يبدو أن آمال الشعب الأردني بالانتعاش الاقتصادي ذهبت أدراج الرياح، فالاحتجاجات التي نُصب على إثرها رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الحالي الدكتور عمر الرزاز، لم تأت بثمارها، فقبيل ساعات من إعلان الحكومة عن استقالتها، صرحت وزارة المالية ارتفع إجمالي الدين العام المستحق على الأردن إلى 32 مليار دينار (45 مليار دولار) مقارنة بما تركته الحكومة السابقة 28 مليار دينار أردني.

28 شهرًا من حكم الرزاز كانت كفيلة بدس 4388 دينار لكل فرد نصيبه من الدين العام، إذ يبلغ عدد الأردنيين 7.3 مليون نسمة، ويبدو أن صدور القرار الملكي بحل مجلس النواب الثامن عشر، عملًا بأحكام الدستور، والتي توجب المادة 74 منه باستقالة الحكومة التي يُحل مجلس النواب في عهدها خلال أسبوع، وتفرض عدم إجازة تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها، ستعود بالكثير من التحديات على الحكومة الجديدة.

بالأرقام.. حصاد حكومة الرزاز في عامين

يشير تقرير مركز الحياة «راصد» لتقييم الأداء الحكومي، أن الحكومة التزمت بـ435 التزامًا على مدار عامين وثلاثة أشهر، منها 22% لم يبدأ بعد، أبرزها السماح للمواطن بالاطلاع على كافة الأمور منها مصادر الثروة للموظفين الحكوميين، وتحسين تجربة المواطن في الحصول على الخدمات الحكومية، ووضع ميثـاق يوضـح العلاقة بين المواطن ورجـل الأمن مـن حيـث الحقـوق، إضافة لتأسـيس شـركة قابضـة تتيح المساهمة فيها للأردنيين والمغتربين والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والصناديق الاستثمارية العربيـة والعالمية، واكتمل من الالتزامات 21% فقط، فيما لا يزال 59% من الالتزامات جاري العمل على تنفيذها، ولكنها لم تنتهِ بعد، التزامات «خطة النهضة» هي ما ورد على لسان رئيس الوزراء باعتبارها خطةً لأولويات الحكومة.

مؤشر مركز راصد 

وخلال سنتي تولي الحكومة الحالية، فإن معدل البطالة في الأردن ارتفع إلى 23% في الربع الثاني من عام 2020 من 19.2 في المئة في العام السابق، وهو أعلى معدل للبطالة منذ 2005 على الأقل. ارتفع معدل البطالة لكل من الذكور (21.5% من 17.1%) والإناث (28.6% من 27.2%)، كما غيرت وكالة «فيتش للتصنيف الائتماني» في مايو (أيار) الماضي، النظرة المستقبلية للأردن من مستقرة إلى سلبية وأبقت على تصنيفها الائتماني (BB-)؛ ما يوحي أن الأردن سيتأثر بشكل كبير بتكاليف الاقتراض في البلاد.

ترافق ذلك مع ارتفاع معدل التضخم السنوي في الأردن بنسبة 0.6% في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2019، توسع الاقتصاد الأردني بنسبة 1.3% على أساس سنوي في الربع الأول من عام 2020، وهو أدنى معدل نمو منذ عام 1999 بسبب الاغلاقات التي تسبب بها تفشي فيروس كورونا، حسب موقع «trading economics»، وانخفض الإنتاج الصناعي في الأردن بنسبة 4.30% في يوليو (تموز) 2020 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، يذكر أنه وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 34.52% في ديسمبر من عام 2001، فيما بلغ أدنى مستوى قياسي بلغ -87.50% في أبريل من عام 2020.

وسجل الأردن عجزا تجاريا أكثر من نصف مليون دينار في يونيو (حزيران) 2020، ما يشير إلى فجوة التجارة الأردنية عند أدنى مستوى لها في 18 شهرًا، كما تراجع تصنيف الحكومة فيما يتعلق بمؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، إذ كان ترتيب الأردن 98 في عام 2018، وتراجع بما مقداره 19 مرتبة عالمية؛ ليصل إلى 117 في عام 2020، كما أصبح تصنيف الأردن في مؤشر مدركات الفساد 60 من 198 دولة في عام 2019، فيما كانت تحتل المرتبة 58 من 180 دولة في عام 2018، وتراجع مؤشر النزاهة الحكومية من 51.9 في عام 2018 إلى 49.6 في عام 2020.

رحلة الديون الأردنية

وصفت أزمة الثمانينيات أنها سبب دخول الأردن في أول دين مقدم من صندوق النقد الدولي، ليدخل اقتصاد الأردن مرحلة جديدة بحصوله على قرض بقيمة 60 مليون دولار عام 1989، وكان البلد آنذاك متأثرًا بالركود الاقتصادي الذي أصاب البلدان العربية المجاورة، لا سيما مع نهاية الطفرة النفطية وطول أمد الحرب بين العراق وإيران، وبين عامي 1989 و2004، دخل الأردن ثلاثة اتفاقات استعداد ائتماني، وثلاثة اتفاقات تسهيل ممدد، لينهي بعدها برامجه مع الصندوق ويبقى منقطعًا عنه حتى عام 2012، قبل أن يعود ليدخل اتفاق استعداد ائتماني جديد، تبعه اتفاق تسهيل ممدد عام 2016 ما زال ساريًا اليوم.

ويرجع الأثر الأبرز للانتداب البريطاني على إمارة شرق الأردن، في إنشاء اقتصاد وطني على أساس مشوّه، إذ إن بريطانيا كانت تموّل النفقات العامة للإمارة بنسب تتراوح بين 60% إلى 70%، ولم يتم التخلي عن مبدأ المساعدات لتمويل الإنفاق الجاري، وإنما جرى فقط استبدال هذه المساعدات بأخرى أمريكية، واستمر الأردن بتوقيع الاتفاقيات مع النقد الدولي لغاية 2019 في تسع اتفاقات مع الصندوق مقابل الحصول على ائتمانات متعددة، أدت هذه الالتزامات المتتالية إلى سلسلة من السياسات ذات الأثر الملموس والمتمثلة بخفض النفقات الاجتماعية، وزيادة الإيرادات الضريبية، وإلغاء الرسوم الجمركية، وخصخصة الشركات الحكومية، وتحرير سوق العمل، وتطوير القطاع المصرفي والمالي.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
30 عامًا من «الإصلاح الاقتصادي».. هل أدمن الأردن عقاقير صندوق النقد الدولي؟

بالمقابل، وجدت الحكومات المتعاقبة نفسها محرومة من مصادر الدخل المهمة، ما زاد في ضعفها واعتمادها على المؤسسات المالية، وذهب ما نسبته 88% من عوائد الخصخصة لسداد وإعادة هيكلة الدين، ويظهر تتبع الميزانية في نشرات وزارة المالية، أن مديونية المملكة ارتفعت بمقدار ضعف ونصف تقريبًا عما كانت عليه في 2008، إذ كانت (8.5) مليار دينار، والارتفاع المتصاعد الكبير في المديونية بدأ منذ 2011 بطريقة دراماتيكية سريعة من (11.4) مليار دينار إلى (16.5) مليار دينار بنهاية 2012، وفي عام 2013 صعد إلى (19) مليار دينار وصولًا إلى (20.4) مليار دينار، ومع نهاية عام 2018 وصل إلى (28) مليار دينار أردني، وتكمن الأسباب في الصعود في المديونية تعرض المملكة لصدمات خارجية، ولكن قبل العام 2011، كان السبب الرئيسي هو التوسع في النفقات الجارية.

ويظهر أيضًا أن الحكومات لم تعتمد فقط على النقد الدولي، فباشرت بأخذ قروض متعددة الجنسيات من حكومات ألمانيا، وسويسرا، وإسبانيا، وإيطاليا، والدنمارك، واليابان، والسعودية، والكويت، وبلجيكا، وكوريا، وفرنسا، والصين، ومنظمة أوبك، وأبو ظبي، والصندوق الأوربي والعربي، وبنوك محلية، وسندات عالمية وهناك قروض أخرى، والديون من البنوك المحلية وصلت إلى 3.5 مليار دينار.

الحكومة الجديدة على خطا سابقتها في عيون الأردنيين

«السوداوية لا تولد إلا سوداوية» كلمات وجهها الرزاز في أجواء متوترة مع نائل الكباريتي رئيس «غرفة تجارة الأردن» خلال حديثهم عن التحديات الاقتصادية، لكن اليوم ومع العبء الاقتصادي الذي ستخلفه حكومة الرزاز للحكومة الجديدة، باتت مخاوف الكباريتي تطفو على السطح خاصة مع أعلن وزير المالية الأردني محمد العسعس، أن الوزارة وبالاتفاق مع صندوق النقد الدولي في البرنامج الأخير مع المملكة، ستستبعد أموال صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي من دين الحكومة عند حساب نسبة الدين من الناتج المحلي الإجمالي.

القرار الجديد يراه الخبير الاقتصادي فهمي الكتوت، في مقاله بموقع «الرأي اليوم»، يصب في مصلحة الحكومة الجديدة، عبر إفساح الطريق لها لطلب المزيد من القروض الخارجية، وتغير مفهوم الدين الحكومي ليس سوى تلاعب بالألفاظ لتخفيف أثر الدين وما خلفته الحكومة الحالية، فالاستبعاد يخفف من نسبة الدين العام خفض المديونية إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من 101% من الناتج المحلي الإجمالي، يعني أن المعادلة بشكل مبسط أن نتخيل رب أسرة يحسم قيمة راتبه من رصيد الدين المطلوب منه، في الوقت الذي لم يخصص فلسًا واحدًا من هذا الراتب لتسديد أقساط الديون.

وتوقعت لما العبسة الخبيرة الاقتصادية في حديثها مع وكالة «سبوتنيك»، تشكيل حكومة تصريف أعمال، التي يمكن أن تعزز اقتصاد السوق جزئيًّا، عبر تشجيع المشاريع الصغيرة وتخفيض الضرائب، لكن على المدى البعيد فهي بحاجة لتعزيز الاقتصاد الوطني الذي لا يمتلك رؤية مالية، حتى من خلال كيف سيتم تمويل المصاريف، مع تأكيد زيادة العجز في الفترة القادمة بعد استقالة الحكومة الحالية.

مشاهد الاحتجاجات.. هل ستعود؟

أجج مشروع الإصلاح الضريبي الذي أطاح حكومة الدكتور هاني الملقي رئيس الوزراء الأسبق الشارع الأردني، فخرج المئات من الشباب في مظاهرات عارمة اجتاحت العاصمة عمان وعدة محافظات أردنية نهاية شهر مايو (أيار) 2018، المشروع هدف إلى فرض زيادة في أسعار الكهرباء والمحروقات. كان الهدف المُعلن لهذه الإجراءات هو احتواء الدين العام البالغ قدره 38.5 مليار دولار أمريكي أي ما يعادل 95.8% من الناتج الإجمالي المحلي لعام 2017.

ورأى موقع «حبر»، أن الاحتجاجات وظفت لاستدامة المجموعة الحاكمة؛ باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على ضبطها والتعامل معها بما يضمن تنفيذ الشروط الوظيفية المطلوبة (كالاشتراطات الاقتصادية المرافقة لقروض صندوق النقد، أو الاشتراطات السياسية المرتبطة بالمساعدات الأمريكية… إلخ). أيضًا، استخدمت السلطة الاحتجاجات لاستقدام منح وتمويل من مصادر أخرى (مثل الدول الخليجية)، ومد جداول التنفيذ الزمنيّ لاشتراطات المموّلين، الأمر الذي أتاح لها ديمومةً أطول وأعمق.

سياسة

منذ 3 سنوات
توجهات الأردن الاقتصادية.. مفارقات لا تُحتمل خفّتها

بعد ما يقارب عقدين من الزمان، انصاعت فيهما الأردن لوصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الخاصة بنجاعة الاقتصاد والخروج من المأزق، نشرت مجلة الإيكونوميست الإنجليزية المختصة، مقالًا في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تصف فيه الأحوال في الأردن، قائلةً إن «العرش الملكي في البلاد لا يتمتع بالاستقرار الكافي».

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الأردنيون تسمية الحكومة الجديدة، يقول وليد السلطي المتخرج في كلية الاقتصاد في جامعة اليرموك، لـ«ساسة بوست»: «المعاناة من الظروف الاقتصادية الصعبة والاستثنائية، ستولد شحنات يُنتظر شرارتها في حال خضعت الحكومة الجديدة لقرارات البنك الدولي، كزيادة الضرائب كما حدث مع حكومة الملقي، وهو نداء بالعودة إلى الدوار الرابع خاصة مع تحميل الحكومة الحالية لمديونية لم تكن بالحسبان، فالمواطن خدع بالتصريحات الإعلامية التي أشارت أن الأردن يمضي إلى تعافٍ اقتصادي، لكن مع انتهاء صلاحية الحكومة ظهرت الفاجعة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد