تعددت أنشطة الإنسان عبر التاريخ فتراوحت في قيمتها وأهدافها وشكلت تلك الأنشطة المُمارسة هوية وثقافة لكل شعب يتميز فيها عن غيره من الشعوب الأخرى.

القراءة بأشكالها المتعددة تعتبر واحدة من أرقى الأنشطة التي مارسها الإنسان ,فهي مؤشر مهم لتقييم المجتمعات وقياس مدى تقدمها وتحقيقها للتنمية والتمكين المجتمعي في حال كانت جزءًا أساسيًا في حياة الفرد، أو مستوى التخلف والرجعية الفكرية إن لم تكن القراءة من أولويات حياة ذاك المجتمع, بالإضافة إلى كونها واحدة من أهم أسباب النهضة للدول والتي تمكنها من تحقيق مستوى عالٍ من الرفاهية والقدرة على قيادة نفسها وما جاورها من دول.

في هذا الصدد سُئل فولتير ذات مرة عمن سيقود الجنس البشري فأجاب “الذين يعرفون كيف يقرؤون”.

لو نظرنا في الإحصائيات والدراسات التي تتحدث عن واقع القراءة والبحث العلمي في الدول العربية ستجد مأساة كبيرة قد تستطيع أن تُفسر بعدها جل المشاكل التي تعاني منها وتبين لك الفجوة الحقيقية بين المجتمعات الحديثة والنامية.

ثلة من المبادرات المعرفية الأردنية أقامها شباب مثقف يسعى لإعادة الكتاب لمكانته الرفيعة في المجتمع عبر خلق حالة ثقافية تجعل القراءة جزءًا أساسيًا من فكرة المجتمع عن طريق تأسيس الأندية الثقافية ومعارض الكتاب المتنوعة.

ساسة بوست حاورت بعض النشطاء والمهتمين في هذا التقرير:

القراءة في الأردن

تُبين إحدى الإحصائيات أن أكثر الدول اهتمامًا بالقراءة ودور النشر في العالم العربي هي لبنان وتليها الأردن ثم مصر, فالقراءة في الأردن تعطي مؤشرًا أكبر من غيرها من الدول العربية، وذلك يعود لتعدد الفرق الثقافية وتعدد توجهاتها ومستوى طرحها بين النخبوي والمجتمعي ومتوسطي الحصيلة المعرفية، وقد ساهمت العديد من الأندية الثقافية بدعم مشروع القراءة في الأردن.

النوادي الثقافية في الأردن

تعددت الأندية الثقافية في الفترة الأخيرة بالأردن حتى أصبح من الصعب إحصاؤها. يخبرنا حمزة ياسين عضو فريق إنسان الذي تأسس في 2011عن السياق الثقافي الذي يدور حوله الفريق ويقول: “الحالة الثقافية في العالم العربي عمومًا وفي الأردن خصوصًا تعاني من انسداد في الأفق, فالأجوبة المعلّبة, والأيديولوجيات الصلبة, تقدّم أجوبة مختزلة ومشوّهة عن الأسئلة الرئيسة والملحّة في أذهاننا. وهنا كانت الحاجة لإيجاد وسط للحوار والتثاقف والتفكير الحر يهدف إلى البحث والتدارس حول أسئلة الواقع والفكر والإسلام والإنسان”.

الشابة آية طنطاوي تخبرنا عن فريق تنوين الذي تأسس أيضًا في 2011، انبثق تنوين من التكليف الأول في كلية الشريعة الإسلامية، “اقرأ ” ولأن نبض تطور الأمم هي القراءة، فاتخذ الفريق هذا الهم على عاتقه في تكوين فئات مجتمعية قارئة واعية تتغيَّر وتُغيِّر.
إن ما يميز تنوين هو استهدافه لمختلف شرائح المجتمع ببرامج تناسب أعمارهم ومستوى النضوج المعرفي لديهم فهم يستهدفون طلاب الجامعات عبر فرقهم المنتشرة فيها بالإضافة لطلاب المدارس حيث أصبح هناك سفراء داخل أكثر من مدرسة وينظمون فعاليات خاصة بهم بالتعاون مع إدارة المدرسة، تضيف آية.

هل ساهمت الأندية بنشر ثقافة القراءة في المجتمع الأردني؟

يتحدث المستشار التربوي الدكتور خليل الزيود عن التأثير الإيجابي والمهم الذي أحدثته تلك الفرق والأندية ومساهمتها في إيجاد “حراك ثقافي” كبير جذب الكثير من فئات المجتمع على اختلاف اهتماماتها وتوجهاتها بسبب تنوع أسلوب الطرح الذي تميزت به تلك الأندية. ويضيف بأن مشاركة الكثير من الشباب الأردني للملتقيات الفكرية والثقافية المنتشرة في المملكة هو دليل على التأثير الذي أحدثته تلك المبادرات.

يؤكد حمزة – عضو فريق إنسان – على ذلك، فيقول أن غالبية من ارتبط بهذه الفرق تأثر بها وبطبيعة علاقتها مع القراءة، وزاد اهتمامه بها، و هذا يدل على مدى قدرة المشروع الثقافي على الاتساع ليشمل جميع شرائح المجتمع.

“إن تشكل حالة قراءة على المستوى المجتمعي والاهتمام بها مهما كان مستواه هو شيء مهم ويكسر من رتابة هذا المجتمع ويساهم بتحريك المياه الراكدة، ليس بالضرورة أن تنتج حالة وعي، لكن قد يعول عليها فيما بعد، وهذا الكلام ينسحب على المبادرات الثقافية ( التي لا بد من توجيهها) ومعارض الكتب المختلفة”. هذا كان رأي حمزة.

آية تقول أن المبادرات بحد ذاتها مقياس يدل على الانتشار الفكري والثقافي المتزايد وذلك يخلق جوًّا تنافسيًا لطرح برامج متينة ذات استمرارية.

كيف سهلت معارض الكتب القراءة عند المواطن؟

Exif_JPEG_PICTURE

Exif_JPEG_PICTURE


يغيب عن الأردن معارض الكتب الرسمية الكبيرة مثل تلك التي تُعقد في السعودية وقطر ومصر، ويرى د.خليل الزيود أن هذا ليس مؤشرًا على مستوى الوعي لأن مثل تلك المعارض تُنظم من الدولة ذاتها وبالتالي هي المتحكمة فيما يُعرض من كتب.
بينما شهدت الفترة الأخيرة العديد من معارض الكتب الشعبية مثل معرض نون الذي ينظمه فريق انكتاب والذي يهدف إلى
تمكين الأشخاص محدودي الدخل من اقتناء وقراءة الكتب عن طريق تمرير الكتب التي انتهى الناس من قراءتها لآخرين بأسعار رمزية تتراوح بين (10 قروش- دينارين) الأمر الذي يتيح لشريحة أكبر من الناس فرصة القراءة وتدوير المعرفة .
يشمل المعرض بالإضافة لبيع الكتب ورشات عمل مختلفة وعرض أفلام، وكذلك زاوية خاصة بالأطفال وأخرى لتوقيع الكتب والأمسيات الشعرية، واستضاف المعرض عددًا من الأدباء والروائيين مثل الشاعرين مريد البرغوثي وتميم البرغوثي
والروائي أيمن العتوم والكاتب الساخر أحمد حسن الزعبي وغيرهم. مما يخلق زخمًا جديدًا على المستوى الثقافي في الأردن.

إحدى المعارض الشعبية الأخرى وهي “أزبكية” عمان المستوحاة فكرتها من سور الأزبكية في القاهرة والتي تبيع الكتب بأسعار رمزية لتشجيع المواطن العادي على شراء الكتاب وتكوين ثقافته الخاصة حيث تقيم الأزبكية معارض للكتب في مختلف الجامعات الأردنية وأماكن تجمع المواطنين في المحافظات.

مكتبة الرصيف

أسست مؤسسة عبد الحميد شومان ولأول مرة في الأردن مكتبة رصيف تتيح للمارة استعارة أي كتاب ثم إعادته متى ما أراد فهي لا تحتاج لأي شكل من أشكال العضوية. وتهدف المبادرة إلى تنمية العلاقة بين القارئ والكتاب والارتقاء بوعي المواطن.

ثورة القراءة في السوشال ميديا

اعتمدت غالبية الفرق في الإعلان عن نشاطاتها وجلساتها الحوارية عن طريق عمل “إيفنت” على مواقع التواصل الاجتماعي ودعوة الأصدقاء والمهتمين لها فكانت تلك المواقع المنبر الأول للإعلان عن أي فعالية, ليس ذلك فحسب بل كانت الصفحات الرسمية لتلك الفرق بوابة لعقد العديد من النقاشات الإلكترونية ونشر المعرفة من خلالها عبر المراجعات الفكرية للعديد من الكتب.

فريق تنوين كان له تجربة مميزة في هذا الصدد فقد عُقدت العديد من المسابقات والفعاليات المستمرة عبر إيفنت ثورة عقل وبصمة قارئ التي لاقت تفاعلًا كبيرًا بين العديد من النشطاء من خلال طرح تساؤلات عديدة حول الكتب وتبادل للأفكار على فيس بوك وتويتر.

تأثير “الربيع العربي” على المشهد الثقافي

أحدث الربيع العربي والتحولات السياسية في المنطقة تأثيرًا واضحًا على مسارات الثقافة والمشاريع النهضوية في العالم العربي.
ولم يكن الأردن بمعزل عن تلك التغيرات التي جابت المنطقة فالحراك الشعبي السلمي كان له انعكاس واضح على المشهد الثقافي الأردني من ناحية الوعي الفكري الذي أصبح عند المجتمع وحصوله على قيم جعلته قادرًا إلى حد ما لامتلاك فكرة والعمل لها، بالإضافة إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم المغلقة التي كانت ضمن دائرة الأجوبة المعلبة والمسلَّم بها.

يضيف الدكتور خليل الزيود أن الأردن دولة فتية وغالبية سكانها من الشباب ونتيجة لتوافر مواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت التواصل بين الشباب من مختلف المناطق والتي اُعتبِرت بؤرة للحراكات السياسية للدول العربية أيضًا فإن الربيع العربي كان بمثابة دفعة للشباب الأردني لمناقشة العديد من الكتب الفكرية كتلك التي تتعلق بالجماهير والثورة وغيرها.
ولو دققنا النظر في تاريخ تأسيس العديد من المبادرات المعرفية لوجدناها متزامنة مع بداية الربيع العربي.

“إذا عثرت على طريق خالٍ من المصاعب والعقبات، فهو في الغالب لا يؤدي إلى أي شيء”.

في الحديث عن التحديات التي تواجه عمل تلك الأندية قد تجد الاستمرارية أولى تلك الصعوبات التي تحد من عمل الفرق سواء بالعائق المالي الذي يسبب انخفاضًا في كفاءة المشروع أو غياب الحماس لدى كادر الفريق. وكذلك ضعف التعاون بين الجهات الرسمية كوزارة الثقافة وتلك الأندية. بالإضافة لغياب الجوهر المتمثل بالمشروع الثقافي والوعي الفكري لدى بعض الفرق لأن ذلك يحتاج لمشاريع شمولية طويلة الأمد حتى تكون جزءًا من مسيرة النهضة المرسومة للمجتمعات العربية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد