5,391

اقتربت المعركة الحاسمة لاستعادة الرقة من «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، في الوقت الذي سقط فيه مئات المدنيين خلال نحو شهر من اتفاق «تخفيف التصعيد»، وضربت بعض الخلافات التحالف الدولي بين تركيا من ناحية، وأمريكا وألمانيا من ناحية أخرى.

المعركة الحاسمة لاستعادة الرقة «على الأبواب»

اقتربت المعركة الحاسمة لاستعادة محافظة الرقة من «تنظيم الدولة»، إثر التقدم الذي أحرزته – أمس السبت – عملية «غضب الفرات» المؤلفة من قوات سوريا الديموقراطية ذات الأغلبية الكردية، وقوات النخبة السورية المعارضة التابعة لتيار الغد السوري الذي أنشأه أحمد الجربا الرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وقوات خاصة أمريكية مدعومة بغارات التحالف الدولي، ويتمثل ذلك التقدم في السيطرة شبه الكاملة على قرية هنيدة وسد البعث وبلدة المنصورة، التي تعد واحدة من أكبر بلدات الريف الغربي للرقة.

وانسحب أغلبية عناصر التنظيم وعائلاتهم من تلك المناطق ووصلوا إلى مناطق أخرى في الرقة لا تزال تحت سيطرة التنظيم؛ مما جعل المرصد السوري لحقوق الإنسان يعتبر ذلك التقدم تمهيدًا لمعركة الحسم لاستعادة الرقة، لافتًا بأنها «باتت على الأبواب»، ليس ذلك فحسب، وإنما أكدت وحدات حماية الشعب الكردية على لسان المتحدث باسمها أن معركة استعادة الرقة «تبدأ خلال أيام».

وبلغة الأرقام، فإن هذا التقدم يتيح لعملية غضب الفرات توسيع نطاق سيطرتها لأكثر من 50 كيلو متر من الضفة الغربية لنهر الفرات، وباتت العملية على بعد نحو 2 كلم إلى شرق الرقة، و3 كلم إلى شمالها، و7 كلم إلى غربها، و10 كلم من الضفاف الجنوبية لنهر الفرات.

ولكن الطريق ليس مفروشًا بالورود، وإنما بالألغام والعبوات الناسفة التي وضعها التنظيم على مناطق التقدم، وتسعى قوات غضب الفرات لتمشيطها وإزالة الألغام منها وتتقدم بحذر فيها، كما أن هناك بعض عناصر التنظيم رفضوا الانسحاب من مناطق التقدم، وقرروا البقاء والقتال ضد غضب الفرات في مناطق التقدم حتى النهاية.

وبالإضافة إلى مقاومة عناصر التنظيم لعملية غضب الفرات، تزداد المخاوف على المدنيين الفارين من هول معركة الرقة «يوميًا» بحسب رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي قال – السبت – إن أعداد النازحين بلغت عشرات آلاف المواطنين الفارين.

وفي سياق متصل أوردت صحيفة «ذا دايلي بيست» إحصائية للأمم المتحدة كشفت أن التدخل العسكري للتحالف الدولي، تسبب منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في تشريد 200 ألف مدنيًا، بينهم 160 ألف نزحوا خلال الشهرين الماضيين فقط، ولفتت إلى أن لقاءات مع عائلات نازحة أفادت بتعرضهم لحوادث عنصرية على يد الوحدات الكردية المتحالفة مع أمريكا.

القتلى المدنيون ضعف قتلى «داعش» في شهر «تخفيف التصعيد»

في الوقت الذي تُقرع فيه طبول معركة الرقة، قُتل مئات المدنيين، في شهر مايو (أيار) الماضي، الذي شهد في الخامس منه بدء اتفاق المناطق الآمنة أو ما يسمى بـ «تخفيف التصعيد» والذي حدد أربع مناطق أساسية لتخفيف التصعيد فيها، تشمل كامل محافظات إدلب وحلب واللاذقية (شمالًا)، وأجزاء من محافظات حمص وحماة (في الوسط)، ودرعا والقنيطرة (جنوبًا)، ومنطقة الغوطة الشرقية بريف العاصمة السورية دمشق.

فخلال شهر مايو (أيار) المنصرم، قُتل نحو 980 مدني، بينهم 87 قُتلوا في مناطق «تخفيف التصعيد»، كما ضمت قائمة القتلى المدنيين 181 طفل، و138 امرأة بحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي أظهرت أرقامه أن عدد المدنيين المقتولين بلغ نحو ضعف عدد القتلى من تنظيمات لم يشملها الاتفاق، كـ«تنظيم الدولة»، و«جبهة فتح الشام»، أو النصرة سابقًا، قبل أن تعلن فك ارتباطها عن القاعدة؛ إذ بلغ عدد قتلاهم نحو 495 شخص.

وبلغت الحصيلة الإجمالية لقتلى شهر مايو (أيار) 2311 شخص، أكثريتهم من المدنيين، وتضمنت الحصيلة الإجمالية أيضًا، مقتل 473، معظمهم من فصائل إسلامية معارضة وقوات سوريا الديموقراطية، في مقابل 349 من قوات النظام والجماعات المسلحة الموالية له.

التحالف الدولي يتفوق على القصف الروسي في قتل المدنيين بمايو (أيار)

تفوق التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، على القصف الروسي في قتل المدنيين، خلال شهر مايو (أيار) الماضي، فبعد اتفاق «تخفيف التصعيد» تقلصت وتيرة الضربات الروسية في مناطق الاتفاق، واستمر القصف الروسي على المناطق الخاضعة لــ«تنظيم الدولة».

وبلغ عدد الضحايا المدنيين للقصف الروسي، للشهر العشرين له في سوريا، 27 شخص بينهم ثمانية أطفال وثلاث سيدات، وهي أقل حصيلة شهرية لروسيا منذ تدخلها في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) 2015، بحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي لفت إلى أن أعلى حصيلة للقتلى المدنيين جراء القصف الروسي كان في شهر سبتمبر (أيلول) 2016، بمقتل 592 مدني، بينهم 143 طفل، و58 سيدة.

وفي المقابل، شهد شهر مايو (أيار) نفسه أعلى حصيلة للضحايا المدنيين الذين قتلوا بقصف التحالف الدولي، منذ بدء تدخله في سوريا في 23 سبتمبر (أيلول) 2014، فخلال الشهر رقم 32 للتحالف الدولي في سوريا الممتد من 23 أبريل (نيسان) الماضي، وحتى 23 (مايو) يار الماضي، تسبب التحالف في مقتل 225 مدني، بينهم 44 طفلًا و36 امرأة، وبذلك فإن أعلى حصيلة للضحايا المدنيين لقصف التحالف الدولي، تقل عن نصف أعلى حصيلة للضحايا المدنيين للقصف الروسي.

الخلافات تضرب التحالف الدولي

مع اقتراب بدء معركة استعادة الرقة، ضربت بعض الخلافات عددًا من أهم دول التحالف: وهي أمريكا وتركيا وألمانيا، وارتبطت تلك الخلافات بالتدخل العسكري للتحالف في سوريا وتعتبر مؤثرة فيه.

فبين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا خلافات ما تلبس أن تهدأ حتى تتجدد مرة أخرى بشأن وحدات حماية الشعب الكردية، التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية، منبثقة عن حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابي، وتساعد على التمرد الكردي جنوبي تركيا، وتخشى تركيا من توجهات انفصالية لها لتكوين دولة كردية تضم أجزاء من سوريا وتركيا، واندلعت بالفعل اشتباكات مسلحة بين القوات التركية والمعارضة المدعومة منها، وبين الواحدات الكردية شمالي سوريا خلال عملية «درع الفرات».

فيما تعتبرها الولايات المتحدة صديقها المفضل في سوريا، وتعتمد عليها كثيرًا في حربها ضد «تنظيم الدولة» من خلال قوات سوريا الديموقراطية الكردية العربية والتي يسيطر عليها الوحدات الكردية، وتضع أولوية محاربة «تنظيم الدولة» على مواجهة نظام بشار الأسد، ويبدو أن الخلافات التركية الأمريكة بشأن الوحدات الكردية لم تتوقف عند عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وإنما امتدت أيضًا لعهد الرئيس الحالي دونالد ترامب.

وشددت تركيا مرارً وتكرارًا على أنها لن تقبل تحالفًا أمريكيًا كرديًا في سوريا، ولكن أمريكا مضت قدمًا في ذلك التعاون، ودعمت وسلّحت، في مايو (أيار) الماضي، قوات سوريا الديموقراطية ذات الأغلبية الكردية تحت دعوى محاربة «تنظيم الدولة» شمالي سوريا ، مما دفع تركيا، من خلال مجلس الأمن الأعلى، بالقول الخميس الماضي: إن «تركيا شددت سابقًا على أن تنفيذ الولايات المتحدة لسياسة دعم وحدات حماية الشعب الكردية تحت عباءة قوات سوريا الديمقراطية، متجاهلة توقعات تركيا، لا يليق بصديق أو حليف»، وتأتي تلك التصريحات بعد يوم واحد من مطالبة الخارجية التركية أمريكا بـ«العدول عن خطأها» فيما أعلنت أمريكا حفاظها على «مسئوليتها في تسليح الأكراد»

وفي الوقت ذاته، تصاعد الخلاف بين تركيا وألمانيا أيضًا العضوين في التحالف الدولي خلال الشهر الماضي، وهو خلاف اشتد عندما سمحت ألمانيا باللجوء السياسي لجنود أتراك تراهم تركيا مشاركين في محاولة الانقلاب الفاشلة في بلادها، والتي وقعت في منتصف يوليو (تموز) الماضي؛ مما دفع تركيا لرفض زيارة خبراء في شئون الدفاع بالبرلمان الألماني لقاعدة إنجرليك التركية التابعة للتحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة»؛ مما دفع ألمانيا إلى بحث إمكانية نقل جنودها من إنجرليك إلى الأردن، دون أخذ قرار نهائي بذلك.