«‏قلوبنا معكم، حمى الله إسرائيل وشعبها، لا نقبل أن تمتد يد الغدر إلى الشعب الإسرائيلي من قبل إيران وعملائها في غزة»، تغريدة كتبها الباحث السعودي عبد الحميد الحكيم، عبر «تويتر».

تعد هذه التغريدة واحدة من جملة الأقوال السعودية التي يتغنى بها الإسرائيليون في تقرير وثقه معهد الشرق الأوسط للبحوث الإعلامية (ميمري)، تلك المنظمة الإسرائيلية التي تراقب الإعلام العربي، لكن المواقف الرسمية للسعودية ضد الفلسطينيين هي ما تبهج الإسرائيليين أكثر من غيرها، كأن تقوم الرياض بشن حملة لاعتقال الفلسطينيين المقيمين في المملكة لمجرد تأييدهم للعمل المقاوم ضد إسرائيل، وكذلك ترحيلهم أو تهديدهم، والأكثر أهمية لإسرائيل هو خنق مصادر تمويل «حركة المقاومة الإسلامية (حماس)» ماليًا من قبل السعودية.

رحلة «حماس» والسعودية من الاحتواء إلى العداء

تسببت الأحداث الفلسطينية الداخلية التي وقعت في يونيو (حزيران) 2007، والتي على إثرها سيطرة حركة «حماس» على زمام الحكم في قطاع غزة بتوتر علاقات الحركة مع السعودية، التي اعتبرت الحركة قد نكثت على «اتفاق مكة» الموقع في 8 فبراير (شباط) 2007 لوقف الاقتتال الداخلي برعاية سعودية.

قادة من حماس وفتح مع الملك الراحل خلال توقيع اتفاق مكة

فقد حرصت الرياض على تحقيق تقارب بين حركة (حماس) و«حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)»، ووضع نهاية للانقسام الداخلي الذي عطل السعي لإقامة الدولة الفلسطينية. ورغم ذلك لم تنعدم محاولات إعادة الدفء لتلك العلاقات، فكانت السعودية تستضيف وفود رسمية من حركة حماس آخرها في يوليو (تموز) 2015، حين قابل الملك سلمان بن عبد العزيز رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل.

وقرأ هذا التقارب السعودي مع حركة «حماس» في إطار سعى الرياض لبناء ائتلاف سني لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة، وهو وضع ليس خاصًا بحركة (حماس)؛ لكون السعودية عكفت بشكل عام على تخفيف التوترات مع الجماعات المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين، مثل حركة «التجمع اليمني للإصلاح»، جناح الإخوان في اليمن وغيرها.

بيد أن ذلك الهدوء لم يكن يخلو من مواقف سعودية تؤكد على حقيقة وجود ارتياب لدي السعودية تجاه حركة (حماس) لاعتبارها حليفًا تقليديًا لإيران، ولحسبانها على تيار الإخوان المسلمين. وفي هذا الإطار جاء اعتقال مسؤول الحركة في الخارج، ماهر صلاح في أبريل (نيسان) 2015، من قبل الرياض التي قررت آنذاك تشديد حملة ضد مصادر التمويل الشعبية للحركة، فقد وُجّهت الرياض لصلاح تهمة «غسل الأموال»، قبل أن تفرج عنه نهاية 2016 ويُبعَد إلى تركيا.

كانت تراهم عملاء لإسرائيل.. لماذا سمحت الرياض لـ«عرب 48» بالعمل في أراضيها؟

وسرعان ما أصبح موقف الرياض أكثر وضوحًا بتبني موقف ضد حركة (حماس)، حين زجت بالحركة في الأزمة الخليجية التي اندلعت في يونيو 2017، ففي الأيام الأولى لهذا الخلاف قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير: إن على قطر «التوقف عن دعم جماعات مثل الإخوان المسلمين وحماس»، وهو الموقف الذي حدا بالمراقبين الحديث عن تداعيات وخيمة على حركة (حماس) بعد حصار قطر، لاحتمال تراجع قطر عن دعم الحركة ماليًا وسياسيًا، برغم أن مسؤولي حركة (حماس) التزموا الصمت بشأن الأزمة لتجنب عملية الاصطفاف لجهة مقابل أخرى.

وتفاقمت الأمور أكثر حين وصف الجبير في 24 فبراير 2018 حركة (حماس) بأنها «حركة متطرفة»؛ أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي في بروكسل، وقال: إن «قطر أوقفت دعمها للحركةـ وأن هذا ساعد على تسهيل تسليم المكاتب الحكومية التي كانت تحت سيطرة الحركة إلى السلطة الفلسطينية (رام الله)». وهو ما وصفته الحركة بأنه «تضليل للرأي العام، وتشويه لمقاومة شعبنا الفلسطيني المشروعة، والذي لا يعكس مزاج الشعب السعودي، ولا يتوافق مع مواقف المملكة العربية السعودية المعلنة الداعمة للقضية الفلسطينية».

ثم بعد عام بالتحديد، أعاد الجبير الكرة؛ فقال في فبراير 2019: إن موقف بلاده من (حماس) لم يتغير، وذلك مع ظهور العديد من الشخصيات السعودية من صحافيين وكتاب بارزين لا يكتفون بالحديث عن التطبيع مع إسرائيل، بل يهاجمون حركة (حماس). كما دعمت السعودية الضغوط المصرية على حركة (حماس)، من أجل وقف مسيرات العودة الكبرى بعد أن تحدثت الرياض عن دعم إيران لهذه المسيرات، وعن تدخلات السفير القطري محمد العمادي في حل مشاكل غزة.

وصل الأمر لحد نشر صحيفة «مكة» السعودية تقريرًا في العاشر من مايو (أيار) 2019؛ يوصم 40 شخصية بـ«الإرهاب» لعلاقتهم بجماعة الإخوان المسلمين، ومن بينهم مؤسس حركة (حماس) الشيخ أحمد ياسين، والقيادي بالحركة عبد العزيز الرنتيسي، وذلك مع استمرار الذباب الإلكتروني السعودي بمهاجمة حركة «حماس» بصورة غير مسبوقة، وانتقاده المقاومة الفلسطينية، واتهامها بأنها تجلب الويلات للشعب الفلسطيني، وتعطي إسرائيل المبررات لقتل الفلسطينيين.

اعتقال وإخفاء قسرى وترحيل.. حملة السعودية الشرسة ضد الفلسطنيين

بالرغم من أن الطبيب الاستشاري الفلسطيني محمد الخضري كانت تربطه علاقات إيجابية مع السلطات الحاكمة في السعودية، إلا ان الرجل يُعتقل منذ سنوات في السعودية على خلفية علاقته بحركة (حماس)؛ إذ لم تنجح محاولات الإفراج عنه لكبر سنه (في الثمانين من عمره) وإصابته بالسرطان.

ولي العهد السعودي مع وزير الخارجية السعودي

وفي وقت يمكن قراءة اعتقال الخضري في إطار الحملة التي شنتها السعودية ضد رموز تيار الصحوة السعوديين وغيرهم؛ إلا أن الشهرين الأخيرين قد شهدا حملة اعتقالات تخص الفلسطينيين المقيميين في السعودية بشكل واضح؛ إذ اعتقل أكثر من 30 فلسطيني بينهم طلبة ومقيمون وأكاديميون ورجال أعمال، وحسب صحيفة «الأخبار» اللبنانية فإن المعتقلين اتهموا بجمع تبرعات وإدارة أموال لحركة (حماس) في السعودية. إذ وجهت لهم ولمعتقلين سعوديين آخرين تهمًا بـ«دعم حركة إرهابية وغسل الأموال لدعم الإرهاب والتطرف».

وتزامن مع حملة الاعتقال منع عشرات الفلسطينيين من مغادرة السعودية، وفصل العديد منهم من العمل، وتهديدهم بسحب الإقامات، وكذلك ترحيلهم من السعودية؛ إذ رحلت خلال العامين الماضيين أكثر من 100 فلسطيني، أغلبهم متهمون بدعم فصائل المقاومة الفلسطينية ماليًا أو سياسيًا، أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتوالت المعلومات حول الحملة التي تستهدف الفلسطينيين في السعودية على إثر كشف الأكاديمي السعودي المقيم في الخارج، سعيد بن ناصر الغامدي، عن اعتقالات واسعة ضد مقيمين فلسطينيين بسبب التعاطف مع المقاومة، وتأييد حركة (حماس)، فقد نشر الغامدي عبر «تويتر»: «في المملكة حملة اعتقالات جديدة وواسعة لأعداد من الفلسطينيين، ومنع سفر آخرين منهم، وتجميد حساباتهم، ومصادرة مؤسساتهم».

ويعد واحدًا من أبرز المعتقلين الفلسطينيين في السعودية الأردني من أصل فلسطيني عبد الرحمن فرحانة، عضو نقابة الصحافيين الأردنيين، والصحافي في صحيفة «السبيل» اليومية الأردني، ويعاني فرحانة – الذي يمنع منذ اعتقاله قبل شهرين من تناول دوائه – من عدة أمراض منها الضغط والسكري وضعف تروية الدماغ.

وحسب منظمة «سكاي لاين» الدولية تم اعتقال العشرات من الفلسطينيين المقيمين في السعودية منذ سنوات طويلة على خلفيات متعددة أهمها الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 على منصات التواصل الاجتماعي، وتضيف المنظمة: «السلطات السعودية بدأت بشن حملة الاعتقالات منذ نحو عام، ولكنها تصاعدت بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة، بما يشمل فلسطينيين مقيمين في المملكة بسبب تغريدات قديمة ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014 ودعم المنظمات الفلسطينية المسلحة، إضافة إلى إغلاق عدد من المؤسسات التي يمتلكها الفلسطينيون».

ونقل عن  السكرتير العام للمنظمة من العاصمة الإسبانية معاذ حامد قوله: إن هناك «أكثر من 40 فلسطينيًا تم احتجازهم منذ نحو عام دون عرضهم على الجهات القضائية، ومختفين قسريا دون معرفة عائلاتهم عن أوضاعهم»، مضيفًا: «خوف العائلات من الحديث للمنظمات الحقوقية هو ما أدى فعليًا إلى تأخر الإعلان عن تلك الحوادث؛ ما اضطر المنظمة الدولية للحصول على تلك المعلومات من مصادرها الخاصة في المملكة».

هكذا تخنق الرياض «حماس» ماليًا

تمر حركة (حماس) بضائقة مالية غير مسبوقة منذ تأسيسها قبل أكثر من ثلاثة عقود، وهي الأزمة التي دفعت ذراعها العسكري «كتائب عز الدين القسام» إلى إعلان استقبال العملة الرقمية «البتكوين» لتلقي الدعم عبر العالم.

فإضافة إلى الحصار الإسرائيلي المطبق على قطاع غزة الذي تتولي مسئوليته الحركة منذ 11 عامًا؛ اتخذت دول عربية خليجية إجراءات مالية مشددة بغية تجفيف منابع تمويل الحركة، وقد كان أبرز تلك الدول التي وقفت في طريق جمع الأموال لصالح القضية الفلسطينية، سواء من خلال الأشخاص أو جمعيات؛ الإمارات والسعودية. وإضافة إلى اعتقال الأخيرة لعشرات الفلسطينيين بتهمة جمع أموال ونقلها إلى الحركة في قطاع غزة، انتهجت الرياض سياسة مشددة  تجاه  التحويلات المالية المصرفية والبنكية، الرسمية وغير الرسمية التي قد تصل قطاع غزة منذ نهاية 2017.

حين بدأت بإخضاع جميع التحويلات المالية لرقابة مشددة، ليس إلى القطاع فحسب، بل إلى جميع دول العالم، واشترطت على مكاتب تحويل الأموال على الفلسطينيين إحضار حجج قوية للتحويل، وأن لا يتجاوز المبلغ المرسل 3 آلاف دولار أمريكي، وهو التشديد الذي  وصل في أيام عيد الفطر المنصرم إلى ذروته، إذ توقفت الحوالات المالية بشكل شبه كامل.

وبشكل عام يعاني الفلسطينيون في السعودية من ظروفٍ اقتصادية صعبة جراء نظام الإقامة الذي يُفرض على المقيمين ويحملهم تكاليف اقتصادية باهظة، خاصة منذ دخول قرار تطبيق زيادة الرسوم المفروضة على المقيمين والزائرين في السعودية حيز التنفيذ، في الأول من يوليو الماضي، ولم يستجيب الملك سلمان لمناشدات الفلسطينيين بضرورة معاملتهم كشعب لاجئ متضرر من الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم.

وتعتبر الجالية الفلسطينية في السعودية من أقدم الجاليات في المملكة، ويقدر عددها بين 400 إلى 500 ألف مقيم، يعيش غالبيتهم في مدينة جدة، وتشير التقارير الحقوقية إلى أن الفلسطينيبن في المملكة منذ النكبة الفلسطينية محردون من أدنى حقوقهم، فلا يحقُ لهم التملك، أو العمل التجاري، ويقيمون بكفالات، ومهددون بالترحيل في أية لحظة.

8 أسئلة تشرح لك ما هي «صفقة القرن»؟

المصادر

تحميل المزيد