لم يخلُ المشهد الإماراتي من معارضةٍ لاتفاق التطبيع مع إسرائيل؛ إذ حذر النشطاء الإماراتيون من أنه «يخترق الأمة في ثقافتها وقيمها واقتصادها ويعطي العدو غطاء رسميًّا»، ودشنوا «الرابطة الإماراتية لمقاومة التطبيع»، لكن هذه المعارضة لا ترقى إلى صخب الرفض الشعبي البحريني، الذي ظل صداه يتردد في جنبات شوارع الجزيرة الخليجية كل ليلة تقريبًا منذ الاتفاق؛ تنديدًا بالخطوة التي عدها البعض «خيانة»، وتبرأ منها آخر قائلًا: «هذا القرار لا يمثلنا كمواطنين بحرينيين. لم أشعر بهذا الكم من العار على مدار حياتي كلها»، وإن كان البعض قد أيدها انصياعًا لنصيحة حكامهم بأن ينظروا إلى «الجزء المملوء من الكأس».

دولي

منذ شهر
«ميدل إيست آي»: قطار التطبيع العربي مع إسرائيل.. هذه الدول قد تكون التالية 

فلماذا اختلفت ردود فعل البحرينيين عن الإماراتيين في حضرة التطبيع مع إسرائيل؟ الإجابة عن هذا السؤال يجدها المتابع منثورة بين جنبات التاريخ، وإحصائيات الديموجرافيا، وخطوط الجغرافيا.

فمثلما أن المعارضة الشعبية الحالية لا تنفك في جوهرها عن الصراع السياسي المحتدم في الداخل البحريني منذ سنين عددًا، فإن قرار التطبيع الأخير لم يكن مجرد ثمرة لجهود إدارة ترامب الدبلوماسية – كما يحاول هو وصهره كوشنر تصوير الموقف لأغراض انتخابية – بل تتويجًا لعلاقات هادئة ظلت لسنوات تترسخ تحت الطاولة، والأهم مخاوف مشتركة من إيران في ظل الفراغ الإقليمي الذي تخلفه واشنطن تدريجيًّا لصالح قوى أخرى.

بماذا يخبرنا التاريخ القريب عما يحدث الآن في البحرين؟

يخبرنا التاريخ القريب بأن البحرينيين كانوا دائمًا بالمرصاد لمحاولات حكومتهم التقرب من إسرائيل، وإن لم تتوقف «كرة الثلج التطبيعيَّة» عن التدحرج في البحرين منذ استقبال وزير البيئة الإسرائيلي، يوسي ساريد، ضمن أعمال لجنة البيئة في عام 1994م، ثم لقاء ولي العهد البحريني الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، مسؤولين إسرائيليين، أبرزهم وزير التعاون الإقليمي آنذاك شمعون بيريز، على هامش منتدى دافوس الاقتصادي في يناير (كانون الثاني) 2000م.

لم ينتصف العقد الأول من القرن الحالي حتى كانت السلطات البحرينية تغلق مكتب مقاطعة إسرائيل في مايو  (أيار) 2006م؛ عربونًا لتصديق الكونجرس على اتفاق التجارة الحرة، وهو العام نفسه الذي عُينت فيه اليهودية هدى عزار نونو ممثلة لأبناء الديانة اليهودية في مجلس الشورى البحريني، قبل أن تشغل منصب سفيرة البحرين في الولايات المتحدة في يونيو (حزيران) 2008م.

وبنظرة متأنية نجد أن المعارضة الشعبية البحرينية لهذا التقارب مع إسرائيل إنما كانت تصطدم في الواقع بتوجهات الملك حمد بن عيسى آل خليفة؛ الذي تفاخر باتصالاته مع الموساد – بحسب برقيات ويكيليكس التي نشرتها صحيفة «هآرتس» في أبريل (نيسان) 2011م – ولم يكتفِ بإلغاء مقاطعة بلاده لإسرائيل، بل أعرب عن معارضته الشخصية للمقاطعة العربية، حسبما كشف الحاخام أبراهام كوبر.

ثلاثة عقود تقريبًا هي طول المسيرة التي لخصتها الفقرات الثلاثة السابقة، لكن ما روي عنها آنفًا ليس سوى الوجه الرسميِّ من القصة، أما الوجه الآخر فيحكيه الشعب البحريني الذي رفع شعار #البحرين_ضد_التطبيع احتجاجًا على مشاركة وفدٍ من الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم في اجتماع كونجرس الفيفا الذي استضافته البحرين في مايو 2017م.

وحين حاول رئيس الاتحاد البحريني لكرة القدم، الشيخ علي بن خليفة آل خليفة، تبرير تلك الخطوة بالفوائد المترتبة عليها، قائلًا «نحن ننظر دائمًا إلى الجزء المملوء من الكأس»، رد عليه رئيس الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع، جمال الحسن، بالقول: إن «المكتسبات التي تحققها البحرين ليست أغلى من الدم الفلسطيني. ولا شيء يبرر التطبيع مع محتل».

على هذا النسق، كان الموقف الشعبي البحريني في السابق رافضًا أشد الرفض لكل أشكال التطبيع، كما ظهر في التصريحات وبيانات المؤسسات الدينية والجمعيات السياسية والأهلية، بالإضافة إلى تصريحات نواب البرلمان وتنديد خطب الجمعة، وهو ما تجسد في انضمام البرلمان إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي طالبت بمنع رجال الأعمال المسؤولين الإسرائليين من حضور مؤتمر دولي للاستثمار في البحرين في أبريل الماضي، ثم لم يلبث الشعب البحرينيُّ اليوم، أن أعاد الكرَّة بصخبٍ أعلى.

هذا ما يخبرنا به التاريخ القريب عن رفض الشعب البحريني للتطبيع، ويفسر لماذا كان تنديده باتفاق السلام الذي احتفل به البيت الأبيض قبل أيام أشد صخبًا من جيرانه الإماراتيين، الذين سبقوه إلى فتح هذا الباب، لكنهم كانوا أكثر «تسامحًا» – من وجهة نظرهم – مع تقارب بلادهم مع دولة الاحتلال.

كيف تفسر الديموجرافيا البحرينية الرفض الشعبي للتطبيع؟

تُدلي الديموجرافيا كذلك بدلوها في تفسير هذا التوجُّه الشعبيِّ البحريني الأكثر رفضًا للتطبيع. صحيح أن سكان البحرين ليسوا على قلب رجل واحد؛ إذ ينقسمون بين سنة وشيعة بنسبة 60- 65% إلى 40- 35% على التوالي – وفق تقديرات معهد واشنطن – حتى لو كانت الإحصائيات الرسمية لا تعترف بهذه التقسيمات عند إحصائها لتعداد السكان البالغ عددهم مليون ونصف، وفق إحصائيات 2018م.

عدد سكان البحرين – مصدر البيانات: البنك الدولي

لكن عند الخروج من القوقعة الطائفية، تبدو الصورة مختلفة عما قد يبدو للوهلة الأولى؛ إذ يتبنى المسلمون السنة والشيعة في البحرين مواقف متشابهة في الكثير من القضايا الرئيسية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وطريقة التعامل مع إسرائيل.

والبحرينيون أمام هذا الملف الشائك، يميزون بين دعم السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، والانفتاح الفعلي على الدولة اليهودية؛ ففي حين أظهر ثلثا سكان البحرين من الشيعة والسنَّة توافقًا في عام 2017م على ضرورة بذل جهود عربية لإحياء محادثات السلام الفلسطينية- الإسرائيلية، أعرب 15% منهم فقط عن رأي إيجابي عندما سُئلوا عن «التعاون الفوري مع إسرائيل بشأن قضايا أخرى مثل التكنولوجيا، أو مكافحة الإرهاب، أو احتواء إيران».

هذا يعني أن الشعب البحريني، سنة وشيعة، ربما يتسامحون مع العلاقات التي تهدف في المقام الأول إلى دعم القضية الفلسطينية – وهذا يتشارك فيه كثيرون من أبناء المنطقة في واقع الأمر – لكن قليلين منهم هم الذين يظهرون تسامحًا حينما يتعلق الأمر بالتعاون المباشر مع المحتل، ناهيك عن تحوُّله إلى صديق.

ليس هذا كل ما تخبرنا به الديموجرافيا، فالشيعة في البحرين أقرب إلى إيران ومواقفها الإقليمية من السنة، حسبما تُظهِر استطلاعات الرأي، ويرجح أن تمنح الخطوة الأخيرة المعارضة الشيعية البحرينية زخمًا، بقدر ما ستمنح إيران ووكلاءها في المنطقة بضعة سهامٍ جديدة تستطيع توجيهها إلى الأسرة الحاكمة.

المجتمع المدني.. الخطر الذي سعت البحرين إلى اجتثاثه مبكرًا

لم يكن النظام البحريني غافلًا عن هذا التاريخ لحراكه السياسي، ولا تلك التركيبة الديمجرافية الفريدة، فبينما مرَ الربيع العربي على الإمارات مرور الكرام، دون أن يترك أثرًا في الشارع الإماراتي، في مقابل ضغوط حكومية ثقيلة الوطأة على الناشطين الحقوقيين؛ لم تكن الاحتجاجات التي اندلعت في البحرين عام 2011م أول المؤشرات التي لفتت انتباه النظام البحريني إلى المخاطر المحدقة بها في الداخل، والعقبات التي تقف في طريق سياستها الخارجية المصبوغة بالتبعية للسعودية والإمارات ومن ورائهما الولايات المتحدة وإسرائيل.

Embed from Getty Images

ولذلك سعت الحكومة سعيًا حثيثًا إلى «خلق مجتمع بديل لا يمثل الشريحة العامة للناس، ويحتكر العناوين البراقة حول حقوق الإنسان والتسامح والتعددية، ويتبنى بالنيابة عن الحكومة قيادة حملات التخوين والتشويه وتخريب السمعة، بغرض إسكات الأصوات المستقلة، التي تعبر عن الناس وهمومهم»، بحسب خبير أمريكي كان يزور البحرين منذ مطلع التسعينيات.

ومن المفارقات أن ما فرَّقته الطائفية – تاريخيًّا وديموجرافيًّا – جمعته الحكومة حين وجهت تهمة تهديد السلم الداخلي لأكبر جمعيتين سياسيتين في البحرين، هما: جمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيعية (الوفاق)، وجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) العلمانية الليبرالية، وبعدما قضت محكمة التمييز بالحل النهائي للأولى في فبراير (شباط) 2018م، صدر حكم بحل الثانية وتصفية أموالها في مايو 2017م.

غير أن طبيعة الصراع في البحرين كانت استثنائية بالمقارنة مع باقي الدول العربية التي شهدت احتجاجات في عام 2011م؛ إذ لم يُقطع الإنترنت كما حصل في مصر، ولم يُحجب موقع «فيسبوك» كما حصل في ليبيا، لكن السلطات اتبعت أسلوبًا مبتكرًا، تمثل في إثارة حرب عبر مواقع التواصل الاجتماعي تبدو من خلالها الصورة الحقيقية مشوشة للغاية.

وبخنق المجتمع، وتشويش الصورة الحقيقية، وتشويه الحراك السياسي، وتصوير المعارضة السياسية بأنها طائفيَّة – وإن كانت الظروف الإقليمية أسهمت في صبغ حراك 2011م بلون معين – كان النظام البحريني يمهِّد مبكرًا لخطوات أكثر جرأة، مثل قرار التطبيع الأخير، بأقل قدر ممكن من الاعتراض الداخلي، لولا أن التنديد الصاخب الصادر عن المجتمع المدني أثبت أن الحكومة لم تنجح في خنق الأصوات المعارضة تمامًا، رغم إنهاكها على مر السنين.

للجغرافيا أيضًا كلمة.. مخاطر ما بعد التطبيع

على نسق التاريخ والديموجرافيا، تلفت الجغرافيا أنظارنا إلى موقع دولة البحرين الاستراتيجي قبالة ساحل الخليج السعودي، حتى باتت تعرف بالفناء الخلفي للمملكة، وهو ما يسلط الضوء بالتبعية على العلاقات الخليجية المتوترة مع إيران، حتى إن سايمون هندرسون، مدير «برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة» في معهد واشنطن، يحذر من أن انفتاح البحرين على إسرائيل قد تكون له تداعيات أكثر خطورة عليها من خطوة الإمارات، ولذلك ينصح بـ«حماية علاقة البحرين المستقبلية مع إسرائيل من حزمة مخاطر، حتى أكثر من خطوة التطبيع الإماراتية».

Embed from Getty Images

ومن المفارقات أنه في اليوم التالي مباشرة من صدور هذا التحذير أطلق الحرس الثوري الإيراني تهديدًا عبر موقعه الإلكتروني جاء فيه: «على الجلاد الذي يحكم البحرين أن ينتظر انتقامًا قاسيًا من المجاهدين الساعين لتحرير القدس ومن شعب هذا البلد المسلم الشامخ»، وانضم إليه «حزب الله» اللبناني قائلًا: إن «كل المبررات التي يسوقها هؤلاء الحكام المتسلطون لا يمكن أن تبرر هذه الخيانة العظمى والطعنة المؤلمة للشعب الفلسطيني وقضايا الأمة العادلة».

بيدَ أن وزير الداخلية البحريني كان له رأي آخر؛ إذ رأى أن الاتفاق مع إسرائيل سيؤدي لحماية مصالح البحرين في ظل ما وصفه بالخطر القادم من إيران. هذه الحماية المرجوَّة قد تشدد القبضة الأمنية التي تواجه بها البحرين احتجاجاتها الداخلية، وكما قال جراهام جريفيثز، المدير المساعد في مؤسسة كنترول ريسكس للاستشارات: «ستمنح الخطوة بعض المنزلة للبحرين لدى واشنطن، وهو ما قد يحد الضغط، المحدود أصلًا، من الولايات المتحدة على سياساتها الداخلية».

وماذا عن الإمارات؟

ربما تكون الإمارات أكثر تسامحًا – وهو المصطلح الذي يفضل النظام هناك استخدامه لتبرير خطوته المثيرة للجدل – لكنها ليست بمنأى عن مخاطر ما بعد التطبيع، فعلى الرغم من التأكيد الرسمي المستميت على أن الاتفاق لا يستهدف إيران، سيجد هذا البلد نفسه، شاء أم أبى، ساحة صراع بين إسرائيل وإيران، التي سارعت إلى القول إنه لم يعد بيننا وبين الإمارات حسن جوار بعد الآن.

بل حذَّر جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، من أن هذه الخطوة قد تدفع إحدى المجموعات المسلحة إلى تنفيذ هجوم واسع النطاق داخل الإمارات.

مجتمع

منذ شهرين
«جيروزاليم بوست»: هذا ما يطمح إليه اليهود في دبي بعد التطبيع الإماراتي

صحيح أن أجهزة المخابرات الإماراتية نجحت حتى الآن في منع مثل هذا الهجوم، ومن المؤكد أنها ستحصل على المزيد من المساعدة بعد توقيع هذه الاتفاقية، لكن ألترمان يحذر من «تجاهل العاطفة التي ما يزال بعض الناس ينظرون بها إلى قضية فلسطين».

وتجاهل تلك العاطفة الشعبية ربما تثبت الأيام أنه أخطر على المُطَبِّعين من التهديد الإيراني، فهل تؤتى البحرين والإمارات من حيث أرادتا الحماية؟

المصادر

تحميل المزيد