ستدور المعارك في عقر داركم:

التهديد الذي يشكله المقاتلون الأجانب العائدون من سوريا والعراق

تقرير قدمته مؤسسة راند أمام لجنة الأمن القومي بمجلس الشيوخ الأمريكي في مارس 2015

يدور التقرير حول محورين أساسيين:

  1. ما هو التهديد الذي يشكله المقاتلون الغربيون الذين انضموا للجبهات الجهادية في سوريا والعراق؟
  2. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تعزز قدرتها على إيقاف عودة المقاتلين الأجانب الذين يحملون جوازات سفر أوروبية وغيرها والتي يشملها حاليًا برنامج الإعفاء من التأشيرة VWP؟

يرى كاتب التقرير، بريان مايكل جنكينز، أن الحرب الأهلية في سوريا وقمع الأسد الوحشي، وانتشار الفكر الجهادي، والصراعات الطائفية المتزايدة في سوريا والعراق، والانتصارات العسكرية للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وفي المقام الأول، إعلان داعش إعادة إحياء الخلافة، قد استقطب المحاربين الجهاديين في جميع أنحاء العالم.

ووفقًا لأحدث التقديرات الاستخباراتية المعلنة، فقد سافر عشرون ألفًا من المقاتلين الأجانب من دول أخرى للانضمام إلى القتال الدائر في سوريا والعراق، يعتقد أن معظمهم قد انضم إلى داعش. معظم المتطوعين من دول عربية، ولكن ما يقدر بنحو 3400 شخص قد أتوا من أوروبا ودول غربية أخرى، وبالتالي فهم مؤهلون من الناحية النظرية لدخول الولايات المتحدة بدون تأشيرة.

ويقول الكاتب أن الهدف من حملة التحالف كان، أولًا، السيطرة على داعش عن طريق دعم الشركاء على الأرض، مثل البيشمركة الكردية، الذين يحاولون استعادة أراضٍ قد استولت عليها داعش. ثانيًا، منع داعش من التحرك بحرية في سوريا والعراق. ثالثًا، تعطيل وتقليل القيادة والسيطرة لداعش. رابعًا، الحد من قدراتها اللوجستية. و خامسًا، استهداف القادة الرئيسيين حيثما أمكن.

ويرى الكاتب أن الحملة قد نجحت في التأثير سلبًا على القدرات التشغيلية لداعش، ولكن لا يبدو أنها قد خفضت من تدفق المقاتلين الغربيين إلى سوريا والعراق: فالأرقام الواردة في التقارير تشير إلى زيادة الأعداد منذ بدء حملة القصف في سبتمبر 2014.

  • داعش تجتذب مؤيدي العنف

تدير داعش برامج تجنيد متطورة، تتضمن الترويج لانتصاراتها وجرائمها إعلاميًا على نطاق واسع، خاصة على شبكة الإنترنت باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي. فهي تناشد العاطفة الدينية للمجندين المحتملين، على الرغم من أن المتطوعين قد لا يمتلكون معرفة عميقة عن الإسلام. الفقر والقمع قد يشكلان تفسيرًا لتبني الناس في بعض البلدان للعنف، لكنهما لا يفسران تدفق المتطوعين الغربيين.

مع مرور الوقت، يصعد الأعضاء الأكثر تشددًا إلى مراكز صنع القرار، فلا يمكن كبح جماح المتشددين بسهولة، حتى لو أراد القادة ذلك. قد يُتهم القادة الذين يدعون للاعتدال بأنهم خونة أو يتم تصفيتهم أو قد ينفصل عنهم المتشددون لتشكيل مجموعاتهم الخاصة. هذا لا يعني أن لدينا أي دليل على الإطلاق على محاولة قيادة داعش تشجيع الاعتدال. ومع ذلك، قد يكون هناك بعض التوتر بين أولئك الذين يريدون بناء دولة وأولئك الذين يصرون على هدمها بوحشيتهم المتزايدة.

وهناك تقارير تفيد بأن الجماعة تجبر المجندين على ارتكاب الفظائع لضمان ولائهم وتقليل احتمالات قدرتهم على العودة لديارهم، فلا يكون لديهم اختيار سوى مواصلة الحرب أو الموت.

 

هل الوحشية هي خيار داعش الإستراتيجي أم أنه الجنون الجماعي؟

يقول جنكينز: “إن العالم الخارجي لا يتفهم تصاعد القتل والتدمير الذي تسببه داعش، ويطلب تفسيرًا منطقيًا، فنخترع نحن الحسابات الإستراتيجية (أو الحسابات الخاطئة) لجعل هذا الدمار يبدو منطقيًا. يفترض المحللون أن قادة داعش يقصدون استثارة الغضب لاستدراج القوات البرية الأجنبية، حيث تؤدي الخسائر البشرية إلى إضعاف عزيمتها وفرض حد زمني للإنجاز العسكري الأجنبي، أو تؤدي إلى انقسام التحالف”.

ويرى أن استمرار الحرب يغير توقعات الطرفين، فيصبح العنف أمرًا واقعًا، وتصبح المذابح شيئًا روتينيًا، مما يؤثر على الحالة العقلية الفردية والجماعية. إن تجمع المتعصبين للعنف يمكن أن يؤدي إلى الجنون الجماعي، حيث تصبح القسوة السادية غاية في حد ذاتها، والتي لا تتطلب أي تفسير إستراتيجي.

إن استطلاعات الرأي، بالإضافة إلى استمرار تدفق المجندين من أوروبا تشير إلى أن العنف المبرر دينيًا يجد صدى لدى بعضهم. وهكذا، تجتذب داعش أتباعًا أكثر تطرفًا، وتشكل بذلك مجموعة من البشر لا يمكن تهدئتها بسهولة أو إعادة دمجها في الحياة الطبيعية.

 

 

لم تقرر داعش بعد مهاجمة أعدائها في أراضيهم، لكن حصارها قد يؤدي إلى تغيير إستراتيجيتها

تحت ضغط العمليات البرية التي تدعمها القوة الجوية الخارجية، ربما تلجأ داعش لتغيير إستراتيجيتها وتنفيذ هجمات في الخارج في محاولة لكسر الإرادة السياسية للتحالف. وإذا ما قررت داعش شن هجمات في الخارج، سوف تكون قادرة على الاستفادة من مواردها المالية الكبيرة ومن مؤيديها من المتطوعين الغربيين. ويحذر كاتب التقرير من أن تدمير داعش قد يؤدي إلى تفككها إلى مجموعة من الجماعات الصغيرة الهوجاء، العازمة على الانتقام.

إذا تمت هزيمة “الدولة الإسلامية”، أين سيذهب المقاتلون الأجانب؟ لقد تجمع المتطوعون الأجانب الذين ذهبوا إلى أفغانستان لمحاربة القوات السوفيتية في الثمانينات تحت راية تنظيم القاعدة،  تجنبًا للاستقبال العدائي الذي كان بانتظارهم حال عودتهم إلى ديارهم. سيهاجر بعض مقاتلي داعش إلى جبهات أخرى في أفغانستان، والقوقاز، والتي أتى منها عدد كبير من مقاتليها الأجانب، بمن فيهم عدد من قادتها، أو إلى ليبيا، حيث وجدت داعش حلفاء جددًا. بينما سيرغب بعض المتطوعين الغربيين في العودة للوطن بعد اصطدامهم بالواقع، سوف يوجّه البعض الآخر غضبهم تجاه الغرب.

تختلف الدول الأوروبية في كيفية التعامل مع المقاتلين العائدين. بدلا من السجن، تفضل بعض الدول تقديم التأهيل وإعادة الإدماج في المجتمع، على الأقل لبعض العائدين. ومن الواضح أن هناك بعض المزايا في فتح طريق العودة لهم حال استعدادهم للتعاون مع السلطات.

ويعتقد الكاتب أنه من الأسلم افتراض أن المقاتلين الأجانب الساعين لدخول الولايات المتحدة لديهم نوايا سيئة.

  • التجربة الأمريكية

على الرغم من أن الأرقام لا تزال تتزايد، إلا أن عدد الأفراد الذين يذهبون إلى الجبهات الجهادية من الولايات المتحدة أقل كثيرًا من عدد الأوروبيين. تشير معظم التقديرات الأخيرة إلى أن مجموع المتطوعين الأميركيين لا يزيد عن 150 شخصًا، بما في ذلك أولئك الذين ذهبوا لأسباب تتعلق بالنزاع في سوريا ولكن ليس للانضمام للجبهات الجهادية، والذين حاولوا الذهاب وألقي القبض عليهم في الطريق، وأولئك الذين ذهبوا وقتلوا في القتال مع داعش أو الجماعات الجهادية الأخرى.

إن التجربة التاريخية للأمريكيين المنضمين للجبهات الجهادية (في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن) توضح أن حوالي ثلث الأمريكيين الذين حاولوا الانضمام لتلك الجبهات في الفترة من الحادي عشر من سبتمبر حتى نهاية 2014، تم توقيفهم في الطريق، كما قُتل بعضهم وتم إلقاء القبض على البعض الآخر في الخارج. أما ال35 الذين عادوا فقد ثبت تورط 9 منهم في مخططات إرهابية لاحقًا.

يشكل المقاتلون الأمريكيون العائدون تهديدًا إضافيًا، لكن بالنظر إلى أعدادهم القليلة يعتقد الكاتب أن هذا التهديد يمكن احتواؤه في إطار القوانين والموارد المتاحة، كما يعتبر الكاتب أن برنامج الإعفاء من تأشيرة الدخول VWP وعودة المقاتلين الأمريكيين هما مشكلتان منفصلتان، ولكن يجب التعامل معهما وفقًا لإستراتيجية شاملة.

  • خطوط دفاع الولايات المتحدة

ويذكر جنكينز أن هناك العديد من خطوط الدفاع، تمكن السلطات الأمريكية من التعرف على المقاتلين الأجانب وتوقيفهم قبل القيام بأعمال إرهابية في الولايات المتحدة، منها:

1. خط الدفاع الأول ويتكون من الجهود الدولية للحد من عدد المتطوعين المسافرين إلى الجبهات الجهادية. بينما تعتمد هذه الجهود كليًا على إجراءات أجنبية، إلا أن الولايات المتحدة يمكنها تشجيعها ودعمها.

2. يمكن للولايات المتحدة دعم جهودٍ دولية أوسع لاعتراض المقاتلين العائدين، في المقام الأول من قبل تركيا والاتحاد الأوروبي، خصوصا بلدانًا مثل بلغاريا واليونان، والتي قد يحاول المقاتلون عبور حدودها البرية.

3. يمكن للمصادر الاستخباراتية تحديد الجماعات الضالعة في التخطيط لهجمات إرهابية ضد الغرب وتعطيل أنشطتها بينما لا تزال في الخارج.

4. قواعد البيانات المستمدة من مصادر استخباراتية تعتبر الآلية الرئيسية حاليًا للتعرف على المقاتلين الأجانب العائدين. والسؤال هو كيف يمكن تحسينها عن طريق الترتيبات مع شركاء الولايات المتحدة في الخارج في بلدان برنامج الإعفاء من التأشيرة. وقد اقترح وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي خطة على مستوى أوروبا من شأنها أن تطالب الركاب تقديم معلومات إضافية تكون متاحة للتحقيقات التي تتعلق بالإرهاب ولكن هذا المقترح واجه معارضة قوية من المدافعين عن الحريات المدنية.

5. النظام الإلكتروني لترخيص السفر (ESTA) يتم العمل به الآن، وهو يعادل تقريبًا استمارة التقدم للحصول على تأشيرة، ويتم مراجعة بيانات الـESTA مع قاعدة بيانات الإرهاب لدى المركز القومي لمكافحة الإرهاب.

بالإضافة إلى كل ذلك، فيمكن للجهود الاستخباراتية الأمريكية أن تحبط الهجمات الإرهابية المحتملة، فقد استطاعت بالفعل اكتشاف بعض المخططات الإرهابية التي قام بوضعها بعض الأجانب الوافدين إلى الولايات المتحدة.

إن عملية الحصول على التأشيرة تتطلب العديد من المستندات من المتقدم، كما تتطلب تحقيقات موسعة من قبل السلطات الأمريكية، وتشمل مقابلة شخصية مع مسئول قنصلي. ويرى جنكينز أن التخلي عن برنامج الإعفاء من التأشيرة VWP سيتطلب أكثر من ضعف حجم العمل الحالي. إن برنامج الإعفاء من التأشيرة ليس مثاليًا، ولكن أيضا لن تكون الإجراءات بدون برنامج VWP مثالية. ينبغي أن يكون الهدف رفع مستوى الأمن عما كان قبل البدء في تطبيق برنامج VWP.

ويختتم الكاتب تقريره قائلا: “سوف تستمر الصراعات في سوريا والعراق في المستقبل المنظور، وسوف نضطر إلى التعامل مع نتائج هذا الوضع لسنوات عديدة. لذلك، علينا تطوير وسائل فعالة لمنع انتشار الإرهاب”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد