تصر الكثير من المجتمعات العربية على اعتبار تزويج الفتاة التي تعرضت للاغتصاب من المغتصب حلًا أوحد لإنهاء القضية أو «العار» حسب وجهة نظرها، ويتوافق مع هذه العقلية الكثير من قوانين الاغتصاب في الوطن العربي التي نصت حرفيًا على إعفاء المغتصب من العقاب في حال تزوج الضحية.

بالنسبة للعديد من المراقبين، فهذا الحال الذي يسلب في البداية المغتصبة حقوقها القانونية في التعويض المادي والمعنوي، يضعها فيما بعد وبمباركة المجتمع والقانون في مكان واحد مع من ارتكب بحقها جريمة بشعة، وفي الغالب هو يصر على اهانتها والنيل منها لأنه مجبر علي هذا الزواج.

ومع استفحال جرائم الاغتصاب في العالم العربي، زادت مطالبات بتفعيل القوانين التي يراها البعض غير كافية، لكن الأهم هو المطالبة بإلغاء أي نص يمنح المغتصب الإفلات من السجن في حالة الزواج بضحيته، وفيما يلي استعراض لأبزر الدول العربية التي تمكنت من إلغاء هذه النصوص، والتي آخرها كان الأردن.

الأردن

«أعطاني حبة مخدر على أنها ريفانين للتخفيف من صداعِ رأسي الشديد، وعندما استيقظت وجدت نفسي في منزله وعلى فراشه وهو بجانبي»، هكذا لخصت فتاة أردنية تعرضت للاغتصاب من قبل رب عملها الخمسيني مأساتها.

أجبرها حملها من الرجل على تقديم شكوى للمحكمة انتهت بزواجها من مغتصبها مقابل وقف تنفيذ العقوبة التي تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤقتة من سبع سنوات إلى الإعدام، حسب القانون الأردني، ثم بعد ثلاث شهور فقط من «عيشة الخدم والذل والإهانة والمعاملة السيئة فلا مشاعر زوجية ولا احترام» كما وصفتها، اختارت الفتاة الطلاق مقابل تسجيل نسب طفلها فقط.

الأردن الذي سجل في عام 2016 أكثر من 160 قضية اغتصاب، بحسب سجلات نيابة محكمة الجنايات الكبرى، شهد مطالبات على مدى عقدين تطالب بإلغاء المادة 308 من قانون العقوبات الأردني، التي تنص على «وقف ملاحقة المغتصب أو تنفيذ عقوبة بحقه تتراوح بين السجن بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة سبع سنوات والإعدام، بمجرد إبرام عقد زواج صحيح مع ضحيته».

ليسجل أول أمس كتاريخ انتصار لهذه المطالب، حيث وافق مجلس النواب الأردني على إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (بترا) عن رئيس الوزراء هاني الملقي قوله خلال الجلسة إن: «الحكومة ملتزمة بموقفها من إلغاء المادة 308 لتعزيز حماية الأسرة الأردنية، كما أضافت الوكالة في تقريرها: «بشطب المادة 308 ينضم الأردن إلى قائمة دول أجنبية وعدد قليل من الدول العربية ألغت من تشريعاتها نصوصًا تعفي الجاني من العقاب في حال تزوج من المجني عليها».

تونس

في بلد توصف بأنها رائدة في مجال حقوق المرأة، أذن قاضي الأسرة بمحكمة الكاف في ديسمبر (كانون الأول) العام 2016 بتزويج فتاة قاصر تبلغ من العمر 13 عام من مغتصبها ذي الـ20 عامًا، ليلقي هذا القرار احتجاجات عارمة من المجتمع التونسي، تطالب بإلغاء الحكم والقانون الذي يجيز إيقاف العقوبات ضد المغتصبين إن قبلوا بالزواج من ضحاياهم.

احتجاجات سابقة ضد قانون الاغتصاب ( الجزيرة نت)

ولم تقتنع الحركة النسوية والمنظمات الحقوقية والمدنية بمبررات القاضي بأن العلاقة الجنسية تمت برضا الفتاة القاصر، وبأن والديْ الفتاة تقدما بطلب للإذن بتزويجها من الشاب لحملها منه سفاحًا، واستند القاضي إلى الفصل 227 مكرر من القانون الجزائي التونسي والذي يعود إلى عام 1958، وينص على «إيقاف المتابعات القضائية بحق المغتصب إذا قبلت عائلة القاصر تزويج ابنتها منه، بينما يسلط عقوبة بالسجن عليه في حال رفضها»، ويسلط الفصل 227 مكرر «عقوبة بالسجن لمدة ستة أعوام في حالة مواقعة فتاة برضاها، وتتراوح سنها بين 13 و15 عامًا، أما إذا كان سن المجني عليها فوق الـ15 عامًا ودون الـ20 سنة كاملة، فالعقاب يكون بالسجن مدة خمسة أعوام. والمحاولة موجبة للعقاب». وفي كلتا الحالتين يوقف الفصل العقوبات إذا قبل الطرفان بالزواج.

وتسببت هذه الحادثة بتكثيف المطالبات بإنزال أشد العقــــوبات بمـــــنــفــذي جريمة الاغتصاب وإلغاء كل المواد القانونية التي توفر لهم فرص الإفلات من العقاب، وبالفعل ألغي القرار القضائي وتم إبطال الزواج في حادثة الفتاة السابقة، على الرغم من رغبة ذوي الفتاة في إتمام إجراءات الزواج.

لتشهد نهاية يوليو (تموز) الماضي مصادقة مجلس نواب الشعب التونسي على إلغاء أحكام الفصل 227 مكرر من القانون الجزائي التونسي، والذي يقضي بإيقاف التبعات ضد المغتصب الذي يتزوج ضحيته.

لبنان

ارتدت مجموعة من الفتيات اللبنانيات ثوب زفاف أبيض ملطخ بالدماء، وتجولن في الشوارع، كان ذلك الأسلوب الذي اخترنهن للاحتجاج على قانون يتيح إعفاء المغتصب من العقاب في حال تزوج الضحية.


من حملة «الأبيض ما بيغطي الاغتصاب» (الفيسبوك)

إذ تعمدت مؤسسة «أبعاد – مركز الموارد للمساواة بين الجنسين» إطلاق حملتها السابقة تحت شعار «الأبيض ما بيغطي الاغتصاب» متزامنة مع انعقاد لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب اللبناني، للنظر في اقتراح مقدم لإلغاء المادة 522 في قانون العقوبات اللبناني، والتي تسمح للمغتصب بزواج ضحيته للإفلات من العقاب.

وتنص المادة السابقة التي تثير غضب الحركة النسوية في لبنان وغيرها على أنه: «إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل (الاغتصاب – اغتصاب القاصر – فض بكارة مع الوعد بالزواج – الحض على الفجور – التحرش بطفلة – الاعتداء الجنسي على شخص ذي نقص جسدي أو نفسي)، وبين المعتدى عليها، أوقفت الملاحقة، وإذا كان صدر الحكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه».

وبالفعل سجل السابع من ديسمبر (كانون الأول) العام ٢٠١٦، كتاريخ ألغى فيه مجلس النواب اللبناني القانون السابق، وهنا عقبت رئيسة مؤسسة «أبعاد»، غيدا عناني بالقول: «إن القانون يحول السيدة الناجية من الاغتصاب إلى ضحية يومية تتقاسم حياتها مع الشخص الذي اعتدى عليها»، مضيفة لصحيفة «الحياة» اللندنية: «إجبار النساء على الزواج من المغتصب هو عمل قمعي، يكرس فعل الاغتصاب بحق النساء في شكل يومي، لذلك يجب على الأهل أن يكونوا على اقتناع بأن تزويج الضحية من المغتصِب ليس الحل، وليس سترة للنساء، إضافة إلى أن الاغتصاب جريمة، وعلى المجرم أن ينال العقاب».

المغرب

في مارس(آذار) عام 2012 ، انتهت مأساة الفتاة المغربية «أمينة الفيلالي» (16 عامًا) بإقدامها على الانتحار، بعد سبعة شهور من إرغامها على الزواج من مغتصبها «مصطفى الفلاق» الذي كان في الخامسة والعشرين من العمر آنذاك.

لم تكن الحياة الزوجية للفتاة إلا استمرار لجحيم ما بعد الاغتصاب، إذ عكف من تزوجت به على الاعتداء عليها جسديًا واهانتها، واستمر هذا الحال سبعة أشهر بعد الزواج، حتى وجدت خلاصها بالانتحار عن طريق تناول سم الفئران، هذا الانتحار أثار الرأي العام المغربي، الذي انتبه لحجم عواقب تزويج المغتصب من الضحية، وهو ما صعد المطالبات بتعديل المادة 475 في قانون العقوبات التي تعفي مغتصبي الفتيات القاصرات من الملاحقة القضائية إذا قبلوا بالزواج منه، وبالفعل وافق البرلمان المغربي بالإجماع على تعديل المادة، وفي يناير (كانون الثاني) العام 2014، ألغى بندا من المادة 475 من قانون العقوبات الذي كان يسمح بإفلات بعض الرجال من العقاب بعد اغتصابهم طفلة إذا قبلوا بالزواج منها.

لكن القضاء المغربي احتفظ بالفقرة الأولى من المادة التي تشير إلى أن من «اختطف أو غرر بقاصر تقل سنها عن 18 سنة من دون استعمال عنف، ولا تهديد، ولا تدليس، أو حاول ذلك يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم»، وهي الفقرة التي تطالب أيضًا المؤسسات الحقوقية النسوية بتشديد عقوبة السجن فيها.

المصادر

تحميل المزيد