تظلّ الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر خلال فترة التسعينيّات، أو ما يعرف بـ«العشرية السوداء»، والتي شهدت ارتكاب مجازر دمويّة رهيبة راح ضحيّتها حوالي 200 ألف ضحيّة؛ إحدى أهمّ الموضوعات البحثيّة في ميدان «النزاعات المسلّحة» ودراسات «مكافحة الإرهاب» في الجامعات الغربيّة، خصوصًا وأنّها جاءت مباشرة قبل أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وبالتالي مثّلت حالة خصبة لدراسة سلوكيّات الجماعة الجهاديّة المسلّحةـ والتفاعل والعنف فيما بينها، وهو ما حاولت الولايات المتحدة الاستفادة منه فيما بعد خلال غزو العراق سنة 2003.

ومع انطلاق «الحراك الشعبيّ» في 22 فبراير (شباط) الماضيـ الذي استطاع إيقاف العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقةـ ودفعه إلى الاستقالةـ بعد تدخّل الجيش، لم يُخفِ الكثير من المتابعين تخوّفهم من تكرار تجربة محاولة الانتقال الديمقراطي التي شهدتها البلاد بعد احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) 1988، والتي انتهت بعشريّة سوداء بقيت مشاهدها الدامية عالقة في الأذهان.

Embed from Getty Images

احتجاجات أكتوبر 1988

لا يمكن فهم الحراك الشعبي الحاصل الآن في الجزائر دون العودة إلى أوّل تجربة ديمقراطية عاشتها البلاد، ولو أنّها دامت أشهرًا معدودة فقط، لكن الأهمّ هو دراسة العوامل والأسباب التي حوّلت تلك التجربة إلى كابوس دمويّ حقيقي، وهو ما يحاول فعله كتاب «الجغرافيا المتخيّلة للعنف الجزائري»، لـجايكوب موندي، الأستاذ المساعد في جامعة «كولجيت» الأمريكية، والصادر سنة 2015 عن منشورات جامعة «ستانفورد»، الذي يدرس أكاديميًّا أبرز العوامل السياسية والاقتصاديّة والتاريخيّة التي أدّت إلى انفجار موجة العنف الصادمة، التي شهدتها الجزائر في التسعينيات.

يغلب على الدراسات التي تحلّل الفترة التي تلت أحداث أكتوبر 1988، بوصفها المحاولة الأولى للانفتاح الديمقراطي، منذ استقلال الجزائر، إرجاع أحداث العنف التي حصلت في فترة التسعينيات إلى الأسباب السياسيّة المباشرة، والتفسيرات المختلفة حسب الموقف من الجيش أو الإسلاميين، بين منتقد لخطاب الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذي وُصف بالصداميّ والمتطرّف، وبين مؤكّد على أن الجيش كانت له نيّة مبيّتة للانقلاب على المسار الديمقراطي أو عرقلته، مهما كانت النتيجة. 

في هذا السياق تشير لويزة آيت حمدوش، أستاذة العلوم السياسية في جامعة الجزائر إلى ملاحظة ذكيّة، تفيد بأنّ الساحة السياسية كلّها لم تكن مهيّئة للانتقال الديمقراطي حينها، فبعد الانفتاح السياسي والإعلامي الذي أعقب انتفاضة 1988، ظهرت في الساحة السياسيّة مجموعة من الشخصيات والأحزاب الجديدة، لكن رغم هذا التعدّد الظاهري، فإنها جميعها تنتمي في جوهرها إلى مدرستيْن سياسيّتين: مدرسة الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني)، وهم المناضلون القدماء في «جبهة التحرير»، الذين انشقّوا عنها وأسّسوا أحزابًا جديدة، من بينهم عبّاسي مدني نفسه، مؤسّس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، لكن هؤلاء السياسيّين أداروا أحزابهم بعقلية الحزب الواحد، الذي شكّل خيالهم السياسي، وهو ما يفسّر السلوكيات غير الديمقراطية التي اتّسمت بها ممارسات هذه الأحزاب والشخصيات، التي وقعت فيما انتقدته لسنوات طويلة.

أما المدرسة الثانية فهي مدرسة المعارضة السريّة أو غير النظاميّة، والتي لا تنطبق ممارساتها بالضرورة مع المبادئ الديمقراطية، بحكم قلقها الدائم من السلطة، وهاجس الاختراق الأمني، وهو ما أدّى بالكثير منها فيما بعد إلى الذهاب إلى حدّ دعم خيارات مناقضة للديمقراطية، مثل دعم الانقلاب العسكري الذي أوقف المسار الديمقراطي في يناير (كانون الثاني) 1992. 

صاحبة أكبر احتياطي للمياه الجوفية في العالم.. هل تعاني الجزائر من أزمة عطش؟

هل كانت جذور العشرية السوداء سياسية أم اقتصاديّة؟

في الفصل الذي عنونه الكاتب بـ«مقياس الحقرة» (hogra metrics)، وهي كلمة لها معناها الخاص في السياق الاجتماعي والسياسي المحلّي في الجزائر، وتحمل معاني الغُبن والظلم الاجتماعي وغياب العدالة؛ يحاول الكاتب أن يسلّط الضوء على جانب آخر غائب عن التحليلات التي تدرس العشرية السوداء، إذ لا يكتفي بالدوافع السياسية للعنف الذي أعقب محاولة الانتقال الديمقراطي، بل يشير إلى المدرسة الاقتصاديّة التي ترى أن الأزمة في جوهرها اقتصاديّة أكثر منها سياسيّة. 

هذا في حين يُرجع أنصار المدرسة السياسية أسباب العشرية السوداء إلى الأسباب السياسية المباشرة، وهي الصراع بين الإسلاميين والعسكر بعد توقيف المسار الانتخابي، وبالتالي فإن العنف في حقيقته كان صراعًا على السلطة استخدم فيه السلاح وسيلة لاستكمال الصراع السياسي القائم.

لكن أنصار المدرسة الاقتصادية يختلفون تمامًا مع هذا الطرح، فهم يرون أن الأزمة في جوهرها اقتصادي، وأن صعود الإسلام السياسي وحتى توقيف المسار الانتخابي هي في حدّ ذاتها نتائج، وليست أسبابًا. وبين المدرستيْن يظهر خلاف جوهري آخر في الطرح، إذ ترى المدرسة السياسية أنّ «لحظة الصفر» أو نقطة انطلاق الأزمة برُمّتها هي أكتوبر 1988، التي شهدت فيها البلاد انتفاضة شعبيّة قويّة، وسقوط عشرات القتلى والجرحى؛ ممّا أدى بنظام الرئيس الشاذلي بن جديد إلى إجراء إصلاحات سياسية وإعلامية، وإلغاء نظام الحزب الواحد، والتوجّه إلى انفتاح سياسي. 

لكن المدرسة الاقتصاديّة في دراسة العشرية السوداء ترى أن «نقطة الصفر» الحقيقية أقدم من ذلك، بالضبط ترجع إلى سنة 1986، التي شهدت خلالها البلاد أزمة اقتصاديّة خانقة بفعل انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 15 دولارًا للبرميل، وبالنسبة لبلد كان يعتمد حينها على مداخيل النفط من العملة الصعبة لتمويل أكثر من نصف ميزانيّته، فقد كان يعني ذلك كارثة اقتصاديّة حقيقيّة، أدّت باقتصاد البلاد إلى الانكماش (نسبة نمو سالبة)، وهو ما أدّى بالحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشّفية قاسية، تمثّلت في زيادة الضرائب، وتقليل الواردات، والاستدانة الخارجيّة.

وسرعان ما أفرز الوضع الاقتصاديّ الجديد واقعًا سياسيًّا جديدًا، يذكّر بشعار العقد الليبرالي الشهير «لا ضرائب بدون تمثيل»، فبم أن الدولة لا تحتاج للضرائب لتحصيل المداخيل (مثلما كان الحال في الجزائر الغنية بالنفط)، فإنها ليست مرغمة أن تُقاد من طرف ممثّلين عن الشعب، ممّا جعل الثروات النفطية لهذه البلدان – من منظور الديمقراطي- أقرب للّعنة منه إلى النعمة. النظام الذي وعد المواطنين بالتكفل بالتعليم، والتوظيف، والصحة، والتنمية، مُقابل الابتعاد عن السياسة، لم يعد قادرًا على تبلية كل هذه المتطلبات، وبالتالي لجأ إلى جيوب المواطنين لسدّ العجز في الميزانيّة، لكن الإجراءات التقشّفية لم تمتدّ إلى الطبقة الغنيّة الأعلى دخلًا بنسبة 10%، وهو ما عنى ترهّل شرعية نظام «جبهة التحرير» شيئًا فشيئًا، حتى الوصول إلى نقطة الانفجار في أكتوبر 1988.

تشير الدراسات إلى أنّ الاتجاه للعنف والحروب الأهلية، لا تحدث في البلدان التي تتّجه إلى القمع المطلق والتحكّم التام في المجتمع، كما لا تحدث في البلدان التي تكفل الحريّة التامّة وتحترم الممارسات الديمقراطية، بل يحدث بالذات في الحالات الوسط، وهي الحالة التي تنطبق تمامًا على الجزائر ما بين سنتيْ 1988 و1992؛ إذ إن البلاد كانت تعيش مُفارقة مدهشة: فقد شهدت انفتاحًا سياسيًّا وإعلاميًّا استثنائيًّا في تاريخها، وعرفت ظهور عشرات الأحزاب والجمعيات الجديدة، بالإضافة إلى وسائل الإعلام، وحركة سياسية وثقافية وإعلاميّة كبيرة.

لكن في الوقت نفسه واصلت الأجهزة الأمنيّة والبوليس السياسي ممارساتها القمعيّة، بالخصوص ضدّ أنصار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، لكن هذا التناقض بين الانفتاح السياسي من جهة، وتواصل الممارسات القمعية – حسب الكاتب- هي دائمًا ما تكون سمة البلدان الريعيّة، التي في طور السقوط.

Embed from Getty Images

كيف كانت تبدو الجزائر مباشرة قبل انفجار الأوضاع واتجاهها بسرعة جنونية نحو العنف؟ لعلّ الإجابة عن هذا تعطينا نظرة حول الأسباب الحقيقية وراء مأساة العشرية السوداء، فلم يتحوّل عشرات الآلاف من الشباب الجزائري بين ليلة وضحاها إلى الفكر الجهادي أو أصبحت فجأة فكرة العنف جذّابة بالنسبة لهم، بل إن الوضعية الاقتصاديّة أو «مقياس الحقرة» – بتعبير موندي- يعطي نظرة أدقّ إلى الوقود الذي ألهب العشرية السوداء.

وقد كان الوقود الرئيسي الذي غذّى هذه الأزمة، حسب الكتاب، هو البطالة. مئات الآلاف من الشباب الغارقين في البطالة دون أي مصدر للدخل، فطوال الثمانينيات منذ سنة 1985 إلى 1993 تضاعفت نسبة البطالة أربع مرّات، كما تراجعت الأجور تراجعًا حادًّا، وارتفعت أسعار المواد الغذائيّة بنسبة 40%. ومشكلة الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة لا تقتصر فقط على السخط والغضب الشعبي الذي يؤجّجه، بل إن المعضلة الرئيسيّة التي يسبّبها للدولة أكبر، إذ إن تراجع المداخيل يعني أيضًا تراجع الإنفاق على المجال الأمني والعسكري والتسليح، ممّا يقدّم هديّة مجّانيّة لأيّ قوى متمرّدة.

ويغوص الكتاب أكثر في أسباب الأزمة الأمنية التي عاشتها الجزائر خلال التسعينيات، ليحلّل ديمغرافيًّا الشريحة الشعبية التي مثّلت الوعاء القابل للتجنيد في صفوف الجماعات المسلحة، وهم الأطفال المولودون خلال الانفجار السكاني الذي شهدته الجزائر مباشرة بعد الاستقلال خلال السنوات ما بين 1962- 1982، إذ شهدت الجزائر تضاعف عدد السكان من 10 ملايين إلى 20 مليون خلال الفترة نفسها، وقد كانت في حينها إحدى أكثر البلدان في نسبة الزيادة السكانية في العالم. هذا الجيش من الشباب المولود خلال فترة الانفجار الديمغرافي، كان يعني بالضرورة جيوشًا من الشباب العاطلين عن العمل، غير القادرين على الزواج أو توفير مسكن، ففي سنة 1990، كانت نسبة البطالة لدى الشباب تبلغ رقمًا جنونيًّا يقدّر بـ90%.

إذن، هل كان سبب موجة العنف في التسعينيات المعروفة بـ«العشرية السوداء» سياسيًّا بالدرجة الأولى أم اقتصاديًّا؟ لم يحسم الكاتب القضيّة، واكتفى بالإشارة إلى كلتا المدرستيْن، لكن لا شكّ أن هذه العوامل جميعها، بالإضافة إلى السياق التاريخي والدولي حينها وعدّة عوامل أخرى، تحالفت لتصنع «عاصفة مثاليّة»، هيّأت الساحة الجزائريّة لتنحدر بسرعة البرق إلى مستنقع العنف.

هل يكرر التاريخ نفسه؟

نسبة البطالة المرتفعة جدًّا في صفوف الشباب، بالإضافة إلى أزمة سكن خانقة جعلت الجزائر صاحبة أكثر البيوت اكتظاظًا في العالم، مقرونة مع أزمة زواج بسبب ارتفاع نسبة الذكور مقارنة بالإناث، ومع شروط شبه تعجيزيّة للزواج؛ ممّا أشاع شعورًا كبيرًا الإحباط واليأس، جعل من شريحة الذكور الشباب المولودين بعد الاستقلال أشبه بالـ«قنبلة الموقوتة»، التي كانت تنتظر أدنى شرارة للانفجار، وقد لعبت الأزمة السياسية في التسعينيات دور الشرارة بامتياز.

Embed from Getty Images

بالعودة إلى سنة 2019، فإن هنالك العديد من التشابه الذي يمكن ملاحظته مع تجربة 1988، خصوصًا من الناحية الاقتصاديّة، إذ سبق الحراك الشعبيّ انهيار في أسعار النفط سنة 2014، وإجراءات تقشّفية قاسية، وزيادات في أسعار العديد من السلع الأساسية، بالإضافة إلى ارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب، وانتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية «الحرقة» إلى أوروبا، وهو ما يعني أن «مقياس الحُقرة» – بتعبير موندي- قد بلغ درجة الخطر.

ورغم الثناء الكبير من مراقبين من مختلف أنحاء العالم على الطابع السلمي للاحتجاجات الشعبيّة، التي تشهدها الجزائر منذ ستّة أشهر، فإن احتماليّة انحراف الأوضاع نحو العنف تبقى ممكنة، خصوصًا وأنّ بذوره المتمثّلة في حالة اليأس العامّة، والأوضاع الاقتصاديّة المتردّية، والأفق السياسي المسدود على المدى المنظور، ما تزال قائمة.

لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار الفروقات العمريّة الواضحة بين المنخرطين في الساحة السياسيّة في بدايات التسعينيات، وبين حراك 2019، إذ يغلب على الأخير مشاركة الكهول، وتبقى مشاركة الشباب – خصوصًا بوصفهم أكثر فئة قابلة للتعبئة والتجنيد- رمزيّة إلى حدّ كبير، في ظلّ ابتعاد قطاعات كبيرة من الشباب عن السياسة.

بينما شهدت التسعينيات انخراطًا استثنائيًّا للشباب في العمل الحزبي والصراعات السياسيّة، خصوصًا وأن حركات شعبويّة مثل «الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ» استطاعت اجتذاب فئات كبيرة من الشباب، بصفتها البديل الراديكالي الأقوى لنظام «جبهة التحرير الوطني»، في حين تعجز الأحزاب والحركات السياسيّة التقليديّة في 2019 من تقديم خطاب يجتذب الشباب إلى الساحة السياسيّة، فبعد أن شهدت مسيرات الحراك الشعبيّ الأولى مشاركة شبابيّة واسعة، عادت فئة الشباب لتنعزل إلى الظلّ بعيدًا عن السياسة.

يلقبونه بـ«المنجل».. الجنرال الجزائري الذي «حصد رؤوس» رجالات بوتفليقة

المصادر

عرض التعليقات