في الخامس من يونيو (حزيران) الجاري، رفض 76.9% من السويسريين في استفتاء شعبي، مبادرة «دخل أساسي غير مشروط للجميع» وسط مخاوف من تأثير تطبيق هذا الإجراء سلبًا على قيمتي العملة والعمل، وصعوبة تمويله

في الخامس من يونيو (حزيران) الجاري، رفض 76.9% من السويسريين في استفتاء شعبي، مبادرة «دخل أساسي غير مشروط للجميع»؛ وسط مخاوف من تأثير تطبيق هذا الإجراء سلبًا على قيمتي العملة والعمل، وصعوبة تمويله.

جاء الاستفتاء على هذه المبادرة الشعبية، من بين ستة استفتاءات جرت على مبادرات شعبية وقرارات حكومية، في نفس يوم الاقتراع. ولقد اعتاد سكان سويسرا – يتعدى عددهم ثمانية مليون نسمة، ربعهم تقريبًا من الأجانب- على هذا النوع من الاستفتاءات؛ إذ يُدعى السويسريون إلى التصويت ثلاث أو أربع مرات سنويًا، حول عدد من القضايا التي تقترحها الحكومة أو تلك التي يقترحها مواطنون من خلال المبادرات الشعبية.

ماهية المبادرة وطريقة عملها؟

تقدم مجموعة من المواطنين السويسريين، الذين لا ينتمون إلى أي حزب سياسي، بمبادرة شعبية جاءت تحت عنوان «من أجل دخل أساسي غير مشروط». وتقترح المبادرة تخصيص الحكومة السويسرية راتبًا شهريًا لكل السويسريين والأجانب المقيمين منذ أكثر من خمسة أعوام من العاملين، وغير العاملين، ومن البالغين، والقُصر.

ويقترح أصحاب المبادرة، أن يكون حجم ذلك الراتب الشهري 2500 فرانك سويسري (2560 دولار تقريبًا ) لكل بالغ، وهو مبلغ لا يُعد كافيًا في سويسرا، وكذلك ما يعادل 740 دولار لكل قاصر. ويحتاج هذا الإجراء، إذا ما طبقته الحكومة السويسرية، إلى ميزانية إضافية تبلغ حوالي 25 مليار فرانك سويسري (25.6 مليار دولار) تقريبًا. وهو ما يُعادل حوالي 35% من إجمالي الناتج المحلي في سويسرا.

وتتبلور طريقة عمل المبادرة، وآلية تمويلها، وفقًا لأصحابها، على أن عديم الدخل يتلقى الدخل الأساسي غير المشروط، وكذا يتلقى من له دخل. ولكن الأخير يُخصم منه مبلغ – لا يزيد عن قيمة الدخل الأساسي نفسه – لتمويل خزينة الدخل الأساسي.

ولمزيد من التوضيح، فإذا افترضنا أن قيمة الدخل الأساسي غير المشروط هي 2500 فرنك، فإن الشخص عديم الدخل، يتلقى 2500 فرانك شهريًا. أما الشخص الذي يتقاضى ـ مثلًا ـ ألف فرانك شهريًا، فإن النظام يمنحه 1500 فرانك آخرين، والشخص الذي يتقاضى 2500 راتبًا شهريًا يظل دخله كما هو، دون زيادة أو نقصان.

والشخص الