في زقاق صغير، قد تقف كثيرًا، لترى أشياء متنوعة، كزينة شارع مُبهجة، أو محل تجاري رُصّت بضائعه بفنية عالية، قد ترى الأتراك والمغاربة؛ فتجذبك لهجاتهم المتعددة، أو طفلة صغيرة من الحي ارتدت ثوب صلاة بألوان زاهية. ذلك هو عبق شهر رمضان في القدس المحتل. عبق سيجذبك نحو المكان بمقدساته، وأشخاصه.

«صلوا على النبي صلوا.. لولى النبي ما انبنى جامع ولا صلوا»، بنبرة صوت مليئة بالحيوية، ينادي «المسحراتي بهاء نجيب» (27 عامًا) في حارة «باب حطة»، في البلدة القديمة. يُحب المقدسيين سماع صوته، وتلبية ندائه للسحور. بهاء الحاصل على شهادته الجامعية في تخصص «علم النفس»، وترفض السلطات الإسرائيلية عمله كمسحراتي، وهو العمل الذي امتهنه منذ أربع سنوات.

يُؤكد بهاء أنّ التهديدات الإسرائيلية لا تُخيفه. يقول لنا قُبيل ذهابه لأداء صلاة المغرب في المسجد الأقصى «سنظل مستمرين في عيش كل الأجواء الرمضانية، من حقي أن أفرح بشهر رمضان». يستمر الرجل في الحديث، وهو فَرِح بفك قرار الإبعاد الإسرائيلي عنه «منذ أربع أيام فقط سمح لي بالذهاب للمسجد الأقصى، بعد إبعاد استمر خمسة أشهر».

في حارته أيضًا، قام بهاء، مع شباب الحي، بتعليق زينة رمضان، وقد كانت زينة هذا العام، يدوية الصنع. يقول بهاء لـ«ساسة بوست» «نحب أن تكون زينة حارتنا مختلفة عن باقي الحارات في القدس». لم ينس بهاء أيضًا فعل شيء مميز هذا العام: صنع مع رفاقه كرات زينة، كتب عليها أسماء كل المدن الفلسطينية، «غزة، أريحا، حيفا، يافا، جنين، القدس»، وذلك كما يقول «حتى يرى الزائر للقدس اسم مدينته، فيفرح لأن القدس لن تنساها».

ومما تُحاربه سلطات الاحتلال الإسرائيلي أيضًا، زينة الحارة، كما يُوضّح لنا بهاء «ما إن انتهى شباب الحي من وضع الزينة، حتى جاءتنا قوات الاحتلال، تطلب منهم رفعها؛ بحجة أنها تحجب الرؤيا عن الكاميرات، التي تعج بها الحارات المقدسية»، مُضيفًا «أجبرنا على إزاحة وفك بعض الزينة، لكن لم نزلها، نصر على الفرح في شهر رمضان المبارك».

الإفطار في رحاب أقواس الرواق الغربي

في المنطقة الغربية للمسجد الأقصى، وتحديدًا الرواق الغربي عند باب المغاربة، مرورًا بـ«باب السلسلة»، وصولًا إلى «باب الغوانمة»، هُناك، وما إن تنتهي صلاة المغرب، حتى ترى تحت كل قوس من الأقواس المتعددة ذات الطراز المعماري الإسلامي، عائلة مقدسية قد ضمت إليها عائلة أخرى، من خارج القدس؛ لتناول الإفطار.

يعمل أهالي القدس بهذه العادة منذ الفتح الإسلامي؛ إذ أوكل «عمر بن الخطاب» لأهل القدس رعاية حجّاج وزوار المسجد، وبقوا على حالهم، واحد من هؤلاء الذين اعتادوا استضافة عائلة من خارج القدس، وإشراكها في إفطارهم، هو «السيد فخري أبو دياب» (54 عامًا).

بيت فخري لا يبعد سوى 350 متر عن المسجد الأقصى من الناحية الجنوبية، فما إن يفتح شباك غرفته، حتى يرى قبة «مسجد الصخرة»، وقبة «المسجد القبلي»، ومآذن المسجد الأقصى، يسمع النداء كما لو كان في ساحة المسجد، يستعد للصلاة، وهو مع زوجته يحب أن يصطحب ضيوفه للمسجد الأقصى.

يُوضّح فخري أبودياب لـ«ساسة بوست»، أنه كثيرًا ما يستضيف أهل القدس في ساحات المسجد الأقصى، من يأتي من الضفة الغربية أو الوطن العربي، خاصة الأتراك، الذين أصبحوا في تزايد. ويُتابع أبودياب «نمد طعام الإفطار في مناطق مخصصة داخل الحرم، فأغلب أهل القدس يأخذون إفطارهم لتناوله هناك بعد صلاة المغرب، وهم يحرصون على استضافة الزائرين في إفطارهم».

ويبين الرجل أن القدس في رمضان تنتعش بزائريها؛ إذ يكثر تواجد المصلين، وتتخلص القدس لبعض الوقت من حالة الركود الاقتصادي، كما أن الأهم هو شعور المقدسيين بالأمان والتضامن. يقول فخري «زيادة أعداد المصلين تشعرنا بالأمان، يخفف الاحتلال من عدد المقتحمين من المتطرفين للمسجد الأقصى، فتواجد المصلين يحبط هذه المؤامرات، ويعيقها لدرجة كبيرة».

حراك تُجاري مُثقل بالضرائب الإسرائيلية

يقف المقدسي «خالد الصاحب» (53 عامًا)، أمام محل الملابس الذي يمتلكه في شارع الوادي، المؤدي لباب العمود بالقدس المحتلة؛ يتابع حركات الزائرين للمدينة، يأمل في زيادة الحراك التُجاري في شهر رمضان، لتعويض الخسائر التي لحقت بهم بسبب تضييقات الاحتلال، ما أدى إلى تقلص نسبة المُشتريات من مُختلف القطاعات والمُنتجات إلى 80%.

يقول الصاحب «القدس لها طابع خاص في شهر رمضان. بهجتها الجميلة نحاول أن نحافظ عليها، تارة بتزيين الشوارع، وتارة بمظاهر التواصل الاجتماعي بين العائلات؛ إذ تشعر هنا بأن الناس عائلة واحدة، الغني يتفقد الفقر، ويتكافل الجميع معه».

ويتابع «رمضان في القدس هو شهر خير وبركة، المصلون يحدثون حركة تجارية، يأتون من مناطق الضفة الغربية، ومن فلسطينيي 48، وبعض الجاليات العربية والإسلامية، ونحن نأمل في زيادة الحركة التجارية لإنقاذ تجار القدس».

ولا يتواني الصاحب عن الحديث في وضع التجار في القدس، الذين قال إنّهم يخضعون لستة أنواع من الضرائب للاحتلال، وبسبب ثقل تلك الضرائب أغلقت ما يقارب من 30% من محال البلدة القديمة أبوابها خلال الأشهر الستة الأخيرة؛ لأن أصحابها لم يستطيعوا الاستمرار. ويضيف الصاحب «السبب الرئيس لوضع التجار هنا هو الاحتلال، ناهيك عن الضرائب المرهقة هناك الحواجز والتفتيش تمنع الناس من الوصول للبلدة القديمة، وعلى مدخل باب العمود الرئيس للحرم شرطة الاحتلال مدججة بالسلاح لترهيب المقدسيين من النزول إلى البلدة والتحرك بالمدينة».

رحلة مصلي من الضفة الغربية إلى المسجد الأقصى

أعدت زوجة «فخر الرنتيسي» (30عامًا) حقيبة صغيرة لزوجها، وضعت فيها مستلزمات رحلة تستغرق بضعة أيام، ينوي زوجها ـ كعادته ـ المغامرة بالوصول للمسجد الأقصى من قرية «رنتيس»، تقع شمال غرب «رام الله»، التي يسكن فيها.

