مرت مباحثات ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، بجولات عديدة، لم تُسفر عن شيء، بشأن هذه القضية الحيوية لكلا الجانبين، إلا في الزيارة الأخيرة للملك سلمان إلى مصر، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية لإعادة ترسيم الحدود بين البلدين. هذه الاتفاقية، التي لم يكشف أيٌّ من الطرفين عن تفاصيلها بعد، تُثير العديد من التساؤلات حول النزاع التاريخي على جزيرتي «تيران» و«صنافير»، وتشابك خيوط المصالح التجارية والسياسية بين البلدين.

ماذا تعرف عن جزيرتي «تيران» و«صنافير»؟

هما جزيرتان تقعان عند مدخل خليج العقبة، بين الجهة المصرية والسعودية. والجزيرتان في الأساس غير مأهولتين، وتصنعان معًا ثلاثة ممرات من وإلى خليج العقبة، الأول منها، بين ساحل سيناء وجزيرة تيران، وهو الأصلح للملاحة بعمق 290 مترًا، ويُسمى ممر «إنتربرايز».

الممر الثاني أيضًا، بين ساحل سيناء وجزيرة صنافير، لكنه أقرب إلى الجزيرة على عكس الأول، ويُسمى بممر «جرافتون»، وعمقه 73 مترًا فقط. أما الممر الثالث الأخير، فهو الواقع بين جزيرتي تيران وصنافير، بعمق 16 مترًا فقط. مع هذا كله تتضح أهمية الجزيرتين، اللتين عبرهما يُمكن غلق الملاحة في اتجاه خليج العقبة.

وتخلو الجزيرتان من أية مظاهر للحياة، عدا وجود مُعسكر لقوات المراقبة الدولية، وبعض من أفراد الشرطة المصرية، ولا توجد عليها أية قوات مُسلحة، حسب معاهدة كامب ديفيد.

ما الذي تكشفه الخرائط القديمة عن تبعية الجزيرتين؟

تُظهر إحدى الخرائط القديمة، التي تعود لعام 1897، أن تبعية الجزيرتين تعود إلى أراضي الحجاز، وذلك قبل قيام الدولة السعودية في سبتمبر (أيلول) 1932. على هذا إذًا، تُصبح الجزيرتان سعوديتين، وفقًا للحق التاريخي الذي قررته الوثيقة المعروضة، رغم وجود دعاوى مصرية، بأن الجزيرتين مصريتان منذ عهد الفراعنة.

تيران

على كلٍّ، إذا كانت الجزيرتان سعوديتين، فكيف وصلتا إلى يد مصر؟ هذا ما يُجيب عنه ضابط المُخابرات السعودية السابق، والمُستشار السابق لمجلس الوزراء السعودي، «أنور عشقي»، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، قال فيها إنّ «الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، هو من منح حق إدارة الجزيرتين لمصر، على خلفية العداء والحرب المستمرة بين إسرائيل ومصر آنذاك، وإداركه الأهمية الاستراتيجية لهاتين الجزيرتين لصالح مصر في هذه الحرب، من خلال منع السفن الإسرائيلية من المرور من وإلى إيلات».

«عشقي» الذي يشغل منصب رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط، والمعروف بقربه من دوائر الحكم، أضاف أنّ «الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، أدرك الخطر المُحتمل من قبل إسرائيل، تجاه الجزيرتين، فقرر أن يُعطي حق إدارتهما إلى مصر؛ للظروف التي كانت تحيط بها، وكشكل من أشكال الدعم والتعاون بين البلدين، وذلك بعد سجال تاريخي امتد قبل هذه الفترة، على هاتين الجزيرتين أيضًا».

في المقابل، يجد اللواء محمود خلف، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية، أن هاتين الجزيرتين تقعان ضمن حدود السيادة المصرية، منذ حرب أكتوبر 1973، وهو «ما يمنح مصر حقًا مشروعًا في إدارتها، والسيطرة عليها بشكل مصري كامل».

لم يُنكر خلف، أن الجزر كانت تحت السيادة السعودية، ثُم انتقلت إلى مصر أثناء الصراع العربي الإسرائيلي، لكنه لا يُحب وصفها بعملية انتقال سيادة، وإنما بالمنفعة العامة العربية، و«العملية ليست بيعًا ولا شراءً».

الراوية المُتفق عليها تاريخيًا، والتي وجدت تطابقًا من المصدرين المصري والسعودي، اللذين تحدثا إلى «ساسة بوست»،هي أن الجزيرتين تابعتان للأراضي السعودية منذ قديم الأزل، حتى قبل نشأة الدولة السعودية. لكن رواية أُخرى من بين الكتب التاريخية، تُفيد بأن المملكة قد وافقت على إعطاء مصر حق إدارة الجزيرتين، في شكل تعاقدي، على أساسه تُصبح مصر مُستأجرةً رسمية للجزيرتين، وهي الرواية التي تحفظ عليها كلا المصدرين.

هل كانت هذه محاولة السعودية الوحيدة لترسيم حدودها البحرية مع مصر؟

سبقت هذه المحاولة محاولات عديدة من جانب السعودية، والتي بدأت في 2010، بالتزامن مع إصدار العاهل السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، مرسومًا ملكيًا بترسيم الحدود البحرية للمملكة في عمق البحر الأحمر، مع كل من مصر والأردن والسودان. وأبلغت المملكة بذلك الأمم المتحدة، التي أبلغت مصر بدورها، لكن دون أن يُسفر ذلك عن شيء واقعي.

عاودت المملكة الحديث عن هذا الأمر في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2011، إذ وصل رئيس الهيئة العامة للمساحة في السعودية، الفريق «مريع بن حسن الشهراني» ،إلى القاهرة، على رأس وفد من الرياض، في زيارة استغرقت يومين، أجرى خلالها الشهراني مباحثات مع المسؤولين المصريين لاستكمال اللقاءات، التي تمت بين مصر والسعودية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وتوقفت الإجراءات حول ترسيم الحدود لتعود مرة أخرى، في يوليو (تموز) 2015، عقب لقاءات موسعة ضمت الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، وولي ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود». حينها أعلن عن عدة بنود تم الاتفاق عليها، خرجت في ضوء «إعلان القاهرة». من بين البنود، كان تعيين الحدود بين البلدين، دون الكشف عن الكيفية أو الآلية.

لماذا تُعطي السعودية اهتمامًا كبيرًا للحدود البحرية هذه الفترة؟

أهمية كلتا الجزيرتين تعاظمت بالنسبة للمملكة العربية السعودية؛ لأسباب متعلقة بدورهما في مشروع «الغاز السعودي» في البحرالأحمر، والذي بدأ مع إعلان وزير البترول والثروة المعدنية السعودي، في 2012 عن اكتشاف شركة «أرامكو» الحكومية السعودية، حقل غاز جديد في شمال المنطقة المغمورة من البحرالأحمر، على بعد 26 كيلو مترًا، شمالي غرب ميناء «ضبا»، والذي يبلغ معدل تدفق الغاز فيه 10 مليون قدم مُكعب يوميًا، وذلك في «مكمن الوجه»، في «بئر شعور»،على عمق17 ألفًا و700 قدم. كما تدفق الغاز بمعدل 5.2 قدم مكعب قياسية في اليوم في اختبار آخر على عمق 17 ألفًا و275 قدمًا.

بالإضافة إلى ذلك، هُناك أهمية أمنية؛ كون جزيرة تيران تطل على «رأس حميد»، في السواحل الغربية لمدينة «تبوك» السعودية، فضلًا عن الأهمية الاستراتيجية للجزيرتين؛ كونهما تتحكمان في حركة الملاحة بخليج العقبة.

وبدأ الاهتمام السعودي الرسمي بالجزيرتين، منذ عهد الرئيس المخلوع محمد حُسني مبارك، قبل أن يتعاظم في الفترة الأخيرة، مع تحديد توقيت رسمي لإعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهو توقيت زيارة العاهل السعودي لمصر. وبالفعل وقع الطرفان اتفاق إعادة تعيين للحدود البحرية.

ما الذي سيترتب على عودة تبعية الجزيرتين للسيادة السعودية؟

الجزيرتان جزء من «المنطقة ج»، والمُحددة في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، كمكان لتواجد قوات حفظ السلام الدولي. وكانت قد تشكل قوة متعددة الجنسيات، برعاية أمريكية ـ مصرية ـ إسرائيلية قوامها حوالي 1900 جندي، من 11 دولة، لضمان التزام كلا الطرفين بالمعاهدة. بناءً عليه، تواجدت القوات الدولية في سيناء، مع فتح نقطة مراقبة دولية تابعة لها في جزيرة تيران، تحت اسم OP 3-11. وبعودة تبعية الجزيرتين للسيادة السعودية، فلن يكون لأي طرف الحق في تأمينها، سوى الجانب السعودي، مما يعني مُغادرة القوات الدولية للجزيرة.

تُرجح المصادر كذلك، أن تتضمن بنود اتفاقية إعادة ترسيم الحدود، التي لا تزال مجهولة رغم توقيعها رسميًا، تقسيم استكشافات الغاز والبترول في البحر الأحمر، باستثناء المنطقة القريبة من حلايب وشلاتين، وذلك لتجنب إثارة أي اعتراضات سودانية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد