون في المناطق المحررة يصلون ويصومون ويتقربون إلى الله بالطاعات، ويستطرد قائلًا: «حتى الشباب تغيرت حياتهم، من ناحية معرفة الدين وفهمه بالشكل الصحيح، والكثير ينتظرون قدوم هذا الشهر الفضيل، شهر التوبة والمغفرة». ويودعنا أبو محمد، متمتمًا بالدعاء أن ينعم الله الكريم على السوريين، الذين فقدوا عددًا كبيرًا من المعارف والأقرباء، عددًا ينثر الحزن، ويمنعهم من الابتهاج بالشهر الفضيل.

بالكاد توفر العائلة الواحدة طعامها

لا شيء يشبه مشهد السوريين في الساعتين الأخيرتين من نهار رمضان، حركة دؤوب، يحمل فيها الأطفال والشباب أطباقًا مختلفة من الأطعمة الشامية، لهذا الجار أو ذاك، أو الخال والعم والجدة، فلا بد من صنف واحد على الأقل، اشتهته الأم أو الأب لهذا القريب أو ذاك.

تغير الحال السابق 180 درجة، فـبعد بذل جهد كبير، تستطيع العائلة السورية بالكاد الآن توفير طعام يكفيها، ولهذا السبب ترى السيدة السورية فاطمة، ذات الـ40 عامًا، أن الناس في مدينة اللاذقية، مسقط رأسها، ليس باستطاعتهم عيش الأجواء الرمضانية، وأبرزها العزائم المتبادلة، أبسط مظاهر الشهر، بين الأصدقاء والأقارب والجيران.

تقول فاطمة: «كنا أحرص ما يكون على تبادل أصناف الطعام»، يصمتها «قصر ذات اليد» أو «قلة الحيلة» كما تقول، ثم تواصل: «قبل الثورة كان التكافل الاجتماعي، مع جهد الجمعيات الخيرية، يخفف على المحتاجين خلال شهر رمضان، أما الآن، فالأوضاع المادية تمنع الناس من القيام بمثل هذه العادات»، مكملة: «الآن تحاول كل عائلة توفير الطعام لها فقط، وحتى هذا غير متوفر للكثيرين، نتيجة للفقر».

الصيام في الخيام.. وأسمى الأماني طعام على الحطب

تقيم السورية أميمة، ذات الـ37 عامًا، في خيمة بمخيم إطمة، الواقع في ريف إدلب، الريف الذي شاهدنا آلاف الصور الفوتوغرافية له، صورًا نقلتها وكالات أنباء عالمية، تجمد لحظة معاناة واحدة، لحظة لا تكاد تعبر عن الواقع «المرير» للنازحين.

ترهق فترة الصيام أميمة بشدة، داخل خيمة إيواء، في درجة حرارة مرتفعة جدًا، وعليها البقاء داخل خيمتها بعد قضاء أعمالها المنزلية بصعوبة بالغة، بسبب افتقار المخيم للكثير من الخدمات، وتشتهي السيدة «كوب ماء بارد عند الإفطار»، ولا تنسى ذاكرتها مشهد وعاء «العرقسوس» أو «التمر الهندي»، مشروب السوريين المفضل، وعاء كانت تضع فيه بيدها كميات كبيرة من الثلج، في بيتها الذي نزحت منه.

سيأتي رمضان على أميمة وأسرتها، في هذا المكان الخالي من أدنى مقومات الحياة، فلا ماء ولا كهرباء ولا طعام، إلا من بعض المعلبات والبقوليات، وأجمل أيامها هو الذي تتمكن فيه مع زوجها من إشعال الحطب لطهي وجبةٍ ما استطاعوا الحصول عليها، تخفف من آلام المعدة الناتجة عن كثرة تناولهم هذه المعلبات، وكما تقول لنا أميمة: «لا كهرباء لدينا في الخيام، الطبخ على الحطب، وليس بإمكاني صنع الكثير من أصناف الطعام المعتادة لنا على مائدة الإفطار، ونحن مكرمون في بيوتنا، قبل النزوح».

على الجانب الآخر من العالم، ووسط احتفالاتنا بالشهر الكريم، ربما ينبغي لنا أن نعرف ما يجري هناك في نفس الشهر، ونفس العادات العربية، لكن بظروف مختلفة تمامًا، جانب آخر من العالم ينبغي أن ينظر له بعين المعرفة، وما تحتمه الحقوق الإنسانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد