أعد هذا التقرير مراسل «ساسة بوست» في سوريا.

حملتُ 50 ألف ليرة سورية (17 دولارًا تقريبًا) والتي تساوي متوسط راتب موظف حكومي، قررتُ شراء بعض الحاجيات لشهر رمضان، في محاولة لفهم ما يعيشه سوريّ يشتري طعامًا لعائلته المكونة من خمسة أفراد.

النتيجة مؤسفة ومؤلمة في الوقت نفسه، فالراتب يمكّنك من شراء قارورة من الزيت الأبيض، بـ8500 ليرة سورية، وكيلوجرام من التمر، من النوع الجيد بـ7 آلاف ليرة سورية، وكيلوجرام من الأرز المصري بـ3500، وقالب من التمر الهندي يكفي لعمل المشروب ثلاث مرات، بـ12 ألف ليرة سورية، وكيلوجرام من السمن النباتي بـ7 آلاف، وكيلوجرام جبنة بلدية بـ5500، وأخيرًا كيلوجرام لبنة بـ6300 ليرة. 

هذا ما تستطيع شراءه، دون التمكن من شراء الكثير من المواد الأخرى الضرورية مثل السكر والبقوليات والخضراوات والفواكه، عدا عن الحلويات، وحتى بعمل الأب والأم، أو أفراد آخرين من العائلة، فلا يمكن تغطية كلّ هذه الاحتياجات، فكيف إذًا تُمضي العائلات السوريّة شهر رمضان مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة لمناطق النظام؟ 

المجاعة تدقُّ الأبواب

بوجهها الحزين تنظرُ إلى الخضراوات المرتّبة بعناية على واجهة المحل، ثم تمدُّ يدها إلى بسطة صغيرة وضعَ عليها البائع الخضراوات الذابلة، والتي تباع بنصف السعر، تحاول اختيار حبات الكوسا الأقل تلفًا، تقلّب الواحدة تلو الأخرى وتقول: «الله يعينا ع الشهر الكريم»، شهر رمضان يزداد صعوبة عامًا بعد آخر مع النقص الحاد في أساسيات الحياة مثل الغاز، الذي يستخدم للطهو، والكهرباء للاستيقاظ وإعداد السحور، والمواصلات للعودة إلى المنزل.

دفعتْ الأزمة الاقتصادية السوريين إلى صيام قاسٍ لن يأتي بعده إفطار شهي، صيام يدقّ الأبواب ويسمّى «مجاعة». ومع كلّ قسوة الحياة التي يعانيها السوريون في سوريا إلّا أنهم حرصوا خلال السنوات الماضية على الصيام، حتى لو اختلفت العادات تبعًا للوضع الاقتصادي، وتضاءل حجم المائدة السورية في كل رمضان جديد، مع تخلي السوريين عن العديد من الأطباق والمكونات الأساسية مثل اللحمة والدجاج، والعصائر مثل قمر الدين والتمر الهندي وعرق السوس، واستبدالها بالماء وحسب أو بعصائر صناعية رخيصة، فالمهم في النهاية هو أيُّ طبق يسد جوعهم.

Embed from Getty Images
سوق الحميدية في العاصمة السورية دمشق، بتاريخ 21 أبريل (نيسان) 2021 

ومع ضعف القوة الشرائية باتت الهوة بين احتياجات الأسرة السورية ودخلها كبيرة، إذ تكلّف بعض الوجبات اليومية راتب شهر كامل لموظف في الدولة مع وصول أسعار اللحوم الحمراء إلى ما يزيد عن العشرين ألف للكيلو الواحد!

ارتفعت خلال العام الماضي أسعار السلع الغذائية إلى أكثر من 200%، بحسب برنامج الأغذية العالمي، وهذا ما يضع 90% من المقيمين في داخل سوريا تحت خط الفقر.

يقول سامر -اسم مستعار- : «لا أعلم حقيقة كيف سأجلب الطعام خلال شهر رمضان لعائلتي، سنكتفي بجلب احتياجات كلّ يوم بيومه وسنستغني عن الرفاهيات كالخضراوات واللحوم والعصائر»، ثم يختم بقوله: «والباقي عَ الله».

رمضان في الحارات.. روائح الأكلات الشعبية غائبة

بدأت بعض العائلات بالتحضير للصيام قبل أكثر من شهر، خوفًا من ارتفاع الأسعار الجنوني خلال شهر رمضان، ويشهد السوريّون تغيرات جذرية في العادات الاجتماعية والتقاليد للتماشي مع الأزمة الاقتصادية، واستبدلوا المائدة الملونة والمتنوعة، كما يُقال «على كل ضرس لون»، لتصبح من وجبة واحدة في أفضل الأحوال.

يبدو هذا التغيير واضحًا في العاصمة دمشق، التي كانت تعج بالناس قبل الإفطار وبالروائح الشهية للكثير من المأكولات، روائح الطعام اليوم صارت أقل، روائح «الكبّة والمحاشي والحراق بإصبعو والمقلوبة والبسمشكات والسجقات» باتت تخفت وتتلاشى تمامًا في أماكن أخرى، أحياءٌ كاملة تفتقد رائحة الطعام المميزة، فكلها وجبات تحتاج إلى ميزانية كبيرة لصنعها، فماذا تأكل هذه العائلات إذًا؟

تحاول بعض الجمعيات المحلية وذوو الأيادي البيضاء تقديم الوجبات للفقراء خلال رمضان، ولكن الواقع يقول إن أعداد من يحتاجون هذه الوجبات كبير جدًا، قرب مستشفى المواساة في دمشق تنتشر العائلات القادمة مع أطفالها من محافظات أخرى لعلاجهم مجانًا، وهي عائلات لا قدرة لها على الإيجار أو المبيت في الفنادق لحين انتهاء العلاج، فتوزّع عليهم الجمعيات وجبات الإفطار، وينقلون للمبيت في أماكن مجانية، بينما يعتمد آخرون على ما يرسله أبناؤهم من مال، 100 دولار قادمة من بلاد بعيدة تعني الكثير هنا. هذه أحوال بعض السوريين في شهر رمضان. 

Embed from Getty Images

مشاهد من السوق في أريحا في إدلب، شماليّ سوريا، من رمضان عام 2021 

جوّ رمضان تغيّر مع النزوح السوري

نزح محمد برفقة أمه وأخواته من مدينة دير الزور في الشمال إلى مدينة السويداء في الجنوب، منذ أكثر من ثماني سنوات، ومع النزوح تغيرت الكثير من عادات شهر رمضان، كان لا يزال محمد صغيرًا حينما نزحوا والآن هو في بداية العشرينات.

يستذكر محمد أيام الصيام خلال شهر رمضان في دير الزور، حين كانت العائلات تخرج للإفطار أمام منازلها، خاصة في الأحياء الشعبية ذات الحارات الضيقة، ومن اللحظات العالقة في ذاكرته ليلة النصف من شعبان والتي كانوا يطلقون عليها «المحياه» دلالةً على إحياء هذه الليلة، إذ تجتمع العائلات ويشعل الأطفال الألعاب النارية بعد أذان المغرب ويوزع الأهالي الطعام والحلويات على الأقارب والفقراء.

يستذكر محمد الطعم الشهي لخبز العباس، وهو خبز يخبز على الصاج ويدهن بالسمنة العربية ودبس التمر، ويتحدث عن تقليد شعبي بتطويف «شموع الخضر»؛ تجتمع النساء ويقمن بوضع شموعٍ على قطعٍ خشبية في نهر الفرات، لإيفاء النذور ولتحقيق الأماني والدعوات.

اليوم تغير كلّ هذا، فمدينة دير الزور شبه مدمرة، بعد أن كانت أرضًا للمعارك بين داعش وجيش النظام السوري وقوات التحالف الدولي، لينقلب معها مستقبل العائلات بالكامل. يعني النزوح لمحمد عدم اسمرار وجهه من السباحة، وعدم تناول السحور أمام المنازل، حتى أنه غير قادر على شراء التمر الهندي وعرق السوس، وإن أتيح له فهو ذو طعم مختلف تمامًا، والنهر الذي كانت تطوف فيه شموع الخضر٫ ويسبح فيه السكان هربًا من الحرّ قبل الإفطار٬ سقط جسره في الحرب، وما عاد من الممكن أن يعيش حياته السابقة مرة أخرى، والشيء الأساسي الذي تغير بالنسبة لمحمد هو عائلته المكونة من ثمانية أشخاص والذين تفرقوا في العالم.

كان رمضان شهرًا يجمع العائلة التي شغلها العمل ليتقرب الآباء من أطفالهم ومن الكبار في السن، إلا أن الحرب فرقت العائلات والأبناء عن الآباء، وغدا مفهوم العائلة مشوّهًا بعد هجرة الكثير من الأبناء أو مقتلهم أو اختفائهم قسرًا، ويُفطر الكثير من السوريين في الداخل والخارج بمفردهم، وأحيانًا يتشارك الآباء والأمهات إفطارهم مع أبنائهم عبر الإنترنت. 

لا يخفى على النظام جوع شعبه

في هذا السياق من الفقر المدقع، تواجه النساء السوريات صعوبات خاصة، فبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن 30% من النساء السوريات لا يمتلكن دخلًا على الإطلاق لإعانة عائلاتهن، بينما يواجه نحو 8 من كل 10 أشخاص صعوبةً في توفير الطعام والاحتياجات الأخرى.

هذا الحال لا يخفى على النظام السوري، ورغم معرفته بكل هذه الصعوبات، تصرح وزارة الأوقاف التابعة له بأن كفارة الإفطار (فدية طعام مسكين أو إفطار رمضان) يساوي 3500 ليرة سورية للوجبة الواحدة. هذا الرقم الذي قدّرته الوزارة يعني أن طعام فرد واحد في الشهر يساوي أكثر من 100 ألف ليرة سورية (قرابة 34 دولارًا أمريكيًّا)، ولعائلة من أربعة أفراد: سيحتاجون إلى 400 ألف ليرة (135 دولارًا أمريكيًّا تقريبًا)، فقط ثمنًا لوجبة واحدة لكل فرد منهم خلال شهر، بينما دخل الأسرة في مناطق النظام لا يزيد في متوسطه عن 100 ألف ليرة سورية.

Embed from Getty Images

من سوق الحميدية في العاصمة السورية دمشق، ويظهر ملصق ترويجي لبشار الأسد، رئيس النظام السوري، وتقول: «عمّال سوريا معك» 

يعمُّ الغضب الشارع السوريّ مع تغاضي النظام عن المجاعة وعدم التعامل معها بشكل جديّ، في حين تلاحق القنوات الرسمية البائعين مِمَن لا يلتزمون بالأسعار وتُهينهم على الهواء مباشرة، مهددةً إياهم بالسجن، فيما يبدو أنها البطاقة الأخيرة التي يقول النظام من خلالها بأنه لا دخل له بما يحدث، وأن التجّار هم من يتلاعبون بقوت المواطن، عوضًا عن اتخاذ خطوات جدية وصارمة في هذا الشأن.

وفي لعبة النظام التي يرميها على التجار الصغار يُجوّع السوريون بصمت، ولا ملامح لأي تغيير جذري قبيل الانتخابات الرئاسية في مناطق النظام الناجية من الحرب، ويبدو أن نزول الدولار بشكل مفاجئ وحاد، مع انعكاسه بشكل طفيف جدًا على الأسعار، يبدو أن هدفه الأساسي إقناع موالي النظام بأنه قادر على تغيير الوضع الاقتصادي في وقت قريب.

لا أسهل من رؤية حرقة السوريين خلال شهر رمضان، يكفي النظر إلى الأكياس التي يحملونها قبل الإفطار، يكفي مراقبة الكميات التي يبتاعونها، وسماع الدعوات بحياة أفضل، ستدرك كيف بات رمضان شهرًا حزينًا بعد فقدان كلّ معانيه والروابط فيه بسبب الحرب، بات شهرًا آخر لا يود أن يموت فيه السوريون من الجوع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد