منذ 2015 اعتمدت الأرجنتين على عدة برامج للإصلاح الاقتصادي لإخراج البلاد من الركود التضخمي والأزمات المتفاقمة، مثل الفقر والبطالة وانهيار قيمة البيزو، وغيرها من المشاكل الاقتصادية، لكن أيًا من هذه البرامج لم ينجح، أو بالأحرى لم يواصل النجاح.

استلم ماوريسيو ماكري منصبه رئيسًا للأرجنتين، خلفًا لكريستينا فرنانديز دي كيرشنر التي استمرت في رئاسة الأرجنتين نحو ثمانية أعوام، وقرر في نفس الشهر الذي تولى فيه الرئاسة تحرير سعر صرف العملة المحلية، وانطلق منذ ذلك الحين في برنامج الإصلاح الاقتصادي الخاص به.

وفي ذلك الوقت كانت بلاده مثقلة بسوء إدارة وسياسات اقتصادية خطرة انتهجتها دي كريشنر وأدت إلى تدمير الاقتصاد بشكل كبير في نظر العديد من المحللين، ووفق الأرقام، وذلك مثل سياسيات الدعم والتحكم في الأسعار وطباعة النقود، ناهيك عن أن الأرجنتين كان عاجزة في يوليو (تموز) 2014 عن تسديد ديونها للمرة الثانية خلال 13 عامًا.

لكن استطاع، ماكري التغلب على هذه التحديات وتوصل إلى تسوية مع كثير من الدائنين، وتمكن من خفض عجز الموازنة ومعدل التضخم، وتمكن من قيادة الاقتصاد الثالث في أمريكا اللاتينية في 2017 إلى نمو بنسبة 2.8%، لكن لم يستمر هذا التحسن، ففي عام 2018، عادت الأرجنتين إلى تدهور العملة والركود التضخمي، حيث بلغت نسبة التضخم السنوي 47.6%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5%، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة، مرة أخرى وسط قصور هيكلي بالاقتصاد في موقف ربما يكشف عن فشل الإصلاح مرة أخرى.

فلماذا تفشل برامج الإصلاح الاقتصادي في الأرجنتين؟

قصة دولتين.. مصر والأرجنتين أيهما نجح في خطته لـ«الإصلاح الاقتصادي»؟

إلى أين وصل اقتصاد الأرجنتين الآن؟

خلال الأسبوع الماضي أعلن ماكري عن حزمة إصلاحات جديدة، لكن يقلل المحللون أيضًا من فاعلية هذه الحزمة، وسط تسجيل عملة الأرجنتين أدنى مستوى على الإطلاق مع هبوطها 30%.

يأتي هذا بينما استقال وزير الخزانة، نيكولاس دوخوفني من منصبه، وقال إنه يرى أن الحكومة تحتاج إلى «تجديد كبير» في فريقها الاقتصادي، مضيفًا: «لقد ارتكبنا أخطاء»، ومن جانبها خفضت وكالتا «فيتش» و«ستاندرد آند بورز»، تصنيفهما للدين السيادي الأرجنتيني، وهو ما عقد الأمور أكثر، خاصة مع اقتراب انتخابات أكتوبر (تشرين الأول).

وتعتبر الانتخابات هي الشرارة التي أشعلت الأزمة الاقتصادية مؤخرًا، إن أنزل مرشح يسار الوسط الرئاسي ألبرتو فرنانديز هزيمة كبيرة بماكري المنتمي ليمين الوسط، إذ أشار الفارق الكبير لصالح فرنانديز إلى أنه قد يفوز في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وهو ما قد يضع نهاية لإصلاحات اقتصادية الرئيس الحالي.

وتتوقع «فيتش»، أن ينكمش ثالث أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية بنسبة 2.5% في 2019 انخفاضًا من تقدير سابق بلغ 1.7%، معللة ذلك بضبابية السياسات في أعقاب الانتخابات التمهيدية، وتدهور بيئة الاقتصاد الكلي.

التحدي الأكبر.. الاحتجاجات والمعارضة السياسية

عندما فشلت النظرية الكلاسيكية في تفسير وعلاج الأزمة التي اجتاحت الاقتصاد الأمريكي والاقتصادات الغربية، والمسماه بـ«أزمة الكساد الكبير» خلال الفترة (1929- 1933) والتي أفرزت انهيارات كبيرة بالاقتصاد العالمي وإفلاس عشرات الآلاف من الشركات وتراجع الأجور بنسب تصل لنحو 60%، ظهرت «النظرية الكنزية».

وبعيدًا عن الحديث عن تفاصيل هذه الأزمة يمكن القول أن النظرية المنسوبة للاقتصادي البريطاني الشهير جون ماينارد كينز قامت في الأساس على انتقاد النظرية الكلاسيكية، وكان أول انتقاد هو صعوبة إحداث تخفيض عام في الأجور كما كان يعتقد الكلاسيكيون، وذلك بسبب وجود نقابات العمال التي لن تقبل بهذا الأمر، هذا المثال تحديدًا يوضح كثيرًا أثر الاحتجاجات والمعارضة السياسية على برامج الإصلاح الاقتصادي في الأرجنتين.

فالحكومة بطبيعة الحال تعتمد على برامج تقشفية، ولكنها لم تضع المعارضة في حساباتها، فبالرغم من أن إصلاحات ماكري اعتمدت في جانب كبير على السياسة النقدية عن طريق رفع الفائدة وتحرير البيزو، إلا أن ذلك لم يمنع انفجار الأسعار في البلاد بسبب خفض الدعم، وهو ما دفع الآلاف للخروج إلى شوارع الأرجنتين الآن احتجاجًا على زيادة أسعار الغاز والكهرباء.

لذلك كانت الاحتجاجات والمعارضة السياسية هي التحدي الأكبر دائمًا الذي يبرز أمام الرئيس ماوريسيو ماكري وحكومته، وذلك بعكس دول أخرى كمصر مثلا، التي نجح برنامجها الاقتصادي على مستوى المؤشرات الرئيسية على الأقل، لأن الحكومة لم تجد من يخرج إلى شوارعها للاعتراض على سياسية التقشف التي تعد أعنف مما يحدث في الأرجنتين وفي وقت أقل كذلك.

ويرى المحللون أن ماكري، قام بتلبية معظم ما يطلبه المُستثمرون في ظروف كالظروف الحاليّة، فقد رفعَ أسعار الفائدة إلى 60% واتجه لـ«صندوق النقد الدولي» طالبًا المساعدة وأعلن عن تقليص شامل لميزانية 2019، لكن في الواقع لا أحد من المستثمرين سيشارك في الانتخابات، وبحسب ويليام جاكسون من «كابيتال إيكونوميكس»، شركة الاستشارات الاقتصادية، فإن سياسات ماكري: «تنال استحسان السوق، لا الناخبين».

وتراجع ماكري عن معظم بنود برنامجه، حيث كشف مؤخرًا عن سلسلة إجراءات لدعم الرعاية الاجتماعية وتخفيضات ضريبية للعمال الأقل أجرًا، وذلك في تحول في سياسته، حيث تعهد بزيادة الحد الأدنى للأجور وتجميد أسعار البنزين بشكل مؤقت ورفع حد الإعفاء للضريبة على الدخل بنسبة 20%، وبالرغم من أن هذه الإجراءات ستفيد الشعب الأرجنتيني، إلا أنها تعتبر انقلابًا على برنامج الإصلاح.

الديون.. المأزق المتجدد دائمًا

تظل الديون هي المأزق دائمًا في وجه أي برنامج إصلاح، ففي الوقت الذي تتوقع فيه «فيتش» أن يرتفع الدين الحكومي للأرجنتين إلى حوالي 95% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019، تشير التوترات الحالية إلى تزايد احتمالات تخلف البلاد عن سداد الدين السيادي، فيما يرى مارتن جوزمان الأستاذ المساعد في جامعة «بوينس آيرس»، أن الاختبار الحقيقي لقدرة الأرجنتين على تحمل هذه الديون سيبدأ في عام 2020.

ومؤخرًا، خفض بنك «مورجان ستانلي» توصيته للدين السيادي للأرجنتين والأسهم وقال إن حساباته تشير إلى أن البيزو قد يهبط بنسبة 20% أخرى، بينما تشير تقديرات إلى أن «البنك المركزي» لديه احتياطيات تصل إلى 66 مليار دولار، منها 20 مليار دولار موارد حرة يمكن استخدامها لدفع الدين واستقرار البيزو

في المقابل تقدر قيمة أقساط الدين في الفترة المتبقية من العام الحالي بما يتراوح بين 5 مليارات إلى 10 مليارات دولار تبعًا لقدرة الأرجنتين على تمديد آجال سندات الخزانة المحلية، فيما تشير بيانات حكومية إلى أن الاستحقاقات في عام 2020 تبلغ 27 مليار دولار، وهو رقم ضخم سيعقد المعادلة ويعرقل الإصلاح بالطبع.

إصلاحات السياسة النقدية.. هل أخطأ الأرجنتينيون التقدير؟

بالغ الأرجنتينيون في الاعتماد على السياسة النقدية بمساعدة «صندوق النقد»، وذلك لحل أزمة اقتصادية هيكلية لا تتعلق فقط بسعر الفائدة أو قيمة العملة، فهذه السياسيات رغم أهميتها لكن يجب أن تعمل جنبًا إلى جنب مع الإصلاحات بالاقتصاد الحقيقي، والتنمية الاقتصادية، لكن تبقى المبالغة في تطبيق السياسة النقدية فقط من أكبر المخاطر التي تهدد اقتصادات الدول بشكل خاص، والاقتصاد العالمي بشكل عام، فالمبالغة دائمًا ما يكون لها تأثير عكسي على وضع واتجاه النشاط الاقتصادي، وهو ما حدث في الأرجنتين.

ويقصد بـ«السياسة النقدية»: مجموعة الإجراءات التي تتخذها السلطات النقدية متمثلة في «البنك المركزي» من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وذلك من خلال عدة أدوات أهمها (سعر الفائدة، وسعر الصرف، والإصدار النقدي، وسعر الخصم، والسوق المفتوحة، والاحتياطي النقدي، والرقابة المباشرة على الائتمان، وغيرها). وبالرغم من محورية السياسة النقدية، إلا أنها تبقى إحدى الأدوات الرئيسة لمثلث السياسات الاقتصادية الكلية، فهي ضلع في مثلث السياسات الاقتصادية (النقدية – المالية – التجارية)، ولا يمكن القول إنها فقط قادرة على حل كل مشاكل الاقتصاد.

كيف ورط «البنك الدولي» الأرجنتين؟

لجأت الأرجنتين إلى طلب الدعم من «صندوق النقد الدولي»، في الثامن من مايو (أيار) 2018، إذ كشف، ماكري عن أن بلاده دخلت في محادثات لطلب خط ائتمان من الصندوق، وفي الثامن يونيو (حزيران) 2018، وافق الصندوق بشكل مبدئي على إقراض الأرجنتين ما يصل إلى 50 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.

ولدى الأرجنتين تجربة سيئة مع أموال «صندوق النقد» ففي 2001 خرجت البلاد عن برنامج للصندوق، فتعثّرت في سداد الديون وعانت ركودًا اقتصاديًا واضطرابًا اجتماعيًا مع ميل حادٍ لليسار السياسي، ولأكثر من عقد حكم البلاد شعبويون فتحوا باب الإنفاق العام، حتى فوز ماكري في الجولة الانتخابية الثانية عام 2015، ورغم أن ماكري بدأ بعد فوزه في برنامج للإصلاح بعيدًا عن «النقد الدولي»، إلا أنه لجأ إلى الصندوق في النهاية.

وسريعًا لم ينتظر الصندوق سوى أيام قليلة حتى أعلن في 20 يونيو (حزيران) 2018 أن مجلسه التنفيذي وافق على اتفاق تمويل بقيمة 50 مليار دولار للأرجنتين، مع صرف 15 مليار دولار إلى الحكومة الأرجنتينية.

ماوريسيو ماكري، رئيس الأرجنتين

الطلب والموافقة وصرف الشريحة الأولى حدث بوتيرة سريعة تثير الاستغراب، فالأرجنتين لا تمتلك ذكريات جيّدة مع الصندوق، كما أن البلاد عانت من الديون كثيرًا منذ بداية هذه الألفية، ففي 2001 أعلنت عن أنها عاجزة عن سداد ديونها، ونفس الأمر تكرر في يوليو (تموز) 2014 وذلك للمرة الثانية خلال 13 عامًا، وهي كذلك في وضع ليس بالجيد حاليًا، وكل هذه أمور من المفترض أن يتعامل معها الصندوق بدون تسرع، ولكن ما حدث هو أن الصندوق تعامل بسخاء كبير ومرونة غير معهودة ربما.

وبحسب هيكتور توريس، المدير التنفيذي السابق للصندوق، فإن هذا أكبر قرض على الإطلاق يقدمه الصندوق لأي دولة، إذ يؤكد أنه كلما ارتفعت ديون الأرجنتين المستحقة لدائن متميز مثل «صندوق النقد الدولي»، ازدادت صعوبة إقناع المستثمرين من القطاع الخاص «غير المميزين» بترحيل مطالباتهم والاستمرار في تمويل البلاد في عام 2020 وما يليه، إذ إن التاريخ ربما يوشك على تكرار ما حدث في 2001.

هذه الأموال إذًا كانت بمثابة ورطة أكثر منها حلًا، بالإضافة إلى أنه مع زيادة فرص فوز فرنانديز في الانتخابات، تتزايد الشكوك بشأن مستقبل خطة ماكري التقشفية التي يساندها «صندوق النقد الدولي»، خاصة أن فرنانديز اختار الرئيسة اليسارية السابقة كريستينا فرنانديز دي كوشنر لخوض الانتخابات معه على منصب نائب الرئيس، وهي تكيل الانتقادات منتقدة منذ وقت طويل لبرنامج الصندوق.

https://sasapost.co/how-military-junta-invested-world-cup-1978/

المصادر

تحميل المزيد