انتقام أم ترويع؟ مزارعو الرقة يروون لـ«ساسة بوست» نكبة حرق مزارعهم

أدار رجل في السبعين من عمره عينيه؛ كي لا يرى النيران وهي تلتهم «حنطة» أرضه، التي رعاها منذ شهور في مدينة الرقة، بالكاد استطاع الوقوف على قدمه، وبالكاد قوي على مد يده كي تمسح الدموع التي غمرت تجاعيد وجهه، التي غارت فيها عيناه الصغيرتان. تثاقل الرجل على قدميه، ووقف منتصبًا؛ كي يطمئن الناس من حوله أنه لن يخاطر ليكف النيران عن أرضه الزراعية بجسده النحيل.

كان هذا مشهدًا تحكيه صورة فوتوغرافية التقطها أحد النشطاء لفلاح سوري، انضم إلى مجموع المزارعين والفلاحين، الذين التهمت النيران أراضيهم واحدًا تلو الآخر، حتى إن بعضهم دفع روحه ثمنًا لإخماد هذا الحريق.

فهناك في تلك المناطق السورية، لا يكاد يمر يوم دون وقوع حرائق تأكل الأخضر والناضج، بيد أن أكبرها يقع في المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي لسوريا، والتي تعد الخزان الاقتصادي لسوريا.

«ساسة بوست» تحدث لمزارعي مدينة الرقة الواقعة في الشرق السوري، فروى هؤلاء حكايتهم بالدمع والحزن الشديدين على ضياع محصول أو «خميرة العام كله»، كما يقولون.

«أرضي قدام عيوني تحترق»

يعشق الحاج الستيني، عواد الخضر، أرضه الزراعية البالغ مساحتها 400 دونم، تلك الأرض التي تقع في منطقة المنصورة على ضفاف نهر الفرات في محافظة الرقة، ففيها يضع هذا الفلاح السوري كل جهده هو وأبنائه؛ لأنهم لا يعرفون عملًا غير الزراعة.

فلاح سوري احترقت أرضه، المصدر (شبكات التواصل الاجتماعي)

كانت أمطار الشتاء الماضي مبشرة بموسم رزق وفير، فقد «كان المطر زين» كما يقول الحاج عواد بلهجة أهل الرقة، ترعرعت الحنطة (القمح) التي زرعها برغم إصابة قسم كبير من المحصول بالفطريات، يقول الحاج عواد: «حالي كحال كل الفلاحين في المنطقة، تحملنا الكثير من المشاق وحدنا من أجل التخلص من آفات الموسم الزراعي، لم تساعدنا أي جهة بالمبيدات أو رش المحاصيل، رغم الوعود الكثيرة التي سمعنا عنها».

مرت الأيام والحاج عواد ينتظر موعد الحصاد بفارغ الصبر، حلم في اليوم الذي يحصل فيه على ثمن الحنطة، ثم يقضي دينه الذي تراكم بفعل خسارة الموسم الماضي، ويسترد ما دفع من مال في هذا الموسم؛ فهو كما يقول: «كلفني طن البذور 280 ألف ليرة سوري (حوالي 475 دولارًا)، وطن السماد 200 ألف ليرة».

مضت الأمور للحد السابق عادية، حتى حل مصاب جلل على مزارعي الشرق السوري كافة، ومن بينها محافظة الرقة التي يعيش فيها الحاج عواد. توقع الرجل أن ينتهي الأمر سريعًا، وأن تتوقف تلك الحرائق خلال بضعة أيام، لكن «مصيبة كبيرة وقعت عليه» على حد تعبيره؛ حين لحقت أرضه ببقية الأراضي التي احترقت، فقد حرق 250 دونمًا من مساحة الحنطة التي زرعها في أقل من ساعة.

يقول الرجل لـ«ساسة بوست» والحزن يقطر من صوته :«أخ أخ.. الله لا يدوق هالمصيبة لحد، أرضي قدام عيوني تحترق، تعبي ورزقي قدام عيوني ينحرق وما أقدر أعمل شيء، والله تقول عندي عزا، فجأة كل شيء ضاع، الأرض غالية مثل الولد».

الحاج عواد وغيره من الفلاحين وأهل القرى اعتمدوا الطرق التقليدية في إخماد الحرائق، كاستخدام صهاريج المياه المُخصصة للري، بيد أن الرياح ودرجات الحرارة المرتفعة ساهمت في انتشار النيران لتبتلع آلاف الهكتارات.

الآن يستاء الحاج عواد لأبعد حد من تجاهل المسئولين في التعامل مع المزارعين الذين حرقت أراضيهم، ويقول: «يعرفون خسائر الناس ولا مسؤول يكلف نفسه يسأل الناس، ماذا تريدون؟». يدرك الحاج عواد أن المصاب واحد على كل فرد من أفراد عائلته، لكنه يزيد من «الحوقلة»، ثم يخبرنا أنهم سيزرعون مكان المحصول المحروق قطنًا، على أمل أن «يعوضنا الله الكريم في الموسم القادم».

تجربة الأكراد في الحكم.. لم تختلف كثيرًا عن «داعش» والنظام السوري

«رزق العام كله انحرق»

تركنا الحاج عواد الذى آمن أن الحياة لن تتوقف عند مصاب حرق أرضه، وانتقلنا للحديث مع المزراع مصطفى (56 عامًا) الذي يسكن في الرقة أيضًا، وقد ورث عمله في الزراعة عن أبيه، فهو كما يقول لنا: «مزارع أبًا عن جد، ونحن هنا في الريف نعيش على الزراعة، حتى المتعلم منا الذي يملك وظيفة لا يتخلى عن الزراعة».

 

يملك مصطفى أرضًا زراعية تقع في ريف عين عيسى بمحافظة الرقة، يقتات الرجل وعائلته من الزراعة وحدها، فهي مصدر رزقه «من يوم خلقه الله عز وجل» على حد تعبيره. بيد أنه في السنوات الأخيرة عانى وجميع المزارعين والفلاحين في الرقة من قلة الموارد اللازمة للزراعة؛ بسبب ظروف الصراع التي مرت بها المحافظة منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011.

يقول لـ«ساسة بوست»، إنهم في كثير من الأحيان كانوا لا يملكون ثمن البذور والأسمدة، ناهيك عن تضرر قنوات الري والمضخات، وتدمير معظمها خلال العمليات العسكرية، وزاد على ذلك ظهور الآفات الزراعية والحشرات، التي هددت محاصيلهم في المواسم السابقة، دون أن يتلقى الجميع دعمًا من المسؤولين لمكافحتها.

وقبل أن تصل النيران إلى حقل مصطفى؛ حزن الرجل كثيرًا لما أصاب مزارعي الرقة من جحيم كما يصفه، يقول لنا بلهجته العامية: «وقت كنا نشوف رزق غيرنا ينحرق، انحرقت قلوبنا مع حرق محصول غيرنا».

ثم جاء الدور على هذه الأرض التي سقيت بـ«عرق الجبين» على حد وصفه، فيقول لـ«ساسة بوست»: «أعلم أن أرضي ليست أول أرض تحرق، لكن حين وصلتها النيران شعرت شعورًا لا يمكن وصفه، لم يذهب مع المحصول مصروف يوم ولا مصروف شهر، هذه خميرة (رزق) سنة ضاعت من أيدينا».

يحاول مصطفى أن يتماسك أمام عائلته؛ فزوجته، كما يصف حالها، حزنها يضاهي فقدانها لأحد أبنائها، لكن «مو طالع بالإيد شي» كما يقول الرجل الذي لا يملك خيارًا إلا أن يستدين المزيد من المال كي يلبي حاجاته الأساسية حتى موعد حصاده العام القادم. يقول مصطفى: «لا أعرف إذا كان أحدهم سيساعدنا من أجل أن نعوض خسارتنا، أو كي نستطيع النهوض من جديد لزراعة أراضينا السنة القادمة».

ويعد الشمال الشرقي لسوريا، الرقة، الحكسة، ودير الزور، بمثابة الخزان الاقتصادي لسوريا، إذ كان إنتاجه يؤمّن 64% من حاجة سوريا من القمح المروي، و38% من القمح البعلي، و63% من القطن، و29% من العدس، بحسب «منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو)».

لماذا ينتقم الأكراد وداعش من فلاحي الرقة بإحراق زرعهم؟

يروى لنا الصحفي السوري نور الدين الرمضان، الذي كان كأبناء مدينته الرقة مستبشرًا بموسم مبارك لم يأت مثله منذ نحو 30 عامًا، حكاية سكان المدينة مع الزراعة، التي هي عصب الاقتصاد في المنطقة الشرقية السورية.

 

فيقول الرمضان إن دخل السكان من الزراعة هو الذي يحرك عجلة الحياة في المدينة؛ فأموال الفلاحين تُشغل المواصلات العامة، وسيارات نقل المنتجات والحمالين، والتجار، بل إنها تحيي موسم الزواج، وتمول دراسة أبناء الرقة، وغيرها الكثير.

ويبين الرمضان لـ«ساسة بوست» أن المزارعين بشكل عام في الجزيرة السورية، وفي الرقة بشكل خاص، يشترون حاجاتهم من الأسمدة والبذور وغيرها طيلة العام من تجار المواد الزراعية بالدين (الدفع المؤجل) منذ عشرات السنين، ويحدث ذلك بناء على العلاقة الوثيقة القديمة بين التجار والفلاحين، لذلك كان أول تبعيات الحرائق التي نالت من المزارعين تتعلق بأزمة سداد ديون الزراعة الماضية، ثم تأمين دخل للأمور المعيشية المقبلة.

تتجه الأدلة نحو تحميل الإدارة الذاتية المعلنة من قبل «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)»، مسؤولية الحرائق التي تنال من مناطق الزراعة في شرق سوريا. إذ أعلنت الإدارة عام 2016 ضم الرقة إلى نظامها الفيدرالي، بعد انتزاعها من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، الذي احتلها منذ 2016، وهو التنظيم الذي لم يغب عن دائرة الاتهام في ارتكاب تلك الحرائق، وإن كان بشكل أقل، فقد تبنى التنظيم المسؤولية عن إحراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في سوريا والعراق، مبررًا ذلك بأنها تتبع لمن يصفهم بـ«المرتدين».

لكن ما الذي يمكن سوقه للتدليل على صحة مسئولية «الإدارة الذاتية» عن الحرائق؟ يقول الرمضان إن الأمر لا يقتصر على ضعف أو تعمد تجاهل الإدارة الذاتية لاستغاثات إطفاء الحرائق، وذلك بتخصيص بضعة سيارات إطفاء لمناطق شاسعة مزروعة بالحبوب مع كادر محدود جدًا لا يمكنه أن يسيطر على الحرائق بالسهولة.

فالمزيد من الأدلة يراها الرمضان في المقاطع المصورة التي سُربت؛ إذ أظهرت عناصر الإدارة الذاتية يتعاملون مع الحرائق باستهتار، فظهر هؤلاء وهم يؤدون «الدبكة» أمام حريق مستعر في أحد المحاصيل، ويوضح الرمضان: «قبيل موسم الحصاد حددت الإدارة الذاتية سعر شراء القمح، فاحتج المزارعون على السعر كونه منخفضًا مقارنة بقيمة المنتج، بعدها بدأت موجة الحرائق؛ فعدها بعض الفلاحين عقوبة لهم لرفض البيع بالسعر المحدد، بعد ذلك أُجبر الفلاح على تجاوز عقبة السعر المنخفض، والالتفات إلى الحفاظ على محصوله من النيران، وبيعه بأسرع وقت مهما كان السعر».

ويشدد الرمضان خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» – تتكون من وحدات حماية الشعب الكردية، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني- تفتعل الحرائق ضمن سياسة التضييق على الأهالي؛ لدفعهم إلى العمل والتعامل معها، ويوضح: «تمارس تلك العناصر أعمالًا انتقامية بحق أهالي المنطقة من العرب منذ سيطرتها على المدينة، بهدف إحداث تغيير ديموغرافي فيها، عبر دفع أهلها للهجرة، فموجة الحرائق هي حلقة من سلسلة متواصلة».

ويضيف: «رغم سيطرتها على محافظة الرقة، ما زالت معظم المناطق العربية بلا كهرباء مثل مركز المدينة، وبلا خدمات أو إعادة إعمار حقيقي، وما تزال مخلفات الحرب تحصد أرواح المدنيين فيها، ذلك برغم الدعم الهائل الذي تتلقاه الجهات المسؤولة هناك من التحالف الدولي».

تجارة الأعداء في الشرق الأوسط.. يتقاتلون نهارًا ويعقدون الصفقات ليلًا!

الأكرادالرقةالزراعةالقمححرائقداعش

المصادر