1,691

في عام 1985، ذهبت طباخة برتغالية إلى الطبيب، وطلبت منه أن تجهض ولدها بسبب حالة الفقر الشديدة التي كانت عليها أسرتها المكونة من زوج يعمل بستانيّ وابنتين وولد، رفض الطبيب طلب السيدة بحجة أنه لا يوجد أي داعٍ طبي للإجهاض؛ فعادت إلى المنزل وحاولت بنفسها إجهاض جنينها، ومع ذلك لم تُفلح محاولتها لتلد يوم الخامس من فبراير (شباط) عام 1985 طفلًا سيصبح بعد عدة أعوام واحدًا من أفضل لاعبي كرة القدم عبر تاريخها: كريستيانو رونالدو.

الفارق بين نيمار وكريستيانو أن نيمار يرى نفسه أكبر من باريس، بينما كريستيانو يعطي كل جهده للفريق وكأنه لاعب صغير. *محمد أبو تريكة

بعد أن سُحبت قرعة الدور السادس عشر لدوريّ أبطال أوروبا، والتي أسفرت عن وقوع باريس سان جيرمان في مقابلة ريال مدريد بدا واضحًا للجميع أنها أقوى مباراة ستُلعب في هذا الدور، ريال مدريد حامل اللقب آخر عامين وأكثر فريق حقق دوري الأبطال عبر تاريخها باثني عشر بطولة، يواجه باريس سان جيرمان الذي يكتسح كل من يواجهه هذا الموسم بثلاثي ناريّ مكوّن من أغلى لاعب في تاريخ كرة القدم نيمار، والموهبة الفرنسية التي فرضت نفسها بقوة كيليان مبابي، وأمامهما الأوروجوياني إديسون كافاني.

لنعد قليلًا إلى ما قبل المباراة

 ريال مدريد يمر بأسوأ مواسمه على الإطلاق في بطولة الدوري؛ إذ يتخلف عن برشلونة متصدر الدوري الإسباني بـ17 نقطة، وكان قد خرج من بطولة الكأس على يد فريق ليجانيس، كذلك حلّ ثانيًا في مجموعته بدوريّ الأبطال خلف توتنهام. ثلاثي الريال الأمامي رونالدو وبنزيما وجاريث بيل لا يمرون بأفضل مستوياتهم، فالأول يمتلك 11 هدفًا فقط في الدوريّ، والثاني يعاني من صافرات الاستهجان التي تلاحقه من قِبل الجماهير؛ إذ أحرز هدفين فقط مع ريال مدريد في الدوري، بينما الثالث عانى من إصابة طويلة في بداية الموسم ولم ينسجم بشكل كامل مع الفريق.

على الجهة الأخرى يمر باريس سان جيرمان بموسم متميز للغاية، يتصدر الدوري الفرنسي بفارق 16 نقطة عن أقرب ملاحقيه، وتصدر مجموعته في الأبطال على يد عملاق ألمانيا بايرن ميونخ، وصاحب أقوى خط هجوم في دوري أبطال أوروبا قبل المباراة بـ25 هدفًا.
كل المؤشرات والترشيحات كانت تصب في خانة الفريق الفرنسي، نيمار خرج من برشلونة في سعي حثيث نحو الكرة الذهبية، التي يمر الطريق إليها حتمًا بالتتويج بدوري الأبطال، والمدرب أوناي إيمري الذي ذاق مرارة عودة تاريخية على يد نجمه الأول نيمار في الموسم الماضي أمام برشلونة، بدا وكأنه قد تعلم الدرس وفطِن للمواجهات الكبرى؛ ففاز على بايرن ميونخ بثلاثية نظيفة في دوري المجموعات. لكن ما غفل عنه الكثير أنّ المهارات قد تجلب انتصارًا أو اثنين، لكنها  لا تجلب بطولة، فالشخصية القيادية وإيمان الفريق بنفسه وبشعاره يلعبان دورًا مهمًا في كرة القدم.

بداية المباراة.. ريال مدريد ليس لديه ما يخسره

دائما يتأثر مشجعو كرة القدم بالنتائج، تبقى هي الصورة الماثلة في الذهن بغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي قادت إليها، وفي بعض الأحيان تُخفي النتائج كثيرًا مما حدث على أرضية الملعب. لكن لا يمكن الحُكم على مباراة كاملة من خلال النتيجة فقط.

فعند تقسيم المباراة لشوطين، وتحليل كل شوط على حدة؛ نجد أن ريال مدريد بدأ المباراة بتشكيلة أقرب إلى 4-4-2 تتخذ شكل الدايموند (أو المُعيّن) من خلال تواجد كاسيميرو أمام رباعي خط الدفاع، ومن أمامه على دائرة المنتصف (السنتر) يقف مودريتش وكروس وأمامهما إيسكو خلف كريستيانو الجناح الذي يميل مع بنزيما إلى قلب الهجوم لينطبق رسم الدايموند تمامًا على تشكيلة الفريق.

في المقابل فاجأ أوناي إيمري الجميع بوضع كيمبمبي قلب دفاع بجوار ماركينيوس، بدلًا من قائد الفريق تياجو سيلفا، ربما لا يتفاءل المدرب كثيرًا بتياجو سيلفا الذي كان حاضرًا في مباراة الريمونتادا الشهيرة، أو وجد إيمري في كيمبمبي قدرة على استخلاص الكرات وإرسالها للاعبي خط الوسط بدون أخطاء. وهو ما قام به اللاعب بالفعل أثناء المباراة.

 كذلك فضّل إيمري عدم الدفع بلاعب الارتكاز صاحب الخبرة الكبيرة لاسانا ديارا، واعتمد على سيلسو في قلب الملعب بجوار رابيو وفيراتي، وبالطبع ثلاثي الأمام لا يتغير، كافاني ومبابي ونيمار. الخطة إذن هي 4-3-3 الكلاسيكية للغاية، والتي تعطي الكرة أكثر للأجنحة بدلًا من عمق الملعب،  نظرًا إلى قوة نيمار ومبابي على الجناحين ومهارتهما الخاصة.
في أول 10 دقائق من اللقاء ضغط ريال مدريد مبكرًا في محاولة حثيثة لإحراز هدف السبق، لم يعد لريال مدريد ما يخسره هذا الموسم، وأصبحت هذه البطولة هي الوحيدة -عمليًّا- التي ينافس فيها، لذا شاهدنا تضحيات بدنية كبيرة من كروس الذي سيصبح في ما بعد أكثر من ركض في المباراة من الفريقين، ومودريتش الذي كان حلقة الوصل من منتصف نصف ملعب الريال إلى إيسكو والمهاجمَيْن.

بعد العشر دقائق الأولى تراجع الريال قليلًا، وأعطى باريس فرصة الاستحواذ على الكرة، لكنه استحواذ شابه خوف أوناي إيمري من الهزيمة؛ فبدا الهدوء والسلبية في الملعب، حتى الدقيقة 26، والتي اختطف فيها فيراتي الكرة ومررها إلى نيمار الذي راوغ مدافعي الريال، وعند محاولته إيصال الكرة لمبابي تعثر فارتدت بهجمة مرتدة خطرة أضاع فيها رونالدو انفرادًا صريحًا وسط تألق من الحارس أريولا.

بعد الانفراد أحكم باريس سان جيرمان استحواذه على الكرة، وبدأ في شن هجمات على ريال مدريد مستغلًا تأخر عودة ثنائي الوسط مودريتش وكروس إلى مواقعهما؛ فأتى الهدف الأول بتمريرة بالكعب من نيمار إلى رابيو الذي تأخر مودريتش وإيسكو في الرجوع معه ليعلن الهدف الأول.

المتابع الجيد لريال مدريد هذا الموسم يدرك أن مشكلة الفريق بالإضافة إلى عُقم خط هجومه، تكمن في خط الوسط، إذ إن أي فريق في الدوري الإسباني كان من السهل عليه اختراق المنطقة من منتصف الملعب وحتى منطقة 18 أمام دفاعات الريال بكل سهولة، ليصنع هجمة خطيرة على الحارس.

وهو ما حدث واستغله باريس أحسن استغلال، فجاء الهدف الأول بخطأ من لاعبي منتصف الملعب في الارتداد. وكما كانت المشكلة من عند خط المنتصف أتى الحل منه أيضًا فبدأ توني كروس بالتحرر قليلًا من الواجبات الدفاعية، ومال ناحية اليسار تجاه مارسيلو، ليتحصل مع نهاية الشوط الأول على ركلة جزاء كان لها الفضل الكبير في خروج الريال بهذه النتيجة.

الشوط الثاني.. كيف تلعب لعبًا سيئًا وتفوز بنتيجة كبيرة؟

الإجابة: لو كنت تمتلك شخصية ريال مدريد في دوري الأبطال بالتأكيد يمكنك ذلك.  قد يرى البعض أن الحديث عن شخصية الفريق لا دور له على أرض الملعب الذي لا يعترف إلا بالمهارة والمجهود؛ لكن لقاء الفريقين بالأمس كان كافيًا للدلالة على معناه.

ريال مدريد دخل الشوط الثاني بطريقة سيئة، احتفاظ زائد بالكرة من إيسكو، وخروج غير سليم في أغلبه من كاسيميرو، بالإضافة إلى انعزال خط الهجوم عن خط الوسط. كان هذا الوقت هو المثالي لباريس سان جيرمان للتقدم في النتيجة، ورغم محاولته،تمكن راموس من إنقاذ الفريق في الدقيقة 63 من هدف محقق. وبعد هذه الفرصة بثلاث دقائق قدّم أوناي إيمري هدية المباراة لزيدان حين قام بسحب مهاجم فريقه الوحيد كافاني، ودفع بمونيير الظهير الأيمن حتى يتحرر داني ألفيش من واجباته الدفاعية، ويساند نيمار في الأمام.

صحيح أن كافاني لمس الكرة 10 مرات فقط ولم يكن في يومه، لكن وجوده مع نيمار ومبابي كان يشكل حزامًا على رباعي الريال الدفاعي، وخاصةً مارسيلو الظهير الأيسر الذي لم نشاهده يخرج كثيرًا في الشوط الأول لالتزامه برقابة الثلاثي. بعد سحب كافاني خفّ الضغط على راموس وفاران، وخرج مارسيلو من دفاعاته وقدّم واحدة من أقوى مبارياته طوال الموسم.

استغل زيدان كذلك خروج كافاني أحسن استغلال فدفع بأسينسيو وفاسكيز بدلًا من كاسيميرو وإيسكو لتتحول طريقة لعب الريال إلى 4-3-3.

ما يميز هذه الخطة أنها تضغط على ظهيري المنافس في حالة الهجوم، وتمطره بوابل من العرضيات العالية أو الأرضية والتي ستجد من يقوم باستغلالها جيدًا. ومع التحكم في خط الوسط من لاعبين كمودريتش وكروس يتفرغ الظهير مع الجناح في خلق الثغرات وراء دفاع المنافس. وهو ما حدث في آخر 10 دقائق من المباراة؛ إذ شكل أسينسيو الجناح ومارسيلو الظهير ثنائيًّا خطيرًا قام باختراق دفاع باريس وإرسال الكرة إلى منطقة جزائه؛ ما أسفر عن  الهدف الثاني لرونالدو بصناعة من أسينسيو، والثالث لمارسيلو بصناعة من أسينسيو أيضًا.

بعد حسم ريال مدريد للنتيجة يصبح من الصعب العودة عليه في ملعبه وفي بطولته المفضّلة؛ فانطلقت صافرة الحكم معلنة انتهاء مباراة الذهاب بنتيجة كبيرة للفريق الملكي الذي يثبت للجميع مرة أخرى أن ريال مدريد في دوري الأبطال لا يمكن أن تأمنه مهما كانت الظروف التي تسبق المباراة.

نحن مع زيدان حتى الموت. مارسيلو ليلة المباراة

لم يخذل البرازيلي مدربه هذه الليلة، أحرز الهدف الثالث وذهب للاحتفال مع زيدان في صورة ستخلدُ في ذاكرة مشجعي الفريق فترات طويلة.

رونالدو.. متى تنتهي؟

سجل كريستيانو رونالدو هدفين في مباراة الأمس ليصبح أول لاعب في تاريخ دوري الأبطال يسجل 100 هدف بقميص فريق واحد، وليعزز من موقعه هدافًا للبطولة بـ116 هدفًا، فقط 19 ناديًا من بين 137 ناديًا في البطولة تفوقوا عليه وأحروزا أكثر منه.

Embed from Getty Images
كذلك أصبح رونالدو اللاعب الوحيد في دوري أبطال أوروبا الذي يسجل أكثر من 10 أهداف للموسم السابع على التوالي. أرقام تؤكد أن قدرة البرتغالي على الحسم لا زالت في أوج عطائها، بالرغم من البداية السيئة للغاية في الدوري الإسباني، لكن رونالدو عاد في البطولة التي حمل لقبها أربع مرات، وعزز أمس موقعه هدافًا للنسخة الحالية منها.

اختار الاتحاد الأوروبي رونالدو نجمًا للمباراة بتقييم تسعة من 10، وحصل البرتغالي على إشادة خاصة من مدربه زيدان الذي أكد أنه لا جديد بخصوص رونالدو؛ فهو دائمًا ما يظهر  في المباريات الكبيرة.

باريس ومتلازمة الخوف

انتهت المباراة وخرج مدرب باريس جيرمان محملًا التحكيم مسؤولية الهزيمة، لكنّ المدرب نسي تغييراته الكارثية بإخراج قلب هجومه الوحيد وتحرير ظهيري الريال، أراد إيمري المحافظة على التعادل بهدف لكل فريق، وهي نتيجة إيجابية لأي فريق لكن ليس لباريس سان جيرمان.

بعد صرف مبلغ يتعدى 400 مليون دولار في سوق الانتقالات ينبغي أن يخلق المدرب فريقًا يسعى دائمًا للفوز، تحت أي ظرف ومهما كان المنافس، لكن إيمري فشل في هذه النقطة، وأراد الحفاظ على التعادل رغم أن بإمكانه الفوز.

كذلك لم يضع إيمري لمسات حقيقية على المجموعة ككل، فردية نيمار بالأمس كانت أكبر دليل على انعدام تحكم المدرب في نجومه الكبار. فلم يخلق حتى الآن فريقًا يعمل بوصفه مجموعة تتبادل الكرة في ما بينها حتى تصل إلى الشباك؛ بل يبدو أن الفردية سِمة رئيسية فيه، بالإضافة إلى غياب ثقة الفريق وإيمانه بنفسه عند أول اختبار حقيقي أمام فريق كبير حتى لو كان في أسوأ مواسمه.
أمام إيمري الآن ثلاثة أسابيع حتى مباراة العودة التي يملك فيها الفريق فرصة، وإن بدت ضئيلة للخروج بشكل طيب، وتهديد ترشح الريال للدور المقبل من دوري الأبطال، فتسجيل هدفين على أرضك ليس بالمهمة المستحيلة.

لكن عدم استقبال أهداف من ريال مدريد في دوري الأبطال يحتاج دفاعًا جماعيًّا وشخصية قوية للفريق في مباراة العودة افتقدها حتى الآن في غالبية المباريات الكبيرة التي خاضها، وليس أمامه أي طريق لإنقاذ مشواره سوى إيجاد هذه الشخصية  أمام حامل لقب البطولة في العامين الماضيين. فهل ينجح في ذلك؟ أوناي إيمري وحده -الذي ربما يرتهن مستقبله مع الفريق بالقدرة على تخطي ريال مدريد- لديه الإجابة عن هذا السؤال.

تعليقات الفيسبوك