ميرفت عوف

7

ميرفت عوف

7

7,013

توصف بأنها المكان «الأسوأ في العالم»، الحصار والقصف الكثيف من عدة جبهات أجبر المحاصرين فيها على الخروج للبحث بين الركام عن طعام أو دواء تركه من قتل وبقي تحت الركام، إنها الرقة السورية التي لا يُعرف فيها العدد الحقيقي للمحاصرين أو القتلى أو حجم الدمار.

هناك، لا مجال للتمرد على وجبة العشب المُر، فهي وحيدة وغالبة على مائدة الطعام، ومجرد التفكير في النزوح يعني حتمية القتل على الأرجح، فأرواح المدنيين «درع بشري» لدى تنظيم الدولة، وهدف دائم لميلشيات «قوات سوريا الديمقراطية»، وعلى الجانب الآخر يأتي التحالف الدولي الذي يكثف غاراته الآن لإنهاء المعركة على حساب كل شيء في المدينة في رأي الكثير من المراقبين.

الأحياء «يسرقون» قوت الشهداء

«أسكن الآن في قرية أبو قبيع، وأشاهد مدينة الرقة التي تفصلني عنها خمسة كيلومترات كخط نظر عبر النهر. أشاهد القذائف المتساقطة والطائرات التي لا تفارق السماء. الأرض تهتز من ضخامة الانفجارات، وتُشاهد أعمدة الدخان من مسافات بعيدة.. المدينة كتلة من لهب، مغطاة بغيمة من الدخان.. المدينة تحترق وقلوبنا تحترق معها، فمع كل قذيفة تسقط على الأرض نشعر بها ونعرف أنها ربما قتلت أحدًا من أهلنا أو دمرت بيتًا من بيوتنا»، هذا ما قاله نازح من الرقة يدعى «محمد» عن حال المدينة الآن.

مدينة الرقة تحت القصف (رويترز).

الشهادات من سكان الرقة ورغم التعتيم الكبير تتوالى، قالت إحدى النساء عن قصف ميلشيات «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي: «لقد أصابت القذائف جميع المنازل واحدًا تلو الآخر، لقد كان أمرًا يستحيل وصفه، تمامًا كأنها نهاية العالم، حيث كان الضجيج قويًا جدًا وجميع الناس يصرخون، لن أنسى أبدًا حمام الدم الذي شاهدته في ذلك اليوم».

لقد عجز أهالي الرقة عن انتشال جثث الضحايا من تحت الأنقاض، فلا آليات ثقيلة لإزالة الركام، ولا أمان لمن يقدم على إنقاذ من يسمع أصواتهم تحت الركام، حيث يبقون أيامًا تحت ركام الأبنية حتى الموت، ووصل الأمر حد اعتبار فترات وقف القصف «فرصة ثمينة» للناجين؛ إنهم مضطرون للخروج والبحث عن الطعام، لكن المأساة الأعظم تكمن في أن وجهتهم هي البيوت التي تم قصفها، يبحثون هناك بين الجثث عن بقايا طعام كان يحتفظ به هؤلاء الضحايا.

يقول صحافي من الرقة يتخفى تحت اسم «تيم رمضان» لصحيفة «الغارديان» البريطانية: «عندما تتوقف الغارات الجوية، يذهب شخص واحد من كل أسرة للبحث عن الطعام في المنازل التي قصفت وقتل أصحابها. في معظم الأحيان لا يجدون الطعام ولكن يعيدون أخبار الموتى، جنبًا إلى جنب مع بعض العناصر التي يمكن وضعها لاستخدامها مثل الشموع، وقطع من الخشب أو الأدوية».

طفل في الرقة (المصدر: رويترز).

يتناول المحاصرون في الرقة العشب الذي ينمو على جانب الطريق، يغلونه بالماء ثم يقومون بغمس الخبز المجفف به، طعام لا تقبله نفوسهم كما أطفالهم لكنهم مضطرون إليه، أما عن آلية إشعال النار في وقت فقد الجميع المقومات الأساسية من غاز وكهرباء، فهي تعتمد على إحراق المخلفات من ملابس قديمة وقطع الأثاث وأكياس النايلون، ويضيف «رمضان» عن تعامل تنظيم الدولة مع المدنيين: «أخبرونا منذ اليوم الأول للمعركة لا تتوقعوا منا أن نوفر لكم شيئًا لتأكلوه، فحياة المجاهدين الذين يدافعون عن المدينة أهم من حياتكم، وقد تتخلون عن المدينة لو سنحت لكم فرصة، إلا أن المجاهدين كرسوا حياتهم لقتال الصليبيين».

ويقول «رمضان» إنه يضطر: «للخروج بحثًا عن السيارات المتضررة ليأخذ منها البطاريات الصالحة للعمل لتشغيل الجهاز الذي يستخدمه للاتصال بالإنترنت، ومع ذلك يشعر بالذنب لسرقة البطاريات ويتمنى لو وجد الفرصة للتحدث إلى أصحاب السيارات وطلب الصفح منهم»، كما انهارت الخدمات الطبية تمامًا في المدينة، ففي أغسطس (آب) الماضي استهدفت طائرات التحالف الدولي وميليشيات (قسد) المستشفى الوطني في مدينة الرقة بالصواريخ والقذائف المدفعية، ففقد المدنيون المستشفى الوحيد الذي يقدم خدمات إسعافية مع انعدام الإمكانيات الطبية وفقدان الأدوية.

في البقاء أو النزوح.. خيار واحد هو «الموت»

«كان الوضع رهيبًا. لم تسمح لنا داعش بالمغادرة، ولم يكن لدينا طعام، ولا كهرباء، وكانت هناك أعداد كبيرة من أعضاء الشرطة الدينية، وكان القناصون يحاصروننا. وإذا ما أصابك عيار ناري من أحد هؤلاء، فليس أمامك سوى أن تموت في بيتك. لم يكن هناك أطباء»، هذا ما قالته «محمودة» لمنظمة العفو الدولية بعد أن نزحت من منطقة الدرعية الواقعة في مدينة الرقة.

غارات على الرقة – سوريا.

أما «أبي همام»، فقال لصحيفة «التايمز» البريطانية: «قتلت عائلة عمي كلها، وعدد أفرادها 11 شخصًا، عندما كانوا يختبئون في الطابق الأرضي لعمارة من ستة طوابق، ودمرتها غارة جوية»، ويوضح الرجل أنه تمكن من النزوح بعدما ضرب الطيران بئرًا كان يعتمد عليه من أجل الشرب، إذ حاول الهرب مرتين، «إلا أن تنظيم الدولة قبض علينا ووضعنا في السجن، حيث ضربنا وعذبنا، وفي هذه المرة كنا 60 شخصًا في بيت مهرب، لا يبعد إلا أمتارًا عن خط القتال، وكان علينا الزحف لنتجنب رصاص القناصة من الطرفين، حتى وصلنا إلى بر الأمان، وشعرت أنني ولدت من جديد»، حسب قوله.

يستميت «تنظيم الدولة» بمنع المدنيين من النزوح بغية استخدامهم كدروع بشرية، وهم يمتلكون وسائل ترهيب عدة لتحقيق ذلك، يقومون بزرع الألغام الأرضية والفخاخ المتفجرة على طول طرق المغادرة، إضافة إلى نقاط تفتيش تمنع الناس من النفاذ، ومن ينجح بالتسلل يكن مصيره القنص إذا اكتشف أمره، يقول مواطن من الرقة لـ«المدن» اللبناني: «يتعمدون وضع العربات غالبًا في الدكاكين ومداخل العمارات والأبنية والمساكن، فأصبحنا كمن يسكن فوق لغم سينفجر إذا ما تم استهداف المكان بقذيفة»، ويضيف محمد: «أصبحنا نهرب من حي إلى آخر، خوفًا من المفخخات، لكنهم يلاحقوننا بها، إلى أن استسلمنا لأقدارنا، فبتنا لا نعرف ما إذا كان يتوجب علينا الحذر من صواريخ السماء، أم من مفخخات الأرض؟».

تقول كبيرة المستشارين لمواجهة الأزمات في منظمة العفو الدولية «دوناتيلا روفيرا»: «إن مقاتلي الدولة الإسلامية، بتمركزهم في المناطق المدنية من الرقة واستخدامهم المدنيين كدروع بشرية، يضيفون جريمة جديدة إلى سجلهم الوحشي في خرق قوانين الحرب بصورة منهجية وصارخة».

وسبق أن أفشل الرفض الروسي محاولات لتجنب أن يكون مصير الرقة كمصير الموصل، فعندما وافق تنظيم الدولة على الخروج من المدينة باتجاه معاقل له في البادية السورية ودير الزور، هددت روسيا باستهداف مسلحي التنظيم الخارجين من المدينة.

ضحايا كثر.. لا يوجد مكان أسوأ من الرقة في العالم

تقدر الأمم المتحدة عدد المدنيين المحاصرين داخل الرقة بأنه يترواح بين 10 آلاف و50 ألفًا، وتقدر بعض المؤسسات الحقوقية المدنيين في الرقة بـ20 ألفًا، نصفهم من الأطفال.

مقاتل من (قسد).

حتى كتابة هذا التقرير، تظهر أرقام «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن عدد الضحايا في مدينة الرقة وريفها، منذ الخامس من يونيو (حزيران) الماضي حتى الآن وصل إلى 1064 بينهم 248 طفلًا و177 امرأة بالإضافة إلى إصابة مئات المواطنين بجراح متفاوتة الخطورة، بينما قتل 1206 عناصر من تنظيم الدولة بينهم قياديون محليون وقادة مجموعات، كما سقط 563 مقاتلًا من قوات عملية «غضب الفرات» من ضمنهم خمسة مقاتلين من الجنسيات الأمريكية والجورجية والبريطانية والتركية، فيما كان البقية من مقاتلي (قسد) حسب المرصد، لكن مصادر تقيم في الرقة قالت إن عدد القتلى أعلى بكثير من الأرقام المعلنة، خاصة أن العديد من الجثث تحت الأنقاض.

مواطن سوري يحاول رفض أنقاض منزله.

ويعود سبب زيادة الضحايا في الرقة إلى اضطرار المدنيين للتجمع في مكان واحد، فعدم توفر الطعام يدفعهم بشكل جماعي للبحث بين الفضلات عما يأكلونه، يوضح المستشار الخاص لمبعوث الأمم المتحدة لسوريا، يان إيغلاند إن: «الاحتياجات الإنسانية لآلاف المدنيين في مدينة الرقة هائلة ولا يمكن تصورها. في وقتٍ يحاصر نحو 20 ألف شخص في الرقة من قبل تنظيم «داعش» لاستخدامهم دروعًا بشرية»، مضيفًا في تصريح إعلامي بعد اجتماع مجموعة العمل المعنية بالوصول الإنساني في سوريا: «لا يمكن تصور حجم الاحتياجات، ونشعر بالقلق البالغ بشأن حماية المدنيين. يبدو أن نحو 20 ألف مدني يوجدون في منطقة صغيرة بالمدينة. لا أستطيع أن أتخيل وجود مكان أسوأ في العالم من هذه الأحياء الخمسة في المدينة».

«قسد» استولت على 90% من الرقة ودمرت 90% منها

«في الموت الجميع متساو، فالجثث المتعفنة للضحايا التي قتلها تنظيم الدولة ملقاة إلى جانب جثث مقاتليه الذين ماتوا بسبب الغارات الجوية التي يشنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وهي ملقاة في الشوارع؛ بسبب كثافة القتال لاستعادة آخر معقل للتنظيم في سوريا، ومن الخطورة بمكان المغامرة والخروج من البيت لسحبها من الشوارع»، هذا ما قاله مراسل صحيفة «التايمز»، ريتشارد سبنسر عن حال مدينة الرقة التي وصفت بأنها أبشع المعارك في سلسلة من حروب المدن التي شهدتها المنطقة هذا الصيف.

قوات من ميلشيا (قسد) في الرقة.

في منتصف يوليو (تموز) الماضي أطلقت ميليشات «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تدعمها واشنطن وقوات التحالف الدولي عملية «غضب الفرات»، لاسترداد الرقة من «تنظيم الدولة» الذي سيطر عليها منذ العام 2014.

آخر الأخبار المتعلقة في المعركة، ذكرت في الساعات الأخيرة أن (قسد) أصبحت تسيطر على 90% من مساحة الرقة، وهي النسبة ذاتها لحجم الدمار الذي نال من الرقة، فكما يقول عضو مجلس المحافظة السابق المهندس «هديب شحادة»، لـ«المدن» اللبناني، أن: «نسبة الدمار في البنية التحتية تجاوزت 90 في المئة، أما الأبنية الخاصة ومساكن المدنيين فنسبة الدمار تتراوح بين 40 إلى 50 في المئة، والمعركة لم تنتهِ بعد، والدمار مُرشّحٌ للتصاعد، طالما تدار المعركة بهذه الوحشية».

لقد كثفت (قسد) والتحالف الدولي القصف على المدينة بمعدل 300 قذيفة يوميًا، وبكثافة نارية عشوائية غير مسبوقة بغية حسم المعركة التي تجاوزت يومها المئة، فالتكتيك العسكري الذي تتبعه (قسد) والتحالف الدولي: «هو الكثافة النارية، وتدمير الأبنية واحدًا تلو الآخر، لتنتهي بتدمير أحياء بأكملها، ومن ثم إعلان استعادتها، كما تُظهرُ المقاطع المصورة التي تعرضها (قسد)، دمارًا هائلًا ومخيفًا لحق بالأحياء والأسواق» حسب تقرير «المدن»، يقول مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، رامي عبد الرحمن، أنه: «نتيجة الضربات الجوية المكثفة للتحالف الدولي، انسحب تنظيم داعش من خمسة أحياء، على الأقل، في المدينة لتصبح 90% من مساحة المدينة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية».

طفل يتوسط نازحين من الرقة، ويحاول الحصول على طعام.

في مقابل وضع ميليشا (قسد)، يدرك مقاتلو تنظيم الدولة أنهم شارفوا على الهزيمة الساحقة، فحسب تقرير «المدن» السابق: «هم لن ينتصروا، ولن تأتي قوات (جيش الخلافة) لمساعدتهم، وقد استعطفوا قبل أسبوعين (الإخوة) في ولايتي الخير والفرات في نداءات متعددة لفك الحصار عنهم، وكذلك عبر إصدارات (وكالة أعماق) من دون جدوى»، ويضيف التقرير: «انتقل مقاتلو التنظيم نحو المرحلة الأخيرة؛ (الإثخان بالأعداء) وإيقاع أكبر الخسائر الممكنة في صفوفهم، وهم يرددون عبارتهم الشهيرة: (قتلانا بالجنة وقتلاهم بالنار والله مولانا ولا مولى لهم)».

كما تشارك قوات النظام السوري والروس في قصف المناطق الواقعة جنوب نهر الفرات، إذ تلقى قوات النظام ذخائر عنقودية محظورة دوليًا وكذلك قنابل غير موجهة على مناطق نزح لها المدنيون تقع بالقرب من نهر الفرات، تقول سيدة سورية تدعى «زهراء الملا»، فقدت أربعة من أقاربها في هجوم بالقنابل عنقودية وقع على «مخيم السبخة»، في 23 يوليو (تموز): «نعرف أنها كانت قنابل عنقودية لأنه لم يكن هناك انفجار كبير بمكان واحد؛ وإنما انفجارات عديدة غطت مساحة كبيرة جدًا. أشعلت الانفجارات النار في الخيم، ففقدنا كل شيء».

وتلخص كبيرة المستشارين لمواجهة الأزمات في منظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا، الوضع النهائي في الرقة بالقول: «إن الأخطار سوف تتفاقم مع وصول المعركة إلى مراحلها النهائية في وسط المدينة، ويمكن اتخاذ المزيد من التدابير، لا بل ينبغي اتخاذها، للحفاظ على حياة المدنيين المحاصرين وسط النزاع وتسهيل عبورهم الآمن للابتعاد عن أرض المعركة».