مع طلوع الفجر في أيام الصيف الحارة، كانت تدب حركة نشيطة داخل شوارع القرى المصرية، طوال القرن العشرين وحتى فترة الثمانينيات منه، كان هذا النشاط نتيجة حركة تجمع الشباب والفتيات للذهاب إلى «الدودة»، وهو الاسم الذي كان يطلقه المصريون على أعمال «المقاومة اليدوية لدودة ورق القطن»، والتي كانت تستنفر الصغير والكبير للعمل في هذا الموسم، الذي ينتظره الجميع بشغف، وتتحول فيه القرية إلى ما يشبه خلية نحل بشرية.

في ذلك الوقت، لم يكن هناك أحد في القرية يعاني من البطالة، فكانت كل منطقة تحتوي على عدد من الفرق على رأس كل منها شخص يسمى «الخُولي»، يتولى الإشراف على الفرقة، ويُقسم «الخولي» العمال إلى قسمين: «الأنفار»، وهم الذين يقلبون أعواد القطن للبحث عن «اللُطع» الموجودة على الأوراق الموجود عليها بيض فراشات القطن، والمجموعة الأخرى يُطلق عليهم «الفرارين»، وهم الذين يراجعون خلف الأنفار ويتابعون مدى دقتهم في العمل.

وبالرغم من أن زراعة القطن كانت تحتاج إلى رعاية واهتمام متواصل، وكانت أيامًا من التعب والشقاء في كل مراحل الزراعة والحصاد، وعند تعبئة القطن في أكياس الخيش، وخلال وزنه عند البيع، فإن الفرحة والأغاني كانت وسيلة المصريين للتغلب على هذا التعب.

فكان المزارعون يرددون الأناشيد والمواويل الشعبية، وبعضها كان مرتبطًا بالقطن، مثل: «نورت يا قطن النيل، شرفت يا ورد النيل، يا حلاوة عليك يا جميل» و«القطن لوز يا حكومة، عاوزين نتجوز يا حكومة.. القطن نور يا حكومة، عاوزين نتصور يا حكومة»، تعبيرًا عن أهمية هذا المحصول في حياة المصريين، إضافة إلى أغانٍ فلكلورية أخرى كانت تنتشر في الريف، تعبر عن آلام المصريين وآمالهم.

غير أن هذه الأجواء وتلك الأغاني تلاشت واختفت، بسبب تراجع القطن الذي لقبه المصريون بـ«الذهب الأبيض»، وبسبب نزوله عن عرشه الذي احتله عالميًّا لسنوات طويلة، وتوارى خجلًا بعد أن احتل ذيل قائمة اهتمامات الدولة والفلاح.

متى بدأت زراعة القطن المصري؟

يُرجح أن زراعة القطن في مصر بدأت في عهد الإسكندر الأكبر، بعد أن حمل شجرة القطن معه من الهند في عام 336 قبل الميلاد، وهذا هو أقدم تاريخ معروف لزراعة القطن في مصر. وفي عام 1600 للميلاد، دخل القطن من السودان إلى مصر وزُرع كشجرة زينة في ذلك الوقت، ثم زاد التوسع في زراعة القطن في عهد محمد علي.

محصول قطن

ووفقًا لما ذكره المؤرخ أحمد الحتة في كتابه «تاريخ الزراعة المصرية في عهد محمد علي بك الكبير» فإن «مصر استمرت في زراعة القطن البلدي إلى أن اكتشف الخبير الفرنسي جوميل، أحد الذين جلبهم محمد علي إلى القاهرة، ومدير مصانع محمد علي ببولاق، نوعًا من الأقطان الهندية أطلق عليه قطن «محو»، فأمر محمد علي بزراعته عام 1821؛ فجاء بمحصول وافر، وجلب بذور القطن من الهند، وارتفعت صادراته من 944 قنطارًا عام 1821، إلى 35108 قناطير سنة 1822، ثم إلى 159246 قنطارًا عام 1824».

بعد ذلك أنشأ محمد علي عددًا من الصناعات المتعلقة بالقطن، وكان أول مصنع حكومي للنسيج اسمه، «الخرنفش» للنسيج، ثم أنشا معامل الغزل والنسيج للاستفادة من القطن تحتوي على 1459 نولًا للغزل، وأكثر من 1200 نول للنسج، مما جعل إنتاج الأقمشة القطنية المصرية مليوني قطعة سنويًّا. وارتفعت صادرات مصر من القطن من 944 قنطارًا عام 1821 إلى 364816 قنطارا عًام 1850.

ثم جاءت الحرب الأهلية الأمريكية بين عامي 1861 و1865، وما ترتب عليها من هبوط إنتاج القطن في أمريكا، ليكون ذلك سببًا في انتعاش زراعة القطن في مصر، وازدياد إنتاجه وارتفاع أسعاره بصورة تعد نقطة تحول رئيسية في تاريخ زراعة القطن المصري؛ إذ قفزت صادرات مصر من 596 ألف قنطار في عام 1861، إلى 2507 ألف قنطار في عام 1865.

ومنذ ذلك الحين توطدت زراعة القطن في مصر أكثر وأكثر، وبدأ اهتمام الدولة بإيجاد أصناف جديدة من القطن، واستورد العديد من الأنواع والأصناف، لا سيما أقطان «سي أيلاند» التي كانت تزرع في جزر الهند الغربية.

القطن المصري.. أجيال وراء أجيال

في عام 1960، ظهر صنف القطن «الأشموني» الذي يعد أقدم الأصناف المصرية الحديثة، ويعد الأب المباشر لمعظم أصناف القطن المصري، وقد نفذ مهمة انتخاب الأصناف الجديدة للقطن المصري في أواخر القرن الثامن عشر بعض الأفراد المشتغلين بالقطن من غير الملمين بالأصول العلمية الزراعية، واستمر ذلك الوضع حتى إنشاء الجمعية الزراعية المصرية عام 1898.

بعد ذلك نفذ هذه المهمة قسم «تربية النباتات» بوزارة الزراعة بعد إنشائها عام 1913، بالتعاون مع الجمعية الزراعية المصرية، وشُكل لهذا الغرض «مجلس مباحث القطن» في عام 1919، وبعده «لجنة الأبحاث الفنية» بالجيزة عام 1928.

وفي عام 1963 تأسست هيئة مراقبة بحوث تكنولوجيا القطن، التي ضمت أربعة أقسام، هي تربية القطن، والمحافظة على أصناف القطن، وفسيولوجيا القطن، وزراعة القطن، وقد ضمت هذه المراقبة عام 1973 إلى معهد بحوث القطن، التابع لمركز البحوث الزراعية، وذلك من خلال ثلاث محطات رئيسية للبحوث في «الجيزة»، و«سخا»، و«بهتيم».

واستنبطت هذه المحطات أصنافًا عديدة، منها على سبيل المثال «السكلاريدس» الذي كان يعد لؤلؤة الأقطان المصرية في زمانه، وبعده «ميت عفيفي»، و«الأصيلي»، و«اليانوفتشي»، و«العباسي»، و«النوبارى»، و«البليون»، و«النهضة»، و«الفؤادي»، و«الكازولي»، و«الجيزة 3»، و«الجيزة 7»، و«سخا 4»، و«الوفير»، و«الجيزة 23».

وكان لهذه الأصناف كفاءة عالية في الإنتاج والجودة، لاسيما قطن «ميت عفيفي» الذي دخل إلى الولايات المتحدة حوالي سنة 1900، حين كانت واشنطن تبحث عن التوصل إلى صنف قطن مصري يوافق البيئة الأمريكية في المناطق الزراعية بولاية أريزونا، وجنوبي ولاية كاليفورنيا.

دور القطن في الاقتصاد المصري

بسبب أهميته الزراعية والصناعية، لعب القطن دورًا سياسيًّا، واقتصاديًّا، واجتماعيًّا كبيرًا في تاريخ مصر الحديث، فقد أسهم كثيرًا في بناء اقتصاد الدولة والأفراد على السواء، المحلي جميع قطاعاته.

ولأسباب عديدة، أصبح القطن عماد الاقتصاد المصري طوال أكثر من قرن ونصف، وكان المصدر الرئيسي للنشاط الإنتاجي والاقتصادي لما يقرب من مليون مزارع، وما يزيد على نصف مليون عامل في مجال الصناعة والتجارة.

كما مثّل القطن المادة الخام لصناعة الغزل والنسيج، وبلغت مساحة الأراضي المزروعة بالقطن خُمس الأراضي الصالحة للزراعة، وبلغت ذروتها بين عامي 1951 و1961، عندما اقتربت المساحة المنزرعة بالقطن في تلك الفترة نحو مليوني فدان في العام.

ولم يكن القطن هو مصدر الرخاء والاكتفاء في حياة الفلاحين، وعمال الغزل والنسيج فقط، بل كان يمثل «الذهب الأبيض» الذي يحتل قائمة الصادرات المصرية للأسواق الخارجية، وعلامة تجارية تتمتع بثقة دول العالم كافة، وكان أهم وأغلى صادرات مصر.

ويرجع ذلك إلى ما اكتسبه القطن المصرى منذ القدم من سمعة حسنة، حتى عُد أفضل أنواع القطن؛ نظرًا إلى تميزه بطول التيلة؛ لأن قدرًا كبيرًا منه طويل التيلة وفائق الطول، وهو ما يعني أن أليافه أطول، الأمر الذي يتيح إنتاج منسوجات أعلى جودة، وأخف وزنًا، وأطول عمرًا، وملابس راقية.

ولذلك يلقى القطن المصري تقديرًا عاليًا بخلاف الفصائل الأخرى من القطن المنتشرة في بقاع العالم التي تزرع القطن. ولذا كان تصدر غالبية محصول القطن إلى الخارج.

ورغم أن دولًا أخرى من بينها الولايات المتحدة وأستراليا، تنتج كميات من القطن الممتاز أكبر مما تنتجه مصر؛ فقد احتفظ القطن المصري بسمعته ومكانته، حتى بعد تراجع كميات الإنتاج منه.

وبذلك تبوأت مصر مكانًا مرموقًا على مدى سنوات طويلة في إنتاج القطن، وفي تفوق الأقطان المصرية بصفة عامة، والأقطان الطويلة الممتازة بصفة خاصة في الأسواق العالمية، وقد ساهمت مصر بنحو 65% من إنتاج الأقطان الطويلة الممتازة في منتصف القرن الماضي، وكانت تحتل بها المركز الأول عن جدارة، من حيث الكم أو الكيف على السواء، ولكن لأسباب عديدة تراجعت هذه النسبة تراجعًا كبيرًا.

مراحل تطور زراعة القطن

ومكن تقسيم المراحل التي مرت بها زراعة القطن في مصر لمراحل عدة، يمكن اختصارها في أربع مراحل:

  • المرحلة الأولى: بدأت في عام 1820، وجاءت في إطار سياسة محمد علي التي تميزت بالتوسع فى زراعة القطن، وإقامة صناعة غزل ونسيج وصباغة وطباعة وتجهيزات وطنية متكاملة، واعتمد إنشاء المصانع على التصنيع المحلى للآلات؛ حتى أصبحت مصر مصدرًا للمنتجات النسيجية القطنية، ومنافسًا كبيرًا للصناعة البريطانية، وعدها البعض أحد دوافع الاحتلال البريطاني لمصر لاحقًا.
  • المرحلة الثانية: تحت الاحتلال البريطاني (1882- 1920) وفيها تحولت مصر إلى مزرعة للقطن لصالح الصناعات القطنية البريطانية، إذ أصبحت مصر مستوردة لكل المنتجات النسيجية القطنية، والمستفيد من تصدير خام القطن هم الأجانب.
  • المرحلة الثالثة: في نهاية عصر الملكية، وقبل قيام الجمهورية، أي في الفترة ما بين عامي (1921– 1952) وفيها حدثت بداية استراتيجية وطنية بتخطيط من طلعت حرب برعاية «بنك مصر»، حتى بلغ استهلاك الصناعة الوطنية نحو مليوني قنطار في الفترة ما بين عامي (1945– 1949).
  • المرحلة الرابعة: ما بين عامي (1953- 1981) وفيها استمر التوسع فى زراعة القطن وإنتاجه، مع التوسع في التصنيع، حتى بلغ استهلاك الصناعة الوطنية أوَجَهُ عام 1980– 1981.

هل تسببت الدولة عن عمد في تراجع زراعة القطن؟

منذ ثمانينيات القرن العشرين، تراجعت مساحة زراعة القطن شيئًا فشيئًا، وتوقف التحسين في إنتاجية الفدان، ومن ثم تراجع الإنتاج الكلي، مما أثر بالسلب في الصناعة الوطنية، مثل الغزل والنسيج التي تراجعت في وقت كانت فيه العديد من الدول تتقدم بخطى واسعة في هذا المجال، وخاصة الولايات المتحدة التي كانت أكبر مستفيد من انهيار زراعة القطن المصري، وتدهور الصناعات المرتبطة به.

بعد ذلك، انتقل مركز هذه الصناعات التي كانت تتقدمها مصر إلى الولايات المتحدة، التي تُعد بجانب الهند، والبرازيل، واستراليا من بين المصدرين الرئيسيين للقطن في العالم.

وفي عقد التسعينيات، وتحت ضغط من «صندوق النقد الدولي»، في أعقاب تقديمه قرضًا للقاهرة للقيام بـ«إصلاحات اقتصادية»، حررت الحكومة المصرية زراعة القطن بقانون رقم 210 لعام 1994، وألغت الدورات الزراعية الإجبارية، وهو ما كان يعني تخلي الدولة عن مسؤوليتها كاملة عن شراء وتسويق القطن، ودعم مستلزمات الإنتاج للفلاحين، وترك المزارعين فريسة لمداولات السوق وللتعامل المباشر مع التجار، الذين خفضوا سعر الشراء لجني المزيد من الأرباح.

ويؤكد كثير من الخبراء أن إلغاء الدورة الزراعية الإجبارية عام 1994 – التي كانت تحدد للمزارعين نوعية الأصناف ومساحة الأراضي المنزرعة بها- كان أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار زراعة القطن، بالإضافة إلى البذور قليلة الجودة، ورفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج.

وبعد هذا القرار المفصلي، وخلال عقدين فقط، تناقصت المساحة المزروعة بالقطن تدريجيًّا من مليون فدان في 1994، حتى 130 ألف فدان فقط في 2014.

وفي تلك الفترة، تسبب انخفاض الطلب على القطن في عزوف الفلاحين عن زراعته، وانخفض متوسط أسعار القطن المورد للمغازل المصرية، مما تسبب في خسائر كبيرة للفلاحين ولمصانع الغزل والنسيج على السواء.

وفي دراسة أعدها بنك التنمية الصناعية في نهاية 2010، لم يعد القطن المصري يوفر سوى 15% فقط من الاحتياجات الكلية للصناعة الوطنية، وباتت المغازل المصرية تلجأ لاستيراد القطن الأمريكي، بسبب ارتفاع أسعار القطن المصري، واللافت أن الحكومة تشجع هذه المغازل على الاستيراد، إذ تحصل المغازل على دعم من الحكومة قدره 225 مليون جنيه على الغزول والأقمشة المصنعة من الأقطان المستوردة، بينما كانت الحكومة قد ألغت الدعم عن مستلزمات زراعة القطن المصري وتسويقه.

تراجع إنتاج القطن المصري.. صندوق النقد وعوامل أخرى!

فضلًا عن الدور الأساسي في اشتراط صندوق النقد الدولي على الحكومة المصرية عدم دعم زراعة القطن، وإلغاء الدورات المعتادة لزراعته عام 1994، فإن هناك أسبابًا أخرى عديدة وراء تراجع إنتاجه في السنوات الأخيرة، أهمها الفساد الإداري والمالي، حتى باتت صادرات مصر من القطن للأسواق الخارجية لا تتجاوز 150 مليون دولار فقط.

ويرى خبراء سبب انهيار محصول القطن، أن الدولة كانت تتلاعب في أسعار توريده، فعلى سبيل المثال، كان سعر القنطار في عام 2003 يبلغ 1300 جنيه، ولكنه انخفض إلى 600 جنيه في العام التالي مباشرة 2004، إذ وصلت خسائر القطن في هذا الوقت إلى 2.3 مليار جنيه في عام واحد، وأمام هذه الظروف الصعبة اضطر الفلاح إلى الهروب من زراعة القطن.

من جانب آخر، تسبب انتشار استخدام المبيدات الحشرية في زراعة القطن المصري في عزوف الدول الأجنبية عن استيراده، بالرغم من جودته وتميزه بالنعومة الفائقة التي تؤهله للاستخدام في صناعة المنسوجات عالية الجودة.

سبب آخر أشارت إليه بيانات وزارة الزراعة الأمريكية التي أظهرت أن إنتاج القطن المصري تراجع على مدار العقد الأخير تراجعًا واضحًا، وقالت الوزارة إن انخفاض الإنتاج أصبح أزمة متكاملة الأركان في السنوات الأخيرة بسبب إلغاء الحكومة الدعم النقدي، الذي كانت تقدمه للمزارعين، حتى اتجه كثير من الفلاحين لزراعة الأرز بدلًا من القطن.

ارتباط الاقتصاد المصري بالسياسات الخارجية يعد أيضًا من أهم تلك الأسباب، وفقًا لما تراه الدكتورة بسنت فهمي، نائب رئيس «حزب الدستور»، والخبيرة المصرفية التي تحدثت عن وجود خطة متعمدة ليست لضرب زراعة القطن وصناعة الغزل والنسيج فقط، ولكن لضرب الاقتصاد القومي في مقتل، من خلال الاعتماد على الاستيراد وتدمير الزراعات والصناعات الوطنية، حتى لا تمتلك مصر القرار في الإنتاج.

وكشفت الخبيرة المصرفية أنه «يوجد للأسف ما بين 100 حتى 300 رجل أعمال ومستورد يتحكمون في مصير الاقتصاد القومي، بجانب سياسات البنك المركزي في دعم الاستيراد لصالح رجال الأعمال، من خلال سداد أسعار المنتجات المستوردة عنهم بالدولار».

أزمة القطن.. فتش عن إسرائيل

يربط بعض الخبراء أزمة تراجع القطن المصري باتفاقية «كويز»، التي وقعت بين مصر وإسرائيل والولايات المتحدة، وتنص على إنشاء مناطق صناعية داخل مصر لتصدير منتجاتها إلى أمريكا بدون جمارك، بشرط مساهمة كل طرف «مصر، والولايات المتحدة، وإسرائيل» بمكونات محلية لا تقل عن 11.17%.

وبناء على الاتفاقية تستورد مصر أقطانًا أمريكية، وكذلك منتجات غزل إسرائيلية، وهو ما يجعلها تهمل زراعة القطن في البلاد، ولا تكون أولوية بالنسبة للحكومة، ما يفسر السبب الذي يبرر تغير السياسات الزراعية في البلاد. ولعبت اتفاقية «كويز» دورًا محوريًّا أيضًا بتسريع غزو السوق المصرية بأقمشة مستوردة. وخاصة أن شركات استيراد القطن المصري أصبح غالبيتها تابعة لتلك الاتفاقية.

ويرى صلاح بديوي، صاحب كتاب «الاختراق الإسرائيلي للزراعة المصرية»، أن ما وصل إليه القطن المصري يرجع إلى اختراق تل أبيب لقطاع الزراعة، إذ صدرت توصيات أمريكية بالتخلص من الزراعات الاستراتيجية، كالقطن والحبوب، واستبدال الزراعات الحديثة بها، مثل الفراولة والكنتالوب التي تسوق في أوروبا وبثمنها تشتري مصر الحبوب.

هل يواجه القطن المصري خطر الانقراض؟

بالرغم من أن القطن المصري ذو جودة عالية وشهرة تاريخية على مستوى العالم، فإن المصريين باتوا يواجهون خطر انقراض هذه الزراعة الاستراتيجية التي تمر بمرحلة حرجة حاليًا، بحسب تصريحات حسين أبو صدام نقيب الفلاحين.

فبعد أن كانت مصر تزرع نحو مليوني فدان في الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت الحكومة تشتري الإنتاج وتحلجه وتصدره، وأحيانًا تصنعه، انهارت زراعة القطن لسنوات، أعلنت الحكومة أن عام 2018 هو عام الذهب الأبيض، وحددت سعر ضمان للمحصول 2700 جنيه للوجه البحرى، و2500 جنيه للقبلى، على أن تلتزم الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج بشراء الأقطان.

نقيب الفلاحين أكد أن فشل الحكومة في شراء الأقطان بسعر الضمان جعل التجار يستغلون المزارعين، واشتروا القطن بأسعار أقل من أسعار الضمان، مما جعل بعض المزارعين يعزفون عام 2019 عن زراعة القطن لتتدنى المساحة المزروعة من 336 ألف فدان عام 2018، إلى 236 ألف فدان عام 2019.

الفلاح بين مطرقة الخسارة وسندان الغرامة

الأمر لم يقف عند هذا الحد، لكن الحكومة انتهجت استراتيجية جديدة تحت شعار استعادة سمعة القطن المصري ومكانته في الأسواق العالمية، حسب تصريحات المسؤولين، وحصول المزارع على العائد المناسب دون تدخل للوسطاء، لكن هذه المنظومة قضت على بريق الأمل الذي كان ينتظره كل المهتمين بزراعة القطن.

فعند بداية تطبيق هذه المنظومة لم يزد السعر عن سعر فتح المزاد وهو 2100 جنيه للقنطار، وهو أقل من أسعار العام الماضي بنحو 400 جنيه للقنطار، فيما غاب المزايدون من التجار؛ لأنهم يملكون فائض قطن كبيرًا من العام الماضي، ومع تدني أسعار القطن عالميًّا تعثرت المنظومة الجديدة، وأصبح أمل الفلاحين هو بيع القطن بأي سعر، عاقدين العزم على عدم زراعة القطن مرة أخرى.

ويرى نقيب الفلاحين أن الزراعة المصرية الآن تمر بأسوأ مراحلها؛ إذ إن الفلاح يعيش هذه الفترة بين نارين، فإما أن يزرع أرضه بالخسارة أو على الأقل بلا مكاسب، وإما يتركها بلا زراعة فيُغرَّم.

وفي السياق نفسه، قال مجدى ملك، عضو بلجنة الزراعة والري بمجلس النواب، إن مساحة زراعة القطن تراجعت من مليونين و360 ألف فدان، إلى 150 ألف فدان، موضحًا أن هذا الأمر يشكل انهيارًا كبيرًا في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.

الغريب في الأمر أن البرلماني كشف عن أن لجنة الزراعة بالبرلمان لم تتطرق لمناقشة أي مشكلة تخص مجال الزراعة، في الوقت الذي نسب فيه انهيار زراعة القطن الهيكل الإداري لوزارة الزراعة، وكذلك «نتيجة الإهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية، وتعيين عمال غير زراعيين في المقام الأول»، على حد تعبيره.

القطن لم يتضرر وحده.. تدهور صناعات الغزل والنسيج

كان من الطبيعي أن يصل صدى انهيار زراعة القطن إلى قطاعات أخرى عديدة. لأنه بجانب كونه محصولًا نقديًّأ ويدر عملة صعبة عند التصدير، فإن استخداماته تشمل صناعة المنسوجات، كما تستخدم الألياف القصيرة حول البذور في صناعة الورق والبلاستيك، والبذور في إنتاج الزيت.

يكفي فقط الإشارة إلى أن نحو 480 مصنعًا من بين 1200 من أكبر مصانع الغزل والنسيج المسجلة في مدينة المحلة وحدها، قد أُغلقت بسبب تعثّر أصحابها وتراكم الديون عليهم، وذلك نتيجة تدهور سوق صناعة الغزل والنسيج، الناتج بدوره عن تدهور زراعة القطن.

وتقوم على القطن عدة صناعات، أهمها الصناعات التجهيزية: وتتمثل في صناعة آلات حلج القطن وكبسه، وفي مضارب الأرز ومصانع تجهيزه، وتجهيز النيلة للصباغة، ومعاصر الزيوت، ومصانع لتصنيع المواد الكيماوية. إضافة إلى الصناعات التحويلية؛ وهي الصناعات المتعلقة بالغزل والنسيج بكافة أنواعه.

مصائب قوم عند قوم فوائد

فضيحة مدوية لشركة هندية كبرى لصناعة المنسوجات حدثت في أغسطس (آب) 2016، سلطت الضوء على القيمة العالية للقطن المصري، وعكست جزءًا من الأزمة التي يمر بها أيضًا، وذلك حين باعت شركة «ولسبن إنديا» الهندية منتجات قطنية كتبت عليها زورًا أنها مصنوعة من القطن المصري الممتاز لشركات تجزئة أمريكية كبرى.

وعلى إثر هذه الواقعة خسرت أسهم الشركة التي تعد من أكبر الشركات العالمية في هذا المجال 42% من قيمتها السوقية في ثلاثة أيام بعد الإعلان عن تلك الفضيحة. وتوجيه اتهام لها باستخدام أنواع رخيصة من القطن غير المصري في صناعة المنتجات القطنية.

وإذا كان استغلال سمعة القطن المصري يحدث بهذه الطريقة من قبل شركة كبرى بحجم «ولسبن إنديا»، فإن المراقبين يحذرون من أن هذا الأمر يحدث بصورة أكبر من ذلك بكثير، وتؤكد «جمعية القطن المصري» أنها أجرت اختبارات على منتجات كتب عليها «قطن مصري» تباع للمستهلك، واكتشفت أن 90% منها لا تحتوي على القطن المصري على الإطلاق.

القصة الحزينة لانهيار زراعة القطن والصناعات المرتبطة به في مصر، تطلق أجراس إنذارات عديدة حول مستقبل الزراعة في مصر، التي بدأت تشهد عزوف الفلاحين عن زراعة عدد من المحاصيل الاستراتيجية – مثل القطن، والأرز، والفول، والبطاطس، والطماطم، وقصب السكر، والذرة- نتيجة الخسائر التي تكبدوها من جراء زراعتها.

فابتعاد الفلاحين عن زراعة هذه المحاصيل الأساسية، قد تحول إلى ظاهرة واضحة، وكأن خلفها سياسة موجهة، بعد تزايد أسباب خسارة المزارعين عبر رفع تكلفة مستلزمات الإنتاج، مع بيع المحصول بأثمان رخيصة في ظل عدم وجود جمعيات وتكتلات تحميهم.

«طويل التيلة لم يعد كذلك».. قصة انهيار القطن المصري

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد