تواصل أسعار النفط هبوطها السريع خلال الأسابيع الماضية؛ إذ تراجعت على مدار ستة أسابيع متتالية، بينما فقد برميل النفط منذ بداية نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى الآن نحو 20% من قيمته بعد أن تراجع بنسبة 15%  خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ ليصل بذلك سعر النفط إلى أدنى مستوى منذ بداية 2018، ولكن ما هي أسباب هذا الهبوط؟ ولماذا تتزايد وتيرته يومًا بعد يوم؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، يمكن القول أن أسعار النفط تمر بمرحلة تشبه كثيرًا تلك المرحلة التي بدأت في منتصف 2014؛ إذ أن نسب الهبوط سريعة وكبيرة  على خلاف ما كان يحدث خلال السنوات القليلة الماضية التي لم يكن فيها الهبوط بنفس القوة، وتقترب الأسعار كثيرًا من أسعار نهاية 2014، فخلال جلسة نهاية الأسبوع الماضي اختتم النفط جلسة متقلبة؛ إذ هوت العقود الآجلة لخام القياس العالمي (مزيج برنت) 3.34 دولار، أو 5.3%، إلى 59.26 دولار للبرميل وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 2017.

بينما فقدت عقود الخام الأمريكي 4.03 دولار، أو 7.4%، لتصل إلى 50.60 دولار للبرميل، وهو أيضًا أدنى سعر منذ أكتوبر 2017، هذا الهبوط السريع جاء مدفوعًا بالبيانات التي نشرتها «إدارة معلومات الطاقة الأمريكية»، في 21 نوفمبر الجاري حول أن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة ارتفعت 4.9 مليون برميل إلى 446.9 مليون برميل في الأسبوع الماضي؛ لتسجل بذلك أعلى مستوياتها منذ أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومن المعلوم في سوق النفط أن المخزونات الأمريكية من أهم محركات أسعار النفط، ومع هذه الزيادة كان من الطبيعي أن يتراجع النفط، خاصة أن المخزونات سجلت زيادة للأسبوع التاسع على التوالي في أطول موجة ارتفاع منذ مارس (آذار) 2017، لكن هل زيادة المخزونات الأمريكية وحدها كافية لقيادة النفط لهذا الهبوط الحاد؟

Embed from Getty Images

بالرغم من أن زيادة المخزونات مؤشر مهم، لكنه ليس الوحيد في هذا التذبذب الحاد في الأسعار؛ إذ هناك عدة أسباب أخرى يمكن تلخيصها في السطور التالية:

1- العرض والطلب.. المؤشر الأكثر وضوحًا

تعودنا في الاقتصاد دائمًا فيما يتعلق بأسعار السلع الرجوع أولًا إلى قانون العرض والطلب، ومبدأ هذا القانون يقوم على أن العرض المنخفض والطلب الكبير ينتج عنه زيادة في سعر السلعة، بينما العكس بالنسبة العرض الكبير مع طلب منخفض تكون النتيجة هي انخفاض سعر السلعة.

وبالنظر إلى الوضع الحالي بالنسبة لأسعار النفط نجد أن الأسواق تعيش تخمة في المعروض؛ إذ زاد المعروض من الخام في الأسواق العالمية من بداية العام الجاري، وضخ أكبر ثلاثة منتجين – الولايات المتحدة، وروسيا، والسعودية – أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي البالغ نحو 100 مليون برميل يوميًا.

«الإندبندنت»: نفط زائد عن حاجة العالم.. كيف تتصرف السعودية بعد أن ورطها ترامب؟

وبحسب «بنك الاستثمار الحكومي الأمريكي (جيفريز)» فإن سوق النفط متخم في الوقت الحالي، موضحًا أن السوق يمر بوقت صعب فيما يتعلق بإيجاد أرضية (للسعر)، وهو الأمر الذي يبرر التذبذب الكبير والهبوط السريع للأسعار؛ إذ تراجع النفط بنحو 30% عن مستويات الذروة التي بلغتها في أوائل أكتوبر الماضي، وبحسب رفينيتيف إيكون «فإن الإنتاج العالمي بدأ يتجاوز الاستهلاك في الربع الأخير من العام الجاري».

2- السوق فقد الثقة في «أوبك»

قبل يومين نقل مراسل لصحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر داخل منظمة «أوبك» أن السعوديين و«أوبك» يدرسون تخفيضات مستترة لإنتاج النفط، فقد ذكر أن المنظمة ستمدد التخفيضات الإنتاجية التي تم الاتفاق عليها في 2016 إلى 2019، لكن لم يترك هذا الخبر أي صدى في السوق على خلاف الطبيعي، فمن المفترض أن ترتفع الأسعار بمثل هذا الخبر، ولكن واصلت الأسعار هبوطها دون الاكتراث لهذه التوقعات، ولكننا في انتظار أن تجتمع المنظمة رسميًا في السادس من ديسمبر (كانون الأول) القادم لمناقشة سياسة الإنتاج.

Embed from Getty Images

وبحسب فيل فلين المحلل في «برايس فيوتشرز جروب» في شيكاغو فإن السوق لا تعتقد أن «أوبك» سيكون بمقدورها التحرك بسرعة كافية لتعويض التباطؤ المرتقب في الطلب، كما أن قرارات «أوبك» لم تعد محركًا رئيسًا لأسواق النفط، وهو الأمر الذي ظهر بعد الاتفاق السعودي الروسي على خفض الإنتاج بشكل سري، وهو الأمر الذي اعتبر أنه تحالف بديل لـ«أوبك».

كما أن أي قرار لـ«أوبك» لن يحرك الأسعار بقوة بسبب الضبابية الكبيرة في السوق بحسب تعبير، فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية الذي قال مؤخرًا إن أسواق النفط تدخل في فترة غير مسبوقة من الضبابية بسبب عدم الاستقرار الجيوسياسي وهشاشة الاقتصاد العالمي.

إيران هي الأخرى تعتبر أحد الأسباب التي ساهمت في ضعف موقف «أوبك»، ففي أوائل نوفمبر أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات على قطاع النفط الإيراني؛ وهو ما دفع صادرات إيران من الخام إلى التراجع بما يقرب من مليون برميل يوميًا من ذروتها في فصل الصيف، وتعهدت واشنطن حينها بوقف جميع مبيعات إيران الدولية من النفط في نهاية المطاف، لكنها تراجعت وأعطت إعفاءات لثمانية مشترين، وهم الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا، يمكنهم مواصلة الاستيراد دون التعرض لعقوبات.

هذا الأمر ساهم في تذبذب الأسعار من جانب وأثر على قوة المنظمة من جانب آخر؛ وذلك لأن طهران ثالث أكبر منتج للنفط في أوبك؛ إذ يرى بيرول، أن القرار الأمريكي الأخير بإعفاء بعض الدول من العقوبات فاجأ بعض اللاعبين في السوق، وتسبب في أن السعر انخفض بواقع 20 دولارًا.

أرض الكنوز التي تشعل الحروب: كيف يسيطر الشرق الأوسط على طاقة العالم؟

3- الحرب التجارية تجتاح العالم

على الجانب الآخر تعتبر الحرب التجارية المشتعلة حاليًا ما بين أكبر اقتصادين في العالم سببًا رئيسًا في هبوط أسعار النفط، فبحسب «منظمة التجارة العالمية» فإن الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، التي تضم أكبر الاقتصادات في العالم، طبقت 40 إجراءً جديدًا مقيدًا للتجارة في الفترة من مايو (أيار) إلى أكتوبر تشمل تجارة قيمتها حوالي 481 مليار دولار.

المنظمة ذكرت أن القيود الجديدة تبلغ ستة أضعاف أي قيود سابقة، وهى الأكبر منذ أن بدأت «منظمة التجارة العالمية» مراقبة تجارة مجموعة العشرين في 2012، وهذا الأمر يعد علامة سلبية للاقتصاد العالمي ويؤثر بشكل مباشر على أسعار النفط، وبالرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال إنه يأمل بالتوصل لاتفاق مع الصين بشأن التجارة عندما يجتمع مع الرئيس شي جين بينغ أثناء قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين هذا الأسبوع، لكن يستبعد المحللون أن يتفق الطرفان.

ولكن في حال اتفق الطرفان اتفاقًا إيجابي فإن أسعار النفط قد لا تهبط بشكل أكبر، بينما ستظل في مستوياتها المنخفض بسبب التداعيات الأخرى التي قادت الأسعار للهبوط، كما ذكرنا.

4- الاقتصاد العالمي ليس في أفضل حالاته

يعاني الاقتصاد العالمي من حالة «تباطؤ تدريجي هش» بحسب وصف «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، التي قالت إن التوترات التجارية ورفع أسعار الفائدة يتسببان في تباطؤ النمو العالمي، في الوقت التي خفضت المنظمة توقعاتها للعام المقبل، من 3.7% في العام الحالي إلى 3.5% في 2019 و2020.

Embed from Getty Images

التباطؤ في النمو الاقتصادي يعتبر أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي حاليًا، وخاصة في الأسواق الناشئة التي تشهد نزوحًا لرأس المال في ظل زيادة «مجلس الاحتياطي الاتحادي» (البنك المركزي الأمريكي) لأسعار الفائدة، خاصة في بلدان مثل: البرازيل، وروسيا، وتركيا، وجنوب أفريقيا.

ومن المتوقع أن تؤدي أي حرب تجارية شاملة إلى حالة من الضبابية الاقتصادية قد ينتج عنها خسارة ما يصل إلى 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2021، وهذه الضبابية لن تساعد أسعار النفط، بل تزيد من الهبوط، خاصة أن الاقتصاد الأمريكي في قلب التوترات الراهنة، بالإضافة إلى الصين التي من المتوقع تباطؤ نمو اقتصادها من 6.6% إلى أدنى مستوى في 30 عامًا، وذلك عند 6% في 2020، وهذه الأرقام تجعل هذا التباطؤ مضر بقوة بأسعار النفط.

5- ترامب نفسه يريد أسعار نفط منخفضة

خلال الأشهر الأخيرة وضح ترامب نفسه كأحد المحركات الأساسية لأسعار النفط العالمية، فالرئيس الأمريكي لا يريد أسعار نفط مرتفعة، ويسخر كل إمكانياته السياسية لخدمة هذا الغرض؛ إذ يعتقد محللون كثيرون أن السعودية تتعرض لضغط من الولايات المتحدة لمقاومة دعوات من أعضاء آخرين في أوبك لخفض إنتاج الخام، بينما مارس ترامب ضغوطًا كبيرة على منتجي أوبك لزيادة الإنتاج في وقت سابق، ونجح في ذلك.
ففي يونيو (حزيران) الماضي تخلت «أوبك» عن سياسة خفض الإنتاج التي بدأتها المنظمة في ديسمبر 2016 – أول خفض للإنتاج خلال 10 سنوات، وأول تخفيضات مشتركة مع 11 من المنتجين المستقلين بقيادة روسيا في 15 عامًا – «أوبك» تخلت حينها عن سياسة الخفض في ظل ضغوط سياسية جاءت بقيادة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وعبر تغريدات متكررة حول أسعار النفط المرتفعة.
وطلب ترامب من المنظمة بشكل مباشر زيادة الإنتاج، فبحسب ما ذكرت «بلومبرج» فإن الحكومة الأمريكية طلبت من السعودية ومنتجين آخرين من «أوبك» زيادة إنتاج النفط بنحو مليون برميل يوميًّا، وذلك بعد أن ارتفعت أسعار البيع بالتجزئة للبنزين في الولايات المتحدة لأعلى مستوياتها في أكثر من ثلاث سنوات مطلع يونيو الماضي، وهو ما استجابت له المنظمة بزيادة الإنتاج، وهو الأمر الذي من المتوقع أن يتكرر.

هل تصل أسعار النفط إلى 100 دولار أم لترامب رأي آخر؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!