لا تزال قضية سقوط «الريان» شائكة، ولا نعرف هل كانت الحكومة – حينها – تخاف على مصلحة المودعين وأموالهم بالفعل؟ أم أنّ الغرض كان القضاء على إمبراطورية الريان بعد قولهم «إنهم استطاعوا أن يكونوا دولة داخل الدولة »، أم كانت مصالح بين الحكومة والريان، وبعد انتهاء هذه المصالح سعت الحكومة للقضاء عليه، خاصة أن الرئيس المخلوع «مبارك» ظهر في افتتاح معرض المنتجات المصرية، وكانت مؤسسة الريان مشاركة في المعرض، وتحدث مع «فتحي الريان» رئيس مجلس إدارة المؤسسة بشأن شركات توظيف الأموال، وقال له «نحن لسنا ضد توظيف الأموال، لكننا مع الانضباط والالتزام بالقوانين، ويهمنا أن تبقى الأموال داخل مصر وليس خارجها»، الدولة لم تكن تمانع في وجود شركات التوظيف، إذن لماذا سقطت إمبراطورية الريان؟

إمبراطورية الريان … رحلة بدأت بيبع الميداليات و«عشرة قروش»

في 26أبريل (نيسان) لعام 1956، ولد مؤسس هذه الإمبراطورية «أحمد توفيق عبد الفتاح الجابري» وشهرته «أحمد الريان» وهو لقب اختاره الريان؛ ليصبح اسم الشهرة له بعد ذلك، في سن صغيرة بدأ الريان التجارة بالتحديد في عمر تسع سنوات، مع صديق له كانت لديه موهبة الرسم، ومتقنًا للخط العربي، فقرَّرا أن يصنعا معًا ميداليات من خشب الأشجار، وبيعها للمحلات التي تحتاج هذه الميداليات، ليبدأ الريان هو وصديقه الدخول إلى عالم التجارة مُنذ نعومة أظفارهما، بالإضافة إلى عمل الريان أيضًا في دهن فوانيس السيارات باللون الأزرق، وكان يحصل منها على «عشرة قروش »، وكان مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت في عام 1967، وفي المرحلة الإعدادية انتقل الريان إلى التجارة في طباعة المذاكرات الدراسية، والتجارة في المواد الغذائية عن طريق توريد البيض لمحلات السوبر ماركت.

https://youtu.be/S_5A5zJLKtE

وبعد ذلك تبدأ مرحلة هامة في حياة الريان عن طريق أخيه «فتحي» الذي كان يعمل في المقاولات في ذلك الوقت وهي التجارة في العملة، عن طريق رجل أعمال كويتي كان يقوم فتحي ببناء «فيلا» له ، فقام بدفع الدفعة الأولى من الأموال بالدينار الكويتي، فهنا كانت بداية التجارة في العملة، فأخذ «الريان» يبحث عن أماكن بيع العملة، وقام ببيعها بسعر أعلي من البنوك، يشار إلى أن التجارة في العملة كانت ممنوعة في ذلك الوقت، ويقول «الريان» بأن المكسب اليومي له من تجارة العملة كان يبدأ من 100إلى 150ألف جنيه، من خلال حديثه في برنامج صباح ON على قناة «أون تي في».

التحق «الريان» بكلية «الطب البيطري» لكنه لم يكمل الدراسة فيها، والسبب كانت إداراته لـ500 مليون جنيه، أثناء دراسته في الكلية، فلم يستطيع التوفيق بين الدراسة والعمل، فاختار العمل، وكان هذا في منتصف سبعينات القرن الماضي حسب حديثه في برنامج صباح ON.

شركات توظيف الأموال ومساندة من رجال الدين

يرتبط اسم شركات توظيف الأموال دائمًا باسم الريان، لكن في الحقيقة إن أولى الشركات التي بدأت في «توظيف الأموال» في مصر كانت، في بداية السبعينات من القرن الماضي، وبالتحديد في عام 1978 وكانت البداية «لشركة الشريف للبلاستيك» لصاحبها رجل الأعمال الإسلامي «عبد اللطيف الشريف» ، وانتشرت إعلانات الشركة في الصحف؛ من أجل جمع الأموال من المواطنين، وبعد شهر بدأت الشركة في توزيع الفوائد على المودعين ، وتوالت إنشاء الشركات بعد ذلك، مثل :«بدر للاستثمار»، و«السعد »، و«الهلال».

الدكتور عبدالصبور شاهين

وكان قانون الاستثمار، رقم 43 لعام 1974، وقانون 59 لعام1975 ، في ذلك الوقت يسمح بإنشاء شركات مساهمة، «تطرح أسهما للاكتتاب، دون السماح لهم بالقيام بوظائف البنوك، كجمع الأموال وإعطاء فائدة بدون موافقة هيئة الاستثمار على كل مشروع على حدة»، كانت الشركة الأشهر على الإطلاق هي شركة «الريان»، التي ظهرت في عام 1983، وتجمَّع الكثير من الناس حول شركة الريان التي كانت تعطى حجم فوائد على أموال المودعين لديه بنسبة 25% شهريًا، في الوقت الذي كانت نسبة فوائد البنك لاتتعدى 9% . في تحقيق لموقع مصر العربية ذكرت فيها بأن عدد المودعين في شركة الريان كان «حوالي 175 ألف مودع بإجمالي رؤوس أموال بلغت 2.2 مليار جنيه».

وقد ساعد في انتشار شركة الريان وغيرها من شركات توظيف الأموال فتوى «رجال الدين»، في ذلك الوقت، بتحريم فوائد البنوك، والدعوة إلى وضع الأموال في هذه الشركات، منهم الشيخ «يوسف القرضاوي»، والشيخ « محمد الغزالي »، و«الشيخ الشعراوي»، الذي كان يساند أصحاب «شركة الهدي»، بالإضافة إلى تنظيم «دكتور عبد الصبور شاهين» لبعض اللقاءات مع بعض الكتاب والصحفيين؛ لمحاولة اسكاتهم عن الكتابة أو الحديث عن هذه الشركات، وأصبح شاهين بعد ذلك عضوًا في مجلس إدارة شركة الريان، ويقال إن سبب هجوم «الدكتور عبد الصبور شاهين »، وآخرين معه على دكتور «نصر حامد أبوزيد»، وإتهامه بالكفر ، والحكم عليه بالخروج من الملة، وتحريم زوجته عليه، بسبب ذكره لشركات توظيف الأموال في كتابه «نقد الخطاب الديني»، والذي ذكر فيه اشتراك عدد من رجال الدين والسياسية، في إعلانات هذه الشركات، ودعوة الناس لوضع أموالهم فيها؛ مما ساعد على انتشار هذه الشركات أكثر .

الريان كان يسدد الفوائد من أموال المودعين الجدد!

البعض يعتقد أنَّ الريان وشركاته كانا سيحدثان طفرة اقتصادية كبيرة؛ إذا استمر الريان في نفس الطريق الذي يسير فيه، لكن الحكومة رفضت ذلك، وقامت بالقضاء عليه.

يعقب على هذا الكلام الدكتور «جمال بيومي»، أمين عام اتحاد المستثمرين العرب، لـ «ساسة بوست» بقوله «موضوع الريان باختصار، بعيدًا عن نظرية المؤامرة، عند بداية ظهور شركة الريان، والتي نجحت في تجميع الكثير من الأموال من المودعين، وكانت تقوم بتوزيع أرباح عليهم، تبدأ من 20% إلى 22% ، وكانت هذه النسبة كبيرة في ذلك الوقت، مقابل نسبة فوائد من البنوك تساوى 9%، حتى وصل أن أحد شيوخ الاقتصاد في ذلك الوقت هاجم الحكومة المصرية، وقال «على الحكومة الذهاب؛ لكي تتعلم اقتصادًا من جديد لإدارة المنظومة الاقتصادية في مصر ، أو التعلم من هذه التجربة والسير عليها»، ويُقصد به تجربة الريان، لكن كانت المفأجاة وهي أن الأرباح الكبيرة التي كان يوزعها الريان على المودعين القدامى؛ هي من أموال المودعين الجدد ، وعندما علمت الحكومة بذلك قررت وقف نشاط شركة الريان وإرجاع الأموال إلى المودعين».

وأشار بيومي أيضًا بأن من ضمن الأسباب المهمة التي جعلت مؤسسة الريان تنهار بسرعة كبيرة هي أن هناك شخصيات هامة في الدولة كانت تقوم بتوظيف أموالها عند الريان، فطالبوا هؤلاء الأشخاص بأموالهم مما ساعد على سرعة انهيار الريان أكثر، وتابع بأن الريان لم يكن هو المقصود من إغلاق شركات توظيف الأموال، بدليل أن شركتي « الشريف »، و«السعد»، قامت الحكومة بإغلاقهما، وهذا دليل على أن كلام الريان عن إسقاط الحكومة له ليس له سند من الواقع، بدليل أنه حكم عليه بالسجن، وإذا كان لديه دليل قوي على البراءة كان قد قام بتقديمه، وأوضح بأن الدولة نجحت في إرجاع الأموال للمودعين، ما بين أموال أو على هيئة بضائع، مثل أجهزة كهربائية.

ويرى دكتور «رشاد عبده»، رئيس المنتدى المصرى للدراسات الاقتصادية، في حديثٍ مع ساسة بوست بأن الريان فشل في استثمار الأموال الكثيرة، التي انهالت عليه بعد الإعلانات الكثيرة عن توظيف الأموال في شركته ، والسبب أن الفوائد التي كان يقوم بتوزيعها على المودعين أعلى بكثير من أصول الأموال الموجودة في الشركة؛ مما أدى إلى الفشل في ظل عدم وجود مشاريع اقتصادية قوية تستطيع تحقيق نسبة الفوائد الكبيرة هذه، وهي 24%، فليس من المعقول أن مشروعًا مثل اللحوم يحقق كل هذه النسبة من الفوائد، وتابع بأن سبب تجمهر الناس حول الريان هو جعل الدين غطاء له، مما جعل الكثير من الناس تصدقه؛ لأنه من أهل الدين، وعندما سقط الريان لم يجد مفرًا له غير أن يقول إن الحكومة هي السبب في سُقوطه.

هل قضت الحكومة حقًا على إمبراطورية الريان؟

في بداية حديثه لساسة بوست حول سقوط الريان، يقول «رضا عيسى»، سكرتير الجمعية المصرية لدافعى الضرائب، إن من أسباب سقوط الريان هو تطبيق الحكومة في ذلك الوقت للقرارين 125و 126لسنة 1986، والذين ينصان على تسعير البضائع المستوردة لمصر من الخارج، وكانت القضية هي قيام الريان باستيراد صفقة «فول» من الخارج، وبيعها، بدون أخذ تسعيرة جبرية من وزارة التموين؛ فقبض عليه بسبب هذه القضية؛ تطبيقًا للقرارين 125و 126لسنة 1986 ، وأشار بأن هذه القرارات التي كانت تصدر لم تكن قرارات عادية، وإنما كانت قرارات «حاكم عسكري » بمعنى المحاكمة فيها تكون بحكمة «أمن دولة طوارئ»، والتي لا يوجد فيها استئناف، فبمجرد القبض على الريان في هذه القضية، وعلى الرغم من أنها ليس لها علاقة بتوظيف الأموال، لكن بدأت سيوف الهدم والشائعات تنتشر من كل الاتجاهات، وبدأ المودعون في سحب أموالهم ، وبدأت إمبراطورية الريان في الانهيار التام أكثر، بعد قضية توظيف الأموال.

إعلان اندماج مجموعة شركات الريان والسعد (اندماج العمالقة)

واستكمل عيسى بأن من أسباب انهيار الريان هي أن الحكومة وجدت أن الريان سيصبح مؤسسة اقتصادية كبرى، ستهاجم الدولة بعد ذلك، فكان يجب القضاء عليه قبل أن يصل إلى مستوى أكبر من المتوقع، وهذه الظاهرة لا توجد في مصر فقط، بل توجد في المنطقة العربية أيضًا، وهي عدم قيام مشاريع استثمارية ضخمة تقام في الدولة، دون أن يصبح لأي من الأسرة المالكة دور في هذا المشروع، ونعلم جميعًا ـ على سبيل المثال ـ أن السعودية لا توجد فيها مشاريع كبرى لا يوجد فيها أمير من الأسرة المالكة شريك فيه، واستكمل بأن لو كان للحكومة دور في شركة الريان لما فعلت الحكومة ذلك، ولما انهارت الشركة؛ لأنه كيف يستطيع الحصول على التراخيص أو القروض من أجل القيام بأي مشروع بدون إذن من الحكومة؟ وحتى الآن لايوجد رجل أعمال مشهور في مصر يعمل بعيدًا عن أعين الحكومة.

وتابع عيسى بأن القلق زاد عند الحكومة أكثر بعد حدوث الشراكة التي قامت بين الريان وأشرف سعد، وأطلق عليه في ذلك الوقت «اندماج العمالقة»، فقامت بفتح ملف هذه الشركات، وإلقاء القبض على أصحابه، وإغلاق هذه الشركات؛ لأن أوضاعها غير قانونية، ويري عيسى بأن الريان كان من الممكن أن يستمر؛ لو كان تحول إلى بنك؛ لأن دور البنك هو تلقي الودائع من الناس واستثمارها، وإنما الشركات لا يسمح لها بهذا، لذلك استطاعت الحكومة القضاء على إمبراطورية الريان نهائيًا.

وأشار مصدر لم يرد ذكر اسمه بأن الريان حقق مكاسب غير عادية، في فترة قصيرة؛ ما جعل الكثير من الناس يلتفون حوله، ويقومون بسحب أموالهم من البنوك؛ لاستثمارها في شركة الريان؛ نتيجة لنسبة الفائدة الكبيرة التي كانت تعطيها الشركة للمودعين، وهذا عرض الدولة لخطر اقتصادي كبير؛ لأنه كان يحارب الدولة؛ فكان يجب إسقاطه.

تتر النهاية بين الريان والحكومة

كانت بداية الأزمة الحقيقية بين الريان والحكومة عندما تمت الشراكة بين شركة « الريان »، و«بنك التنمية والائتمان الزراعي»، في صفقة «الذرة الصفراء»، والتي سببت أزمة في المحصول الرئيس للدولة، ومنذ ذلك الوقت وبدأت المشاحنات بين الريان والحكومة، وفي سبتمبر(أيلول) لسنة 1989 تكتشف الحكومة أن أموال المودعين الموجودة في شركات الريان تحولت إلى سراب ـ حسب التحقيقات ـ التي صدرت في ذلك الوقت، وأن أموال المودعين: جزء خسره الريان في «البورصة»، والجزء الثاني هُرب إلى الخارج، عن طريق رجال دين وسياسين وإعلاميين ساعدوا الريان؛ مقابل حصولهم على ما يسمى «كشوف البركة»، تحت بند «تسهيل وتخليص مصالح شركات توظيف الأموال في المؤسسات الحكومية »، ويعلن المدعي العام الاشتراكى أن ما تم تحويله وقتها للخارج 3مليارات و280مليون جنيه ، ويصدر القانون 146لسنة 1988، والذي ينص على تنظيم عمل شركات توظيف الأموال، ووضع ضوابط لإنشاء هذه الشركات، وتعطى الحكومة مهلة لأصحاب هذه الشركات للقيام برد أموال المودعين المنهوبة، وعلى الرغم من أن هذه الشركة كانت تعمل قبل ذلك، بدون سند قانوني، إلا أن الحكومة تركتها تعمل، ولم تحاول إغلاقها.

أحمد الريان

انتشرت الشائعات في ذلك الوقت بأن الحكومة سعت لإنهاء إمبراطورية الريان بعد قولهم « إنهم استطاعوا أن يكونوا دولة داخل الدولة»، ويلقى القبض على الريان بعد ذلك، سنة 1989؛ في قضية توظيف الأموال الشهيرة، ويحكم عليه بالسجن 15سنة ، وتنتهي فترة الحبس، ولكن ترفض وزارة الداخلية خروجه؛ لأنه ـ حسب اعتقادها ـ لم يزل لديه أموال تجب إعادتها للمودعين. ربما لم تكن الحكومة خائفة على أموال المودعين، إذ ظلت مشكلة المودعين بدون حل في عهد حكومات «عاطف صدقي»، و«كمال الجنزوري» و«عاطف عبيد» و«أحمد نظيف»، ،ولم يحصل معظهم إلا على 50% فقط من أموالهم، بدون فوائد، بمعنى أنهم حصلوا على 10%من أموالهم فقط، حسب تحقيق لموقع «اليوم السابع».

ويستمر الريان في السجن حتى يصدر قرار بالإفراج عنه نهائيًا في أغسطس(آب)لسنة 2010 بعد قضاء 21عامًا خلف القضبان، بالإضافة إلى تصالح «المدعى عليه معه بعد سداد القيمة، وسداده مبلغ 200 ألف جنيه من مبلغ المديونية الأصلية عليه، المقدر بـ 900 ألف جنيه وموافقة النائب العام على سداد باقي المبلغ على ثلاثة أشهر» ،في يونيو(حزيران) 2013 يرحل عن دنيانًا مؤسس هذه الإمبراطورية «أحمد الريان».

عرض التعليقات