فخر الذي سينطلق من مدينة رام الله، لن يحمل تلك الحقيبة؛ إذ سيرسلها مع أصدقائه المقدسيين، الذين يأتون إلى الضفة الغربية لتسبقه إلى القدس، فهو سيسلك طريقًا صعبة للالتفاف على قرار الاحتلال الإسرائيلي، بمنعه من الوصول إلى المسجد الأقصى؛ لأنه من سكان الضفة الغربية، فهو لم يبلغ بعد 45، كما تشترط قوات الاحتلال على من يرغب في الصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان وأيام الجمعة.

في السنوات الماضية، تعددت الوسائل التي وصل بها فخر إلى القدس، فقبل أن يكتمل بناء جدار الفصل العنصري، كان يتمكن ورفاقه من الدخول عبر فتحات الجدار نحو القدس، ثم بعد اكتمال بناء الجدار تعرفوا على أشخاص مهمتهم توفير مخرج لأهالي الضفة الغربية، للوصول إلى القدس مقابل مبلغ مالي، وذلك عبر تسلق سُلم أو من داخل عبًارة «قناة مائية»، مُضيفًا «في إحدى المرات، خرجنا في حافلة سياحية من البحر الميت بأريحا، تجاوزنا  حاجز إسرائيلي نحو «بئر السبع» ومن ثم وصلنا باب العمود بالقدس، وصلنا أقصى جنوب فلسطين المحتل ثم ذهبنا مشيًا على الأقدام نحو القدس».

ما إن يرى فخر قبة الصخرة الصفراء، حتى تُسر نفسه وتستكين من رحلته القاسية، وسرعان ما يجد على أرض الحرم القدسي الكثير من رفاقه، الذين وصلوا بطريقة ما من الضفة الغربية، وهناك أيضًا يستضيفه رفاقه المقدسيين على الطعام. يحب فخر أن يقضى العشر الأواخر، وما تبقى من رمضان، في المسجد الأقصى «المغامرة لها طعم جميل، لا يسمحوا لنا بالدخول بشكل قانوني، فقط يمنحون من هم فوق 45 من العمر الدخول بتصريح علاجي أو لزيارة الأعياد والمناسبات الدينية».

وحول المخاطر التي قد يتعرض لها فخر، قال «إذ تمكنت قوات الاحتلال من اعتقال أي مواطن من الضفة الغربية في القدس، فهو معرض للاعتقال ثلاثة شهور، الصعوبة الآن تعترضنا في مداخل البلدة القديمة وأبواب المسجد الأقصى؛ بسبب تشديد الاحتلال؛ خوفًا من هبّة القدس (انتفاضة السكاكين)، لكن نحن ننتهز الفرصة في فترة صلاة التراويح؛ إذ إن أعداد المصلين تكون ضخمة، ويمكن الإفلات من قبضة الاحتلال».

«كل شيء يزيد جمال في رمضان»

يعج المسجد الأقصى بفلسطينيي 48، في شهر رمضان، وغيره من الشهور، يُشاركون في خدمة ضيوف الحرم القدسي، فتراهم عند مسطح المصلى المرواني شرقي الجامع القبلي المسقوف، يُقدمون وجبات الإفطار اليومية بشكل طوعي، وتقوم مؤسساتهم الخيرية على برنامج تقديم المواعظ الدينية والدروس الفقهية للرجال والنساء.

واحد من هؤلاء كان «مصطفى» (25 عامًا)، الذي جاء من مدينة «أم الفحم»، يجول ببصره في الحارات القديمة، يتوقف عند زينة «باب العمود» و «زواقيق (أزقة) البلدة القديمة»، يرى كل شيء في القُدس جميل، لكن جمال المدينة، يزداد في شهر رمضان؛ بسبب الأجواء وكثرة الزوار، «أسمع أكثر من عشرة لهجات مختلفة في الحرم القدسي في رمضان»، يقول لنا مُصطفى، الذي يستضيفه أصدقاؤه المقدسيون الذين «يُعاملونه كابن بيت».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد