رغم قسوة التجربة على أصحابها؛ إلا أن الكثير منهم ممن امتدت فترات احتجازهم داخل السجون لشهر رمضان، تجاوزوا هذه العذابات بانتصارات يومية صغيرة، عبر تدوين رسائل وأعمال تتشبث بحُب الحياة والاستمتاع بتجليات هذا الشهر الكريم وسط عتمة أربعة جدرانٍ، لتؤنس وحشتهم في شهر الصوم.

العذابات التي قاساها نزلاء السجون خلال شهر رمضان، بدءًا بكمية الطعام القليلة ونوعيته السيئة، مرورًا بالأمراض والأوبئة التي كانت تنتشر بينهم بسبب قلة النظافة وانعدام العناية الصحية، وانتهاءً بليالي البرد الشديدة، كانت دافعًا لرفع أصواتهم التي تمايزت حسب خلفية السجين، لتكون شكلًا للمقاومة حيال قمع السلطة، وحصارها لسلوكهم.

من خلال شهادات سجناء من مصر والوطن العربي ممن قضوا هذا الشهر كاملاً في سجون الأنظمة العربية، تجارب ذاتية علمتهم الصبر حيال الشعور بالاختناق والحبس، يستعرض التقرير التالي الكيفية التي تحول السجن فيها خلال هذا الشهر إلى مكان تهاجم الذكريات فيه رأس السجين، وخطوة للأمام له والوسائل التي لجأ إليها النزلاء للتغلب على آلام السجن باستحضار تجاربهم المُلهمة.

نستحضر لحظات الوحدة في الزنزانة، ونتذكر ما كان يستحضره عقل السجين في مثل تلك اللحظات كي يشحن الصمود من جديد، بعد أن كانت أرواحُهم على مشارف الانهيار، ونذكر أفعالهم التي مارسوها خفية عن أعين السجان، ونتعرف إلى سياقات القراءة والمُقاومة لهؤلاء السجناء خلال هذا الشهر الكريم.

عمر حاذق.. القراءة في مواجهة وحشة السجن

منذ اليوم الأول للشاعر المصري عُمر حاذق (41 سنة)، داخل سجن العرب، والتي بدأت فصولها في فبراير (شباط) عام 2014، والأنشطة الثقافية والقراءات المُستمرة مثلت له وسيلة «مقبولة» لمواجهة آلام السجن وأثر الفقد، من أجل تحويله لمكان لممارسة الحياة، من خلال تنظيم النشاط الثقافي وكتابة مجلات الحائط.

سُجن عُمر على خلفية خرق قانون التظاهر، بعدما شارك مع عشرات في وقفة احتجاجية دون تصريح؛ تنديدًا ببراءة قتلة المواطن المصري خالد سعيد أيقونة الثورة المصرية، ليصدر بحقه حُكم قضائيّ بالسجن عامين، وتغريمه مبلغ 50 ألف جنيه، في 16 فبراير 2014، قبل أن يشمله عفو رئاسي، أصدره رئيس الجمهورية بحق 100 سجين، في سبتمبر (أيلول) 2015.

كان نشاط عُمر واهتمامه بالقراءات المتنوعة دومًا، يزداد بحلول شهر رمضان، الذي حلّ مرتين على عمر في السجن، بعدما باتت عدد ساعات بقائه داخل الزنزانة أكثر، في ظل عدم وجوء أعباء أو التزامات بمهام يؤديها داخل السجن على غرار الشهور الأخرى، و«تخفف» إدارة السجن من إجراءات التفيتش «الصارمة» على الزيارات.

يرسم عمر خلال حديثه لـ«ساسة بوست» صورة عامة لأبرز التباينات في حياة السجين خلال شهر رمضان والشهور الأخرى، قائلاً: «فيه ناس بتأذن في الزنازين حسب مواعيد الصلوات، واختلاف مواعيد التريض للسجين، والحاجة اللي أنا فاكرها أنهم بيدخلوا أكل أكتر في الزيارات، وبيسهلوا الدنيا شوية فيها».

Image may contain: 1 person, smiling, standing and outdoor

الشاعر المصري عُمر حاذق بعد إخلاء سبيله – المصدر: صفحته الشخصية على «فيسبوك»

غير أن تخفف إدارة السجن في إجراءتها تجاه النزلاء في شهر رمضان لا تجعله «راضيًا» بهذه الأيام، أو تدفعه لتغيير انطباعاته تجاه السجن. فيقول لـ«لساسة بوست» أن: « كُل أيام السجن مملة وشبه بعضها، مفيش سعادة يعني ولا احتفاء بشهر رمضان. أثر السجن ثقيل في كُل شهوره».

لازم عُمر في هذا الشهر عشرات السجناء المحبوسين في قضايا سياسية داخل زنزانة ضيقة، كان قطاعًا كبيرًا منهم ذي خلفية «إسلامية» ومحبوس على ذمة قضايا «انتماء للإخوان المسلمين»، وهو ما يُرجع عمر تأدية «صلوات التراويح»، وانتظام جلسات قراءة القرآن له.

يمتد هذا التأثير على استقامته بالنسبة لعُمر: «بيكون فيه اتجاه إسلامي عام داخل الزنزانة بيظهر بفضل غلبة هؤلاء على الزنزانة».

ولا تغيب التناقضات اليومية في شهر رمضان خارج أسوار السجن عن داخله، كما يروي عُمر، الذي يستعيد بعضًا من مشاهده داخل زنزانته: «من تناقضات السجن أن المخبر اللي «بيخنقنا» في التفتيش، هو الي بيقولنا كل سنة وأنت طيب، ورمضان الجاي تقضوه مع أهاليكم. هو إنسان في الآخر وده تعبير حقيقي، لأنه في الغالب بيبقى عنده شعور تجاهنا بالشفقة ممما نعيشه وأننا بنقضي رمضان بعيد عن أهلنا».

على خلاف تجربة عُمر السابقة التي قضى فيها رمضان مرتين داخل السجن، تشتد الصعوبات بالنسبة لسجناء سياسين آخريين في الشهر ذاته دون أي اختلاف عن الشهور الباقية، وذلك في بعض السجون شديدة الحراسة، كحال زنزانة 12 في سجن برج العرب، وفقًا لشهادة ثلاثة سجناء سابقين.

يروي واحد منهم لـ«ساسة بوست» وقائع هذه الصعوبات قائلاً: «هناك بعض الزنازين يظل الوضع فيها كما هو الحال في الشهور الأخرى، مثل (زنزانة رقم 2) داخل سجن برج العرب، الموجود فيها المحامي الحقوقي محمد رمضان والناشط السياسي إسلام الحضري وشباب منتمون للتيار المدني، حيث تُمنع عنهم الزيارات، ويضطرون للإفطار على الأكل الذي يوزعه السجن، وهو أكل سيئ جدًا. لذلك يضطرون لشراء نوعيات جيدة من «كانتين» السجن بأسعار باهظة».

وكانت دراسة أعدتها «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية» تحت عنوان: «للبيع في الكانتين: الإفقار العمدي في السجون المصرية»، أشارت إلى أن «الاستغلال الاقتصادي الذي يحدث في السجن يمثل أيضًا أحد أشكال الانتهاكات التي تقوم بها السلطات، وترقى إلى اﻹفقار العمدي بواسطة وزارة الداخلية ضد جموع المساجين».

وخلص التقرير إلى توصيات ﻹنهاء الاستغلال الاقتصادي في سجن «العقرب»، وإدخال ضمانات قانونية لمنع وزارة الداخلية من القيام بممارسات مماثلة، ﻹفقار وتجريد المساجين عبر مختلف السجون.

«سجن برة السجن».. يوميات 3 نشطاء مصريين مع فترات المُراقبة

أمين أبوردة.. صنع الحلوى لمواجهة «مرارة» سجون الاحتلال

اعتاد أمين أبوردة، فلسطيني الجنسية (50 عامًا) قضاء شهر رمضان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بعدما تعرض للاعتقال ثلاث مرات متتالية، كانت أولها عام 1988 مع بداية الانتفاضة الفلسطينية، قبل أن يعاود سجنه مرة أخرى عام 2012، 10 شهور كاملة، ثم أُطلق سراحه ثلاثة أعوام، عاد بعدها للسجن 10 شهور أخرى.

في كُل المرات التي سُجن فيها أبوردة، الذي يعمل في مجال الصحافة، مسؤولاً عن الموقع الإخباري «أصداء إخبارية»، كان السبب وراءها «اعتقال إداري»، دون سبب قانوني، أو تهمة مُحددة.

Image may contain: 1 person, hat and close-up

الصحافي الفلسطيني أمين أبوردة – مصدر الصورة: حسابه الشخصي على «فيسبوك»

وتوسعت سلطات الاحتلال في الاعتقال الإداري، وهو إجراء تلجأ له قوات الاحتلال الإسرائيلية لاعتقال المدنيين الفلسطينيين دون تهمة محددة ودون محاكمة، مما يحرم المعتقل ومحاميه من معرفة أسباب القبض عليه.

في تحربته الأولى بالمُعتقل، كان قضاء شهر رمضان داخل السجن أمرًا «شاقًا» على أبوردة، في ظل التشديدات المستمرة من جانب إدارة السجون، ونوعية الأكل «السيئة» التي يقدمونها، وارتفاع أعداد المحبوسيين داخل كُل زنزانة الذي وصل لـ300 فرد في الزنزانة الواحدة، بحسبه.

يستعيد أبوردة، الذي يعمل كذلك محاضرًا بـ«جامعة القدس» المفتوحة، بعض من ذكرياته عن حبسه الأول الذي دام ثمانية شهور كاملة في سجن «مجيدو»، قائلاً: «المرة الأولى كانت ظروف صعبة جدًا، والاعتقالات بالجُملة في بداية الانتفاضة الفلسطينية، وأعداد كبيرة داخل الزنازين، والإمكانيات المتوفرة لدى المعتقلين شحيحة جدًا. كنا نفطر على حاجات بسيطة جدًا». وسجن «مجيدو» سجن إسرائيلي يقع عند مفترق مجيدو في المنطقة الشمالية بإسرائيل.

غير أن الأوضاع تحسنت «كثيرًا» بالنسبة لأبوردة في المرتين الأخريين اللتين تعرض فيهما للحبس في السجن نفسه، لأسباب يُرجعها إلى خبرة المعتقلين الواسعة، وتمرسهم مع ظروف الاحتجاز، والتكيف معها. يُضيف لـ«ساسة بوست»: «المعتقلون تمكنوا خلال سنوات سابقة من الحصول على بعض التسهيلات والامتيازات من سجون الاحتلال؛ سواء من حيث ظروف الاعتقال أو مخصصات الأكل، إلى جانب خبرة الكثيرين في طهي الأكل وإعداد الحلويات بشهر رمضان التي عادة ما تكون أحلى من التي تُباع في المطاعم الراقية».

يُكمل أبوردة: «الأسرى تمكنوا من تحويل السجن لمكان غني جدًا بالإبداعات، متغلبين بها على «حُرقة» السجن في هذا الشهر تحديدًا، مثل إنتاج حلويات وإبداعات يدوية وإعداد أكل يضاهي أكل المطاعم الراقية بسبب خبرة السجناء وطول فترة احتجازهم التي امتدت لأكثر من 25 عامًا».

مستفيدًا من المساحة الزمنية الطويلة التي تتيحها لهم الجدران الأربعة؛ خصوصًا في شهر رمضان، أنجز أبوردة في هذا الشهر عشرات الأوراق البحثية والكُتب العلمية، مثل كتابه «الواقع الإعلامي للأسرى في سجن مجيدو»، و«بصمات في الصحافة الاعتقالية»، وكتاب آخر له علاقة بأخلاقيات وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقارير حول أحوال المعتقلين.

غير أن تلك التسهيلات ومحاولات التكيف من جانب المعتقلين لا تنفي استمرار حالة «الوحدة» و«الشجن» خصوصًا مع استعادتهم ذكريات هذا الشهر مع ذويهم، يوضح أبوردة: «الأسير يشعر بالاشتياق لأهله وذويه. ويتذكر السجين يومياته والفطور مع أهله وعائلته. الذاكرة تعود إلى الأسير وتؤدي لحالة من الشجن تجاه الحياة خارج سجون الاحتلال».

يبدأ يوم المُعتقل داخل سجون الاختلال في شهر رمضان قبل ساعة من أذان الفجر، بعدما يبدأ السجان في إدخال «مواد السحور» عبر نافذة متصلة بالزنزانة، يليها تأدية النسبة الأكبر منهم للصلاة، وبعدها يعودون لأسرتهم ومنهم من يذهب للتريض في الوقت المخصص من الساعات الأولى من الصباح، ويعقب جلسات التريض، في شهر رمضان، جلسات تثقيفية، والتي تتحدد موضوعاتها داخل الغرف حسب الانتماء التنظيمي للمعتقلين، وفقًا لأبوردة.

اضطر أبوردة ومعه المئات لشراء مواد إضافية من الطعام من أماكن داخل السحن على نفقاتهم الخاصة، لطهيها بديلاً عن الأكل «السيئ» الذي تُقدمه إدارة السجن لهم.

يوضح أبوردة: «الجانب الروحي طاغ علينا. يطغى على المعتقلين الالتزامات الدينية سواء كانوا ملتزمين أو غير ملتزمين. الصيام كان شاملًا سوى باستثناءات للمرضى أو فئة قليل ليست مقتنعة به».

من وقت لآخر، حاولت إدارة سجن الاحتلال «تكدير» الأسرى في السجون، خلال هذا الشهر، عبر «تشديد التفتيش والتنقلات، أو اقتحام قوات الاحتلال للزنازين وقت الإفطار، ما يتسبب في حالة ارتباك بين الأسرى».

ساعد وجود مذياع مع كُل سجين في التعرف إلى مواعيد الإفطار، إلى جانب مجاورة السجن لأحد المساجد الواقعة بمدينة أم الفحم، التي كان الأسرى يستدلون منها على أصوات الأذان، ومواعيد الإفطار.

واصف عياد.. رمضان لا يزور «سجن تدمر»!

من أصل خمسة أعوام قضاها السوري واصف عياد (44 عامًا) داخل عدة سجون سورية تنقل بينها، قبل اندلاع الثورة السورية، كان شهر رمضان من كُل عام خطوة للأمام له، إذ كانت الحالة الذهنية له ولكافة السجناء مُناسبة للقراءة والتعليم والتركيز، ليُحرره من أساليب السلطة تجاه وسائل تعذيبهم.

تتباين طرق معتقلي السجون السورية في التكيف مع شهر رمضان، الذي يحمل خصوصية كبيرة عند المسلمين، وفقًا لواصف، الذي يوضح أن مُعسكر اليساريين والناصريين، وبعض معتقلي «بعث العراق»، كانوا يتعايشون معه بطرق مختلفة تمامًا عن سلوكيات الإسلاميين خلال هذا الشهر الذي يستغرقون فيه في تأدية الصلوات، وقراءة الأوراد الدينية.

أحد السجون السورية

تنتهي هذه التباينات بينهم بـ«مُداعبات»، تجعل كلا المعسكرين أكثر تدربًا على حيواتهم الجديدة، واستيعابًا لأنماط الحياة المختلفة، وفقًا لعياد.

فقد كان هذا الشهر دافعًا له من أجل تطوير نفسه، من خلال عقد حلقات دراسية للنقاش حول بعض الكتب، والفوارق الأيدولوجية بين مجموعاته ومجموعة الإسلاميين، وبعض النقاشات الفلسفية عن شهر رمضان. كما كانت المونولوجات والحكي الشعبي سلاح جانبي لمقاومة هذه «الحبسة» التي عزلتهم تمامًا، خصوصًا في شهر رمضان، وهي العادة التي كانوا يشتركون فيها مع «الإسلاميين» داخل الزنازين.

من بين كافة السجون التي تنقل فيها عياد، كانت مسألة إعداد الأكل «مسموحًا» بها من جانب إدارة السجن؛ غير أن «سجن تدمر»، كان يحمل طابعًا خاصًا في «قسوته» على كافة السجناء، حيث الأكل «شديد السوء» وغير مسموح لهم بفعل أي شيء، وكان الجميع باختلاف انتماءاتهم السياسية غير واعين بشهر رمضان، أو بقدومه، حتى أن التعذيب وأصوات المعتقلين وهي تئن جراء تعذيبهم، كانت لا تنقطع، بحسب ما حكاه واصف لـ«ساسة بوست».

هل توجد حياة بعد الاعتقال؟ 4 تجارب «ملهمة» لناجين من سجون النظام السوري تجيبك

عرض التعليقات
تحميل المزيد