ما أن يحل شهر رمضان المبارك في دول العالم العربي والإسلامي، حتى تبدأ معاني البهجة والسرور سيدة الموقف، رغم الآلام والجراح التي تلازم الكثير من شعوب هذه الدول، والتي اعتادت أن تعيش لحظات الحزن والفرح معًا.

ومن أبرز مظاهر الزينة التي يعبر بها المسلمون عن فرحتهم بقدوم الضيف الكريم ” فانوس رمضان”، والذي يرسم الابتسامة على وجوه الأطفال قبل الكبار، كونه مبشرًا ببداية الشهر، حيث تتزين المساجد والبيوت والحارات وحتى الأزقة بأشكاله المختلفة، وألوانه التي تبعث الأمل والسكينة.

لكن، من أين جاءت فكرة “فانوس رمضان”؟ ومن هي أولى الدول التي عرفته؟ وما أشكاله؟ وكيف تتم صناعته؟ وهل ما زال حاضرًا حتى اللحظة، أم أن هناك مظاهر أخرى أضيفت إليه؟

بداية الفكرة

هناك العديد من القصص عن أصل الفانوس، أولى هذه القصص أن الخليفة الفاطمي كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال شهر رمضان، وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق، حيث كان كل طفل يحمل فانوسه، مع ترديد بعض الأغاني الجميلة تعبيرًا عن سعادتهم باستقبال شهر رمضان.

وقصة أخرى عن أحد الخلفاء الفاطميين لتأصيل الفانوس، هي أنه أراد أن يضيء شوارع القاهرة طوال ليالي شهر رمضان، فأمر كل شيوخ المساجد بتعليق فوانيس تضاء بشموع توضع بداخلها.

وتروى قصة ثالثة أنه خلال العصر الفاطمي، لم يكن يُسمح للنساء بترك بيوتهن إلا في شهر رمضان وكان يسبقهن غلام يحمل فانوسًا لتنبيه الرجال بوجود سيدة في الطريق لكي يبتعدوا.

جذور المعرفة

إحدى ورش صناعة الفوانيس في مصر

أول من عرف فانوس رمضان هم المصريون، وذلك يوم دخول المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة قادمًا من الغرب في يوم الخامس من رمضان عام 358 هجرية، وخرج المصريون في موكب كبير جدًا اشترك فيه الرجال والنساء والأطفال على أطراف الصحراء الغربية من ناحية الجيزة للترحيب بالمعز الذي وصل ليلتها، حاملين معهم المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة وذلك لإضاءة الطريق إليه.

انتقلت فكرة الفانوس المصري إلى أغلب الدول العربية وأصبح جزءًا من تقاليد شهر رمضان لا سيما في دمشق وحلب والقدس وغزة وغيرها.

أما كلمة الفانوس فهي إغريقية تشير إلى إحدى وسائل الإضاءة، وفي بعض اللغات السامية يقال للفانوس فيها ‘فناس’، ويذكر الفيروز أبادي مؤلف القاموس المحيط، أن المعني الأصلي للفانوس هو “النمام” ويرجع صاحب القاموس تسميته بهذا الاسم إلى أنه يظهر حامله وسط الظلام، والكلمة معروفة بهذا المعنى.

عملية الصناعة

أشكال مختلفة من فانوس رمضان

ليست صناعة الفوانيس صناعة موسمية، ولكنها مستمرة طوال العام حيث يتفنن صنّاعها في ابتكار أشكال ونماذج مختلفة، وتخزينها ليتم عرضها للبيع في رمضان الذي يعد موسم رواج هذه الصناعة. وتعد مدينة القاهرة المصرية من أهم المدن الإسلامية التي تزدهر فيها هذه الصناعة.

وقد شهدت هذه الصناعة تطورًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، فبعد أن كان الفانوس عبارة عن علبة من الصفيح توضع بداخلها شمعة، تم تركيب الزجاج مع الصفيح وعمل بعض الفتحات التي تجعل الشمعة تستمر في الاشتعال. ثم بدأت مرحلة أخرى تم فيها تشكيل الصفيح وتلوين الزجاج ووضع بعض النقوش والأشكال. وكان ذلك يتم يدويًا وتستخدم فيه المخلفات الزجاجية والمعدنية، وكان الأمر يحتاج إلى مهارة خاصة ويستغرق وقتًا طويلاً.

وظلت صناعة الفانوس تتطور عبر الأزمان حتى ظهر الفانوس الكهربائي الذي يعتمد في إضائته على البطارية واللمبة بدلاً من الشمعة، ولم يقف التطور عند هذا الحد بل غزت الصين مصر ودول العالم الإسلامي بصناعة الفانوس الصيني الذي يضيء ويتكلم ويتحرك بل تحول الأمر إلى ظهور أشكال أخرى غير الفانوس.

محفوظ بها

ما زال الفانوس التقليدي من أهم مظاهر الاحتفال برمضان وخصوصًا أنه كان وسيلة تجمع الأطفال قبل ظهور التليفزيون، وكثيرًا ما كانت الأسر تقوم بصناعة فوانيس كبيرة من الخشب وورق السيلوفان، وتعلقها على أبواب المنازل أو بداخل الشوارع أو الشرفات تعبيرًا عن الاحتفال بهذا الشهر الكريم.

وقد ظهرت أنواع عديدة للفوانيس فقد كانت في الماضي وما زالت فوانيس الشمع التي تتميز بألوانها الجذابة والمصنوعة من الزجاج في صورة نوافذ متلاصقة في إطار من الألمونيوم والنحاس وعليها رسومات مزخرفة وباب لإدخال الشمعة التي تستقر على قاعدة معدة لذلك ويتم إضاءتها فتعكس ألوان الزجاج المزخرف، ولكن يعاب عليها بأنها ضارة لصحة الأطفال وخطرة فقد تم استبدالها الآن بأنواع حديثة وظلت تتطور حتى أصبحت الآن تستخدم التكنولوجيا الصوتية والضوئية واختلفت تمامًا عما كانت عليه ولكنها احتفظت بإدخال البهجة والسعادة على الأطفال.

عرض التعليقات