«إن كنت لا تدري ما الذي يدور بهذا البلد، دعنا نخبرك، هذا البلد مليء بالفساد الذي لا يُحقق فيه، هذا البلد ساعة رئيس وزرائه مصنوعة من دماء الشعب، هذا البلد يُكتب دستوره من أجل أن يسحق العسكر فيه كل شيء، هذا البلد بلدي، هذا البلد بلدي». *مقطع من أغنية «ماذا حصل لبلدي» لفريق «راب ضد الديكتاتورية» في تايلاند.

في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1976 لم يكن يدور بخلد أكثر من 4 آلاف طالب يساري احتلوا ساحات جامعة «تاماسات»، في العاصمة التايلندية بانكوك احتجاجًا على عودة الديكتاتور ثانوم كيتيكاتشورن من سنغافورة، أنهم محاصرون من حولهم بآلاف الجنود المسلحين بالبنادق والقنابل اليدوية والمحيطين بأسوار الجامعة منذ الفجر، وأن البلاد على وشك رؤية حدوث واحدة من أسوأ المجازر في تاريخها، مجزرة «جامعة تاماسات».

كان الطلاب ينشدون التظاهر السلميّ رفضًا لعودة ثانوم رئيس الوزراء السابق والذي شغل منصب وزير الدفاع في الخمسينات، ثم رئيسًا للوزراء من عام 1963 حتى عام 1973؛ وغادر بعد تظاهرات عريضة اجتاحت البلاد إلى سنغافورة، ثم عاد مرة أخرى وعادت معه التظاهرات؛ لكنها قوبلت هذه المرة بحشود من قوات الشرطة والجيش التي اقتحمت الجامعة – بصحبة مجموعة من اليمينيين المتطرفين – وقتلت وفق الأرقام الرسمية 46 متظاهرًا وأصابت 167 شخصًا، لكن هذا الرقم محل خلاف كبير إذ تقول المعارضة: «إن عدد القتلى فاق 100 قتيل».

جانب من الحشود التابعة للجيش وهم يشاهدون إعدام طالب من المتظاهرين في باحة الجامعة_مصدر الصورة(vintage).

منذ ذلك الحين ظلت البلاد في حالة من الانقلابات العسكرية المتوالية، التي لبست أحيانًا ثوب الديموقراطية من خلال إجراء انتخابات صورية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013 شهدت البلاد تظاهرات احتجاجية ضد الحكومة الانتقالية بقيادة رئيسة الوزراء ينغلاك شناوترا.

انقلاب بعد تظاهرات.. الجيش يصعد سُلّم السلطة

في البداية أعلن الجيش وقوفه على الحياد بين المتظاهرين والحكومة، لكن هذا الموقف لم يدم طويلًا؛ إذ أسالت السلطة لُعاب قادة الجيش، فأعلن برايت تشان أتشوا، قائد الجيش التايلاندي، عزل الحكومة التي كانت تقودها يينغولاك شيناوترا شقيقة رئيس الوزراء السابق تاسكين شناوترا الذي كان الجيش قد انقلب عليه أيضًا عام 2006، في 2014 قام أتشوا بانقلاب عسكري، عيّن نفسه بمقتضاه رئيسًا للمجلس العسكري الحاكم للبلاد. أعلن أوتشوا حظرًا للتجوال وقام بتعيين العديد من الضباط والمقربين في مناصب سيادية، وكان مخط له البقاء في الحكم لفترة طويلة، لكن «أغنية راب واحدة» كُتب لها أن تُغير كل شيء في مصير البلاد.

«هذا البلد الذي فيه بندقية مصوبة إلى حنجرتك، هذا البلد الذي يأكل فيه السمك الكبير السمك الصغير، هذا البلد الذي لا أحد في سلطته مذنب؛ لأنه لا حساب فيه لأحد، هذا البلد بلدي».

في يوم 22 أكتوبر من العام الماضي نشرت فرقة راب تايلاندية تُدعى «راب ضد الديكتاتورية»، أغنية بعنوان: «ماذا حصل لبلدي what my country has got»، الأغنية تتحدث بوضوح عن حال البلاد تحت سلطة المجلس العسكري بعد الانقلاب الذي قام به أتشوا عام 2014.

بمجموعة مكونة من 10 شباب كاشفين لوجوههم في تحد كبير لسلطات الحكم العسكري، وعلى خلاف ما جرت عليه العادة في مثل هذه الأغاني؛ إذ يظهر المغنون عادة وهم ملثمون، ظهر المغنون في الفيديو باللون الأبيض والأسود فقط، دليل على السودواية والشمولية التي حلّت بالبلاد تحت حكم المجلس العسكريّ، وفي الخلفية منهم تظهر جماعة من الناس تهتف لشيءٍ ما لم تظهر حتى الآن ماهيته.

«البلد الذي تحول قلب عاصمته إلى ساحة مليئة بدماء المعارضين، البلد الذي يأكل حاكموه أموال الضرائب كما يأكلون الحلوى، البلد الذي تحول برلمانه لساحة لعب للعسكر، البلد الذي يعتبر الفنانين متمردين، هذا البلد بلدي».

يتناوب الشباب العشرة على الظهور في الفيديو كلٌ واحد منهم يلقي بمقطع من كلماتها، اللون الأسود والأبيض يطغى على مشاهد الأغنية ويضفي إحساسًا بالإحباط والغضب، ترجمته وجوه الشباب وهم يلقون كلماتهم التي يسردون فيها ما حلّ بالبلاد، من فساد وسوء إدارة، ويهاجمون فيه المحسوبية التي طغت على السلطة في البلاد وغياب الرقابة والعدل، تحكي الأغنية مشاهد من حياة التايلنديين بشكل خاص ومن الحياة في أي ديكتاتورية عسكرية بشكل عام.

«البلد الذي به الحكومة لا يُمكن أن تُمس، البلد الذي يستخدم فيه البوليس القانون لإرهاب الناس، البلد الذي لا يقرأ فيه الكثير من الناس، وخاصة الحاكم، البلد الذي يأمرك أن تظل صامتًا أو تظل في السجن، هذا هو بلدي»

كلمات تتدفق من ألسنة الشباب، تبدأ الكاميرا في الاتساع لتظهر صورة تعيد للأذهان ما حدث عام 1976 في مذبحة «تاماسات»؛ إذ يبدو أن الحشود التي كانت في الخلفية تشير بأيديها تأييدًا لشخص ما يمسك بمقعدٍ ويضرب به جثة طالب تم إعدامه، في إعادة تمثيل لما حدث بالفعل من قِبل الجموع المؤيدة للديكتاتور ثانوم عام 1976. قامت السلطات بحظر نشر أي مواد تتحدث عن هذه المذبحة، وقامت أيضًا بمنع تدريسها في المدارس، إلى أن جاءت الأغنية متحدية لهذ الحظر وذكّرت الناس بما وقع حينها من جريمة وصفتها جريدة «التايمز» بأسوأ يوم في ذاكرة تايلاند الحاضرة.

انتهت الأغنية على هذا المشهد، لكن صداها لم ينته بعد ذلك، لتحقق 20 مليون مشاهدة على موقع «يوتيوب» في أقل من أسبوع من إطلاقها، وهو ما جعل السلطات تتنبه لها وتهدد مغنيها بالاعتقال والحبس بتهمة تشويه صورة البلد. لكن هذه الخطوة التي أتت مع عجز السلطات عن التحكم في موقع «يوتيوب» وإزالة الأغنية؛ جاءت برد فعل عكسيّ فزادت من شعبية الأغنية بنسبة كبيرة وحققت حتى الآن 60 مليون مشاهدة في خمسة أشهر فقط.

في محاولة من الحكومة العسكرية لمواجهة الأغنية؛ قامت بنشر أغنية راب تابعة لها، لكنها لاقت ردود فعل سلبية وحازت على الآلاف من ضغطات عدم الإعجاب على «يوتيوب». مما دفع السلطات للتراجع، في خطوة مفاجئة، نتيجة عجزها عن منع صدى كلمات الأغنية من التردد عبر فضاء الإنترنت الواسع، واعتبرتها جزءًا من حرية التعبير التي تتيحها، وفي خطوة أخرى قامت بإجراء أول انتخابات ديمقراطية بعد الانقلاب العسكري، في شهر فبراير (شباط) من عام 2019.

قبل إجراء الانتخابات هذا العام كان المجلس العسكري قد أصدر حزمة من التعديلات الدستورية في 2016 تسمح له بتعيين الـ250 عضوًا في مجلس الشيوخ، وبالتالي تعزيز سيطرته على المجلس بصفة تامة، والتنافس مع بقية الأحزاب على مقاعد مجلس النواب التي تبلغ 500 مقعد.

أسفرت نتيجة الانتخابات عن فوز الحزب الحاكم المقرب من المجلس العسكري بأصوات 7.3 مليون ناخب تايلاندي، في حين فاز حزب بويا تاي (من أجل تايلند) التابع لرئيس الوزراء السابق تاسكين شيناوترا بما يقرب من 8.6 مليون صوت؛ ما يعني أن الفارق بينهما طفيف للغاية، لكن هناك حزبًا «فيووتشر فوررورد» الشاب، والذي حصل على 5 ملايين صوت، وبإمكانه إمالة الكفة، إما إلى الحزب الحاكم، أو إلى حزب بويا تاي إن قرر تشكيل تحالف مع أي منهما، وهو ما لم يقرره الحزب بعد.

في جميع الأحوال يمكن القول إن هذه أول انتخابات ديموقراطية تعددية يتم إجراؤها في البلاد منذ سنين طويلة، بالرغم من حالة الانقسام الحاد في الشارع بين المائلين لكفة الجيش بدعوى الأمن والاستقرار والمائلين للحزب المعارض وبين هذا وذاك فئة الشباب التي سئمت من النظام القديم ومن سلطة الجيش وصوتت لحزب «فيوتشر فوورود».

أعادت الأغنية للأذهان، قوة القافية التي تجعل بعض الحكومات تخشى من أغنية راب أكثر من خشيتها حشودًا من المتظاهرين، وهو ما يحدوها أن تتخذ موقفًا معاديًا لها أو تستخدم الراب في الدعوة لإنجازاتها.

«أغنية راب لنا ترشدك.. أغنية راب ضدنا تسجنك»

«مدينة أفازا مدينة جميلة، بحر قزوين يطربك بصوت أمواجه، نحو مستقبل أكثر إشراقًا، هيا هيا يا تركمانستان الحبيبة».

في حقيقة الأمر ليست هذه الكلمات من إحدى مقاطع الدعاية السياحية المصورة لدولة تركمانستان – الجمهورية السوفيتية السابقة – والواقعة بآسيا الوسطى، في موقع شديد الحساسية والزخم السياسي؛ إذ تحدها أفغانستان وإيران وكازاخستان، كما لم ترد هذه الكلمات في إحدى كتب الدراسة الخاصة بالأطفال في المدارس؛ لكنها مقطع من أغنية راب قام بأدائها رئيس الدولة قربانقلي بردي محمدوف بنفسه ومعه حفيده ونُشرت على قناة تركماستان على موقع «يوتيوب».

الرئيس الذي يحكم البلاد منذ 11 عامًا بسلطة الفرد الواحد؛ قام في عام 2016 بإجراء تعديلات دستورية – وافق البرلمان عليها بالإجماع – شملت تمديد مدة الرئاسة من خمس حتى سبع سنوات، والسماح للرئيس الحالي بالبقاء في الحكم مدى الحياة من خلال عدم وضع حد أقصى لسن الرئيس.

لم تكن هذه التعديلات وحدها التي وضعت محمدوف في قفص الاتهام بالحكم الشمولي؛ بل عُرفت البلاد التي تمر بظروف اقتصادية صعبة رغم ثرائها بالموارد الطبيعية وبالتحديد الغاز الطبيعيّ، بالعديد من القوانين الغريبة مثل قانون منع سفر المواطنين تحت 30 عامًا خارج البلاد، وتحديدًا إلى تركيا والإمارات، وكذلك صدر قانونٌ يحظر استيراد أي سيارة خلاف السيارات ذات اللون الأبيض نظرًا لأنه اللون المفضّل للرئيس.
أدرك محمدوف مدى تأثير الراب وقوة القافية، وكيف ساهم «يوتيوب» في هذا الأمر فقام بتصوير الأغنية وأمر بنشرها على قناة البلاد عبر الموقع، في محاولة منه للتأثير على جيل الشباب والمراهقين.

«إن كان من المستحيل إيقافها، إذًا ينبغي علينا نحن أن نقودها، ونوجهها في الاتجاه الصحيح». *الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثًا عن أغاني الراب

لم تكن خطوة ديكتاتور تركمانستان الأولى من نوعها ففي عام 2015 قامت الآلة الإعلامية لـ«الحزب الشيوعي» الحاكم في الصين، ببث أغنية راب للمواطنين لعرض إنجازات الحكومة والحض على مكافحة الفساد، والإشادة بأسرع كومبيوتر في العالم تتم صناعته في الصين؛ إضافة إلى الوصول للفضاء والتقدم العلمي في مجال الطب وتلخيص كل هذه الإنجازات في عبارة «معجزة الصين».

الأغنية السياسية السورية الساخرة.. رحلة محفوفة بالضحكات والدمع 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد