في النصف الثاني من العام المنصرم، أطلقت منظمة “مراسلون بلا حدود” اسم “أعداء الإنترنت” على قائمة تشتمل على 19 دولة من بينها كوريا الشمالية، الصين، وكذلك إيران. يرتبط اسم هذه الدول بمجموعة من الممارسات المتعلقة بفرض أنواع متعددة من الرقابة والحجب على عدد من المواقع العالمية الشهيرة، وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة. القائمة تضم عددًا من الدول الأخرى، إلا أن هذه الدول الثلاث تتصف بالمبالغة في في جهودها لحجب بعض أشهر مواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها فيسبوك وتويتر.

في هذا التقرير سوف نستعرض أهم الأسباب والدوافع التي تقف وراء تلك السياسات التي تنتهجها هذه الدول. سنقوم باستعراض هذه الأسباب تحت خمسة عناوين رئيسية على النحو الآتي:

أولًا: الخوف من استخدام تلك المواقع لأغراض تنظيمية، لتنظيم التظاهرات والاحتجاجات

تشير المصادر إلى أن بداية حظر مواقع التواصل الاجتماعي في الصين ترتبط ببداية الاحتجاجات التي نظمتها بعض الأقليات المسلمة وأعمال الشغب التي رافقتها في العام 2009. بينما قامت السلطات الإيرانية بفرض الحجب تزامنًا مع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية في نفس العام. السبب نفسه كان أيضًا وراء حجب مواقع التواصل الاجتماعي لفترات متفاوتة لاحتواء بعض الأزمات والفعاليات التي تنظمها بعض الجماعات والمنظمات الحقوقية في أماكن أخرى متفرقة من العالم.

ثانيًا: منع الجماهير من نشر أي مواد إعلامية تدين الأنظمة والمسؤولين وتفضح انتهاكاتهم

تعتبر كوريا الشمالية هي الرائدة في هذا المجال، حيث تقوم السلطات هنالك بتطبيق حجب تام على محتوى الشبكة العالمية بشكل عام. كما قامت عدة دول في الأعوام الستة الأخيرة بتطبيق حجب جزئي ومؤقت لبعض محتوى شبكات التواصل من بينها تركيا، بنغلادش، ليبيا، كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى عدد من بلدان الربيع العربي أثناء فترة الاحتجاجات مثل مصر وتونس.

ولنفس الأسباب فقد هدّدت المملكة المتحدّة بحجب مواقع التواصل الاجتماعي في العام 2011، بالتزامن مع سلسلة من الاحتجاجات الواسعة التي لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تنظيمها والإعداد لها.

ثالثًا: التعتيم على الرأي العام حول القضايا والنزاعات الداخلية

أحد أهم الأسباب التي تدفع دولًا مثل الصين، كوريا الشمالية، وإيران للاستمرار في تطبيق سياسة الحظر يرتبط برغبة هذه الدول في منع وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية من أن تنقل الصورة الحقيقية للعالم عما يدور في الداخل. فحتى بعد توقف الاحتجاجات التي استخدمتها الصين وإيران – على سبيل المثال – كذريعة لحجب مواقع التواصل الاجتماعي، فإن تلك الدول لا ترغب في أن تعطي أي فرصة للأقليات وللمنظمات الحقوقية في أن تنقل مطالبها للرأي العام العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالصين تعمل جاهدة على ألا يسمع العالم عن مطالب الأقليات المهمشة في أراضيها، بينما تخشى إيران من أن تطلع المنظمات الحقوقية على الأعداد الحقيقية لأحكام الإعدام التي تتخذ سنويًا بحق الناشطين السياسيين والحقوقيين على أراضيها، أما كوريا الشمالية فإنها ترغب  بأن تعزل شعبها كليًا عن العالم الخارجي كوسيلة لضمان فرض سيادتها المطلقة على أراضيها.

رابعًا: دعم المنتجات المحلية المنافسة

قد لا يبدو هذا السبب منطقيًّا في أغلب الحالات التي تم عرضها مسبقًا، إلا أنه عند دراسة التجربة الصينية تتضح احتمالية أن يكون هذا السبب أحد الدوافع الرئيسية لاستمرار سياسة الحظر في بلد مثل الصين. فبعد أن قامت الحكومة الصينية بحجب عدد من مواقع التواصل الاجتماعي لأسباب تتعلق بالمحتوى المنشور، تم إطلاق عدد من النسخ المحلية التي تقوم بتقديم نفس الخدمات، والتي شهدت نموًا هائلًا خلال السنوات القليلة الماضية وحققت أرباحًا ضخمة. وحتى بعد إبداء عدد من الشركات العالمية استعدادها للالتزام بسياسات النشر للمحتوى التي تم وضعها من قبل السلطات الصينية، إلا أنه لم يتم رفع الحظر عنها حتى الآن.

كما أن قيام السلطات الصينية بحظر شبكة جوجل بلس بعد يوم واحد فقط من إطلاقها، وحجب عدد من المواقع الإخبارية والدعائية العالمية، بالإضافة إلى حجب عدد من أشهر تطبيقات التواصل الاجتماعي العالمية يعزز فرضية أن تكون السلطات الصينية مهتمة بدعم منتجاتها المحلية المنافسة – والتي يسهل مراقبتها والتحكم بها بطبيعة الحال – على حساب المنتجات العالمية. إلا أنه يحسب للسلطات الصينية في هذا المجال دعمها الكبير لتطوير عدد من المنتجات المحلية التي تقدم خدمات بجودة تنافس تلك التي تقدمها الشركات العالمية، بل وتزيد عليها في بعض الحالات.

خامسًا: حماية مصالح الأمن القومي

عند الحديث عن قضايا الأمن القومي في سياق الحديث عن مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا سنركز على محورين أساسيين. الأول يتعلق بمدى ارتباط تلك المواقع بعدد من النشاطات التي تنفذها بعض الجماعات التي تصنف في دائرة الإرهاب، والثاني يتعلق بأمن المعلومات التي تحتفظ بها مواقع التواصل الاجتماعي والأغرض التي تستخدم لأجلها.
فعند قيام تلك الدول بحجب مواقع التواصل الاجتماعي لم تكن الدوافع قوية بما يكفي في هذا المجال، إلا أن تلك الدوافع تضاعفت في الفترة الأخيرة مع زيادة مخاوف الدول من سوء استخدام الكم الهائل من المعلومات التي تتوفر لدى تلك المواقع. فقد بدأ الحديث مؤخرًا عن استخدام بعض الجماعات والتنظيمات لمواقع التواصل الاجتماعي كأداة رئيسية للحصول على المعلومات اللازمة لتنفيذ عدد من العمليات التي تخدم مصالحها. أحد أقرب الأمثلة لذلك يتمثل في قيام مقاتلي مايسمى بـ “تنظيم الدولة الإسلامية” باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لإرسال تهديدات بالتصفية لعدد كبير من قيادات الجيش العراقي ولعائلاتهم في حال عدم استسلامهم والسماح لمقاتلي تنظيم الدولة بالتقدم. هذه الرسائل حسب تصريحات كاتلين ماكفارلاند، خبيرة شئون الأمن القومي لدى شبكة فوكس الإخبارية، كانت سببًا رئيسيًا في فرار عدد من قيادات الجيش وإحداث فوضى كبيرة أدت إلى سقوط مدينة الموصل في يد مقاتلي التنظيم.

بينما تشير تسريبات إدوارد سنودن الأخيرة إلى أن وكالة الأمن القومي الأمريكية تقوم بالاستفادة من المعلومات التي تمتلكها مواقع التواصل الاجتماعي لأغراض متعددة من خلال عدد من البرامج المتقدمة التي طورت خصيصًا لأغراض التجسس والمراقبة. هذه المستجدات دفعت عددًا من الدول إلى القلق بشأن الكميات الهائلة من المعلومات التي تقوم مواقع التواصل الاجتماعي بجمعها عن المستخدمين بشكل مستمر، الأمر الذي دفع عددًا من الدول مثل روسيا والصين إلى تشديد مستوى الرقابة والمتابعة المفروضة على هذه المواقع، وحجب عدد كبير منها في أحايين كثيرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد