بينما كانت هناك بعض الثقافات تُبجل الأطفال ذوي الإعاقات المختلفة، كما كانت تفعل قبائل «تشاجا» في شرق أفريقيا، والتي كانت تعتقد أن الأطفال الذين يعانون من متلازمات غريبة أو من ذوي الإعاقات هم نتيجة لقوى خارقة للطبيعة لإرضاء الأرواح الشريرة وحماية بقية أفراد القبيلة، كانت هناك بعض الثقافات الأخرى تقابل هذه الفئة بالقتل والنبذ والعزل والتجويع!

تربية

منذ شهرين
متلازمة أينشتاين.. أو عندما يصبح التأخر اللغوي دليلًا على موهبة طفلك وذكائه!

يسرد كتاب «الجوانب النفسية والاجتماعية للإعاقة» للدكتور ميلينجتون مايكل، تاريخ التعامل مع الأطفال الذين يعانون من متلازمات غريبة أو ذوي الإعاقة، إذ كان ينظر إليها على أنها عقاب من الله، وأن عطب الجسد ما هو إلا علامة على عطب الروح. لكن مع مرور الوقت ظهرت بعض المحاولات الإنسانية لوجود رعاية مؤسسية لهؤلاء الأطفال، تقدم لهم خدمات الإيواء والرعاية الصحية، وبنهاية الحرب العالمية الثانية كانت هناك بعض الخطوات الإيجابية تجاه إعادة تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة.

ثم حدث بعد ذلك الكثير من التغيرات والتعديلات التشريعية والمجتمعية، التي كان لها أثر كبير في تقبلهم ودمجهم في المجتمع.

وعلى الرغم من سن بعض الاتفاقيات التي تكفل لأصحاب الإعاقات ومن يعاني من متلازمات غريبة حياة كريمة والمجهودات التي بذلت لدمجهم في المجتمع، ما زال هناك قصور في نظرة المجتمع إلى هؤلاء الأطفال، خاصة الذين يعانون من متلازمات غريبة ونادرة، والتي يصاحبها بعض الأعراض السلوكية الشاذة، والتي قد يعدها البعض خطأً مشكلات سلوكية أو تربوية نتيجة سوء تصرف هؤلاء الأطفال، فما الحقيقة وراء هذه السلوكيات؟

السلوك الطبيعي vs السلوك غير الطبيعي

يعرف دكتور إبراهيم بن عبد الله العثمان في كتابه «تعديل السلوك»،  السلوك بأنه: «كل ما يصدر عن الفرد من استجابات تشمل جميع أوجه النشاط العقلي والحركي والانفعالي والاجتماعي بشكل دائم ومستمر، ويساعده على التكيف مع بيئته. ثم يبين كيف يتحول السلوك الطبيعي إلى سلوك غير طبيعي عندما يكون أعلى من المعيار المتوقع لعمر ومستوى تطور الطفل بناء على عدد مرات تكرار السلوك وشدته وزمن حدوثه».

مشيرًا إلى أن السلوكيات غير الطبيعية تشمل «إيذاء الطفل لنفسه، والاعتداء الجسدي واللفظي، وإصدار أصوات غير مناسبة، والحركات التكرارية، والسلوكيات التي من شأنها تعطيل قدرة الطفل على التعلم والتفاعل بشكل لائق مع المحيطين به، وتحتاج إلى استخدام فنيات وإستراتيجيات معينة لتعديلها».

ليست سوء تصرف لكنها حيل دفاعية

يُفسر طبيب الأطفال دكتور مايكل أوغونديل، في مقالة بعنوان «الاضطرابات السلوكية والعاطفية في الطفولة» منشورة على موقع «المكتبة الأمريكية الطبية» السبب وراء إصدار بعض الأطفال سلوكيات غير مقبولة اجتماعيًّا وشاذة؛ بأن هذه السلوكيات عبارة عن

إستراتيجيات وحيل دفاعية يستخدمها الأطفال غير القادرين على التواصل بشكل فعال ولديهم خلل وضعف في المهارات الاجتماعية.

Embed from Getty Images

بالاضافة أيضًا إلى الأطفال الذين يعانون من مجموعة متنوعة من الاضطرابات النمائية العصبية، مثل التوحد، وصعوبات التعلم، والإعاقات العقلية المختلفة، وكذلك أصحاب الاضطرابات السلوكية العصبية المكتسبة مثل تلف الدماغ.

إذن.. ما هي الاضطرابات النمائية؟

يولد الأطفال الطبيعيون لديهم استعداد فطري للتعلم واكتساب المهارات المختلفة، وفقًا لموقع «رايزينج تشايلد»، فأدمغة الأطفال في السنوات الخمس الأولى من حياتهم تُطور ملايين الروابط العصبية التي تساعد على التطور، واكتساب المهارات الاجتماعية والعاطفية والسلوكية، والتفكير والتواصل، بشكل متداخل ومترابط بين هذه المهارات. ويعد أي تأخر في أي من هذه المهارات علامة على وجود اضطراب نمائي مما يؤثر في عملية النمو والتطور بالمعدل الطبيعى.

وقد عرف السيد سعد الخميسي، أستاذ الاضطرابات السلوكية والنمائية والتوحد المساعد، بكلية المعلمين بالسعودية الاضطرابات النمائية «بأنها تأخر التطور النمائي لدى الطفل خلال  أول عامين من عمره في مجالين أو أكثر من مجالات النمو»، والتي تعد فترة حرجة لوضع أسس التعلم والصحة والسلوك طوال الحياة.

متلازمات غريبة! خلل جيني وراء كل هذا

تحدث الاضطرابات النمائية بسبب وجود خلل جيني في الكروموسوم الموجود عليه الجين أو حدوث خلل في الجين نفسه، وينتج من هذا الخلل مجموعة من الاضطرابات والمتلازمات التي تؤثر في سلوكيات الطفل وتجعله يتصرف بشكل غير طبيعى، مثل اضطراب التوحد الذي يعاني منه طفل من كل 270 طفلًا، ومتلازمة داون التي يعاني منها طفل من كل 700 طفل.

ويعد كلٌّ من اضطراب التوحد ومتلازمة داون أشهر الاضطرابات النمائية التي يعاني منها نسبة كبيرة من الأطفال، والتي تجعل المجتمع لا يستغرب وجودهم. لكن هناك متلازمات غريبة وغير شائعة يعاني منها بعض الأطفال تجعلهم يتصرفون بطريقة غريبة تجعلهم محط أنظار واستهجان بعض المحيطين بهم، معتقدين خطأً أنهم يسيئون التصرف، وإليك بعض منها:

1- متلازمة الدمى السعيدة: نوبات غير مبررة من الضحك

تُعرف أيضًا باسم متلازمة «متلازمة أنجلمان» نسبة إلى طبيب الأطفال البريطاني هاري أنجلمان، الذي قدم وصفًا لحالة أطفال المتلازمة عام 1965. يتميز أطفال متلازمة الدمى السعيدة بأن لديهم نمطًا سلوكيًّا غريبًا يظهر في شكل نوبات من الضحك غير المبرر في أي وقت وفي أي موقف بشكل غير ملائم.

صورة للخلل الجيني في متلازمة أنجلمان

ويُشير تشارلز ويليامز، أستاذ علم الوراثة بكلية الطب بجامعة فلوريدا الأمريكية، وعضو اللجنة الاستشارية العلمية لمؤسسة متلازمة أنجلمان، إلى أن هذه المتلازمة اضطراب وراثي عصبي نادر يسبب تأخرًا شديدًا في النمو وإعاقات في التعلم واكتساب اللغة والكلام، فلا يستطيع الطفل الكلام على الرغم من قدرته على فهم اللغة الاستقبالية، كما أنها تؤثر في قدرة الطفل على تنسيق الحركات الإرادية.

يُقدر انتشار متلازمة أنجلمان بحوالي حالة فى كل 12 ألفًا إلى 20 ألف طفل. وعلى الرغم من عدم وجود علاج دوائي أو وراثي لمتلازمة أنجلمان، فيمكن للتدخل المبكر واستخدام فنيات تعديل السلوك المختلفة والعلاج الطبيعي أن يساعدوا في تحسين عمليات التعلم والتواصل الاجتماعي للطفل.

2- متلازمة وولف هيرشيرون: ضرب على الصدر وأصوات غير مفهومة

يعد الضرب على الصدر وتحريك اليد بلا هدف والنغنغة والأصوات غير المفهومة من أبرز الصفات السلوكية المصاحبة لمتلازمة وولف هيرشيرون، التي اكتشفها الطبيب الأمريكي، كيرت هيرشيرون، عام 1961 والتي تحدث نتيجة حذف المادة الوراثية بأحد الكروموسومات.

يتسبب هذا الخلل الجيني في  إعاقات ذهنية تتراوح شدتها من خفيفة إلى متوسطة، ويتميز الأطفال الذين يعانون من متلازمة هيرشيرون بصغر في حجم الرأس عن المعدل الطبيعي، وعدم تناسق ملامح الوجه، ويقدر معدل انتشار هذه المتلازمة، بواحد من كل 50 ألف طفل.

لا يوجد علاج دوائي لإصلاح الخلل الجيني الذي يتسبب في حدوث متلازمة هيرشيرون، لكن يجري علاج الأعراض المختلفة المصاحبة للمتلازمة، ويعد العلاج الدوائي والعلاج السلوكي من الأساليب المتبعة في الخطة العلاجية.

3- متلازمة كراي دو شات: متلازمة مواء القطط

متلازمة «كراي دو شات» هي حالة وراثية يُطلق عليها أيضًا اسم «مواء القطط» تحدث نتيجة خلل جيني يتسبب في حذف أجزاء من الكروموسوم 5. يتسبب هذا الخلل الجيني في نمو الحنجرة بشكل غير طبيعي، مما يؤثر في صوت بكاء الأطفال، فيطلق الطفل صرخات تشبه مواء القطط.

ووفقًا لموقع «هيلث لاين» الطبي فمتلازمة كراي دو شات تحدث في حوالي واحد من كل 20 ألفًا إلى 50 ألف طفل.

ومن أبرز المشكلات السلوكية التي يعاني منها أطفال متلازمة كراي دو شات؛ فرط الحركة والعدوانية كما يعانون أيضًا من إعاقات عقلية شديدة.

تتوقف شدة الأعراض التي يعاني منها الأطفال على مقدار المعلومات المفقودة من الكروموسوم 5 وتتراوح الأعراض ما بين شديدة وخفيفة، لكن يظل البكاء الذي يشبه صراخ القطط من أكثر الأعراض شيوعًا.

يجري تشخيص المتلازمة عند الولادة بناء على بعض التشوهات الجسدية وصوت بكاء الطفل الذي يشبه صوت القطط، ولا يوجد علاج لمتلازمة كراي دو شات، لكن يساعد العلاج الطبيعي والعلاج السلوكي إلى حد كبير في تحسين حالة الطفل.

4- متلازمة ريت: تشبه التوحد ولا تصيب إلا البنات فقط!

يُعرف المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية متلازمة ريت بأنها متلازمة تصيب الفتيات فقط، وتحدث نتيجة اضطراب وراثي عصبي يؤدي إلى فقدان تدريجي للمهارات الحركية والكلام. فتولد الطفلة وتتطور بشكل طبيعي، ثم بعد ذلك يحدث تباطؤ في عملية النمو يظهر على شكل مشكلات في المشي والحركة والإعاقات الذهنية.

ووفقًا لموقع المكتبة الوطنية الأمريكية للطب يصاحب متلازمة ريت أعراض سلوكية تشبه اضطراب التوحد، مثل المشي على أصابع القدم، وحركات اليد التكرارية كالتصفيق، وفرك اليد ولعقها، وطحن الأسنان. بالإضافة إلى بعض الصفات السلوكية الأخرى، مثل البصق، وسيلان اللعاب، وحركات العين غير العادية والرمش المفرط، والتحديق الشديد، تُقدر نسبة الإصابة بمتلازمة ريت بواحد من بين 9 آلاف إلى 10 آلاف أنثى.

5- متلازمة روبينشتاين تايبي: متلازمة الإبهام الكبير

تعرف متلازمة روبينشتاين تايبي باسم متلازمة الإبهام الكبير بسبب كبر حجم الابهام بشكل غير طبيعى، وتحدث هذه المتلازمة نتيجة اضطراب وراثي نادر يتسبب في إعاقات ذهنية (بمتوسط ​​معدل ذكاء يبلغ 36-79).

يصاحب المتلازمة بعض الصفات السلوكية مثل الاندفاع والتقلبات المزاجية، وتشتت الانتباه، والحساسية للأصوات والضوضاء، والخوف من التجمعات الكبيرة.

Embed from Getty Images

طفلة تعاني من متلازمة روبينشتاين في جلسة تعديل سلوك

ويتميز أصحاب هذه المتلازمة بصفات شكلية مميزة فمعظم الأطفال لديهم أنف كبير بالإضافة إلى رأس صغيرة، كما توجد لديهم تشوهات في الفم والفك، وأسنان غير منتظمة ومزدحمة، وتصيب متلازمة روبينشتاين طفلًا واحدًا من كل 300 ألف طفل.

لا يوجد علاج محدد لهذه المتلازمة، لكن يمكن استخدام مجموعة من الآليات التي تساعد  الطفل على التواصل مع المحيطين به بشكل مناسب ومقبول، مثل التدخل المبكر، والتربية الخاصة لمعالجة إعاقات النمو، وإستراتيجيات تعديل السلوك لتعديل السلوكيات غير المرغوب فيها، وتعزيز السلوكيات الإيجابية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد