نشر موقع «إضاءات» من قرابة الشهرين تقريرًا بعنوان «رامي مالك: من بيع الفلافل إلى سلم المجد»، وقدم التقرير معلومات كفيلة بالنظر بشكل جديد للممثل المصري الذي حاز على الأوسكار بالأمس رامي مالك، وفيما يلي نص المادة:

انتشرت صورته كالنار في الهشيم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المصرية بمجرد فوزه بجائزة الجولدن جلوب في فئة أفضل ممثل درامي. أعادت تلك الصورة الحنين لذكريات الممثل المصري الراحل عمر الشريف، الذي فاز بنفس الجائزة في عام 1965 عن دوره في فيلم «Doctor Zhivago».

إنه رامي سعيد مالك، الممثل الأمريكي من أصل مصري، الذي بدأ حياته في لوس أنجلوس، لكنه ظل حتى سن الرابعة، وهو يتحدث اللغة العربية فقط، عاش رحلة عانى خلالها كما يعاني العرب والشرق أوسطيون في أمريكا وأوروبا، ووصل مؤخرًا إلى سلم المجد، ليصبح أحد رموز حقبة جديدة من التنوع العرقي في هوليوود.

نتتبع معكم اليوم رحلته من بيع الفلافل والشاورما إلى الوصول لأدوار البطولة.

البداية: إما بيع الفلافل وإما أدوار الإرهابيين

في هذا الوقت كان أمام الممثلين أصحاب الملامح الشرق أوسطية أحد خيارين، إما أن يتم تجاهلهم، وإما أن يقوموا بأدوار الإرهابيين.

رامي مالك في حديثه لمجلة GQ – سبتمبر 2018

في أحد لقاءاته التي تم نشرها على موقع «Egyptian Independent» في عام 2015 صرح مالك بأنه اضطر للعمل في تحضير الفلافل والشاورما في بعض مطاعم هوليوود في أحد فترات حياته؛ وذلك لأنه لم يجد أية فرصة للتمثيل في هذا الوقت. بالطبع كان هذا العمل قاسيًا على مالك الذي كان يحمل درجة جامعية في دراسة الفنون والمسرح، لكنه كان معبرًا بشدة عما كان يلاقيه أصحاب الملامح العربية والشرق أوسطية في هوليوود.

جاءت الفرصة عقب ذلك حينما اتصلت منتجة سينمائية برقمه لتسأله إن كان لديه وكيل أعمال، وهو ما لم يكن يمتلكه في هذا الوقت، وعقب مجموعة من تجارب الأداء نجح مالك في اقتناص الفرصة، وتم اختياره لمجموعة من الأدوار المساعدة، نذكر منها دوره كفرعون مصري في سلسلة أفلام «Night At The Museum»، وكمصاص دماء في سلسلة «Twilight»، بالإضافة لدور صغير في فيلم «Need For Speed».

لكن الاختيار الأبرز لرامي في تلك الحقبة كان دوره كإرهابي في مسلسل «24» البوليسي الشهير، انتهت الحلقة كالعادة بمقتل مالك على يد البطل الأمريكي، لكنه عقب ذلك قرر أن تكون هذه هي النهاية، ومنذ ذلك الحين أخذ مالك عهدًا على نفسه ألا يؤدي أدوارًا أخرى تظهر العرب والشرق أوسطيين بشكل سلبي.

البطولة: انقلاب «مستر روبوت»

في حقيقة الأمر، اختيار شخص يدعى رامي مالك لأداء شخصية لبطل يسمى إليوت ألدرسون في مسلسل بحجم Mr. Robot، كان أمرًا أشبه بالانقلاب، لم أرَ إمكانية لحدوث هذا مطلقًا حينما كنت صغيرًا.

رامي مالك في حواره مع موقع «The Newyorker»

في عام 2015 حدثت المفاجأة أخيرًا، وتم اختيار رامي مالك للعب دور البطولة في المسلسل الأمريكي «Mr. Robot». أدى مالك دور قرصان إلكتروني عبقري يدعى إليوت، يبدو حانقًا بشدة على عالم اليوم الذي تديره مجموعة من الشركات العملاقة، ويسعى في سبيل ذلك للثورة عليهم ومعاقبتهم أشد العقاب، كل هذا ونحن أمام بطل منعزل ووحيد ويعاني من فقد أسري واضطراب نفسي.

هذا الدور المعقد والمركب سمح لمالك بإظهار قدراته التمثيلية الكبيرة، ليثبت مع مرور الوقت أنه أحد أفضل المجسدين في جيله. الطريف والمثير للتأمل في الوقت نفسه أن هذا المسلسل قد تم كتابته بالأساس من خلال مبدع مصري ـ أمريكي أيضًا، وهو المخرج والكاتب سام إسماعيل.

تعاون مالك وإسماعيل حقق نجاحًا كبيرًا وخلق مسلسلًا حوَّله محبوه مع الوقت لأحد مكونات الثقافة الشعبية، وبالإضافة لكل هذا فقد منح هذا المسلسل رامي مالك جائزته الكبرى الأولى، وذلك حينما فاز بجائزة الإيمي لأفضل ممثل في مسلسل تليفزيوني عام 2016، ليصبح أول ممثل غير أبيض يفوز بالجائزة منذ 18 عامًا.

ميركوري ومالك: نجمان من أصول مهاجرة

لقد قمت بكتابة كلمات كل أغاني فرقة كوين التي ألفها فريدي ميركوري، ووراء كل هذا يمكنني رؤية كلمات مثل «أجد نفسي وحيدًا من وقت لآخر، جد لي شخصًا يحبني»، وهذه كلمات قادمة مباشرة من روحه.

رامي مالك في لقائه مع موقع «SBS News»

عقب نجاح «مستر روبوت» الكبير ظن مالك أن المنتجين سيحصرونه في أدوار المنعزلين والمنطوين، تمامًا كشخصية إليوت، لكن خطوته التالية كانت على عكس ذلك تمامًا، حيث تم اختياره لأداء دور نجم موسيقى الروك الأشهر فريدي ميركوري.

في حقيقة الأمر أن مالك يحظى ببعض التشابه مع هذا المغني والمؤدي الأسطوري، تشابه يمكننا رؤيته بوضوح حينما نعلم أن الاسم الحقيقي لفريدي ميركوري هو فاروق بولسارا. وفي حين أن رامي مالك ولد لأبوين من صعيد مصر، ولد فاروق بولسارا لأبوين فارسيين هنديين.

رحلة عدم الشعور بالأمان والألفة في مجتمعات غربية لا زالت تنظر للمهاجرين بعين الريبة، مر بها الرجلان إذًا. مالك الذي لا زال يحاول إيجاد طريقه ملائمة لتعريف نفسه كأمريكي ومصري في نفس الوقت، وميركوري الذي حاول قدر الإمكان الابتعاد عن أصوله ليجد مزيدًا من الحب والتقبل لموهبته التي ضمنت له مكانة لا ينازعه أحد فيها حتى اليوم.

اقتراب مالك من ميركوري إذًا، وتجسيده المتقن له في فيلم «Bohemian Rhapsody» جاء روحًا قبل أن يكون شكلًا، وبرز بشكل أساسي في الأداء الحركي ونظرات العيون، وهذا هو الأساس كما نعلم في أي تجسيد متقن.

اليوم يظهر مالك على أغلفة المجلات وقوائم الترشيحات بين أفضل ممثلي العالم، نجح فيلمه الأخير في احتلال المركز الثامن في قائمة أعلى 10 أفلام إيرادات في عام 2018، وهو فيلم السيرة الذاتية الوحيد وسط قائمة مكتملة من أفلام الأبطال الخياليين. هذا النجاح الجماهيري الكبير رافقه نجاح نقدي أيضًا، فقد نجح مالك في اقتناص جائزة الجولدن جلوب في فئة أفضل ممثل درامي، وذلك في الحفل الذي تمت إقامته في السابع من يناير مطلع عام 2019.

قد يكون رامي مالك إذًا أحد أبرز المرشحين لجائزة الأوسكار في فئة أفضل ممثل هذا العام، قد يأتي الترشيح الرسمي وقد لا يأتي، قد يأتي التتويج في النهاية وقد لا يأتي أيضًا، لكن الأكيد أن هذا الشاب باسمه العربي وملامحه المصرية، وذكرياته التي يفتخر بذكرها مع أغاني أم كلثوم وأفلام عمر الشريف، سيكون أحد أبرز حضور الحفل، في الصفوف الأمامية، بقيمته الفنية والتمثيلية، بعد أن ظل هو ومن يشبهونه خارج قاعات الاحتفالات لسنين طويلة، لا لشيء إلا لأصولهم وملامحهم المختلفة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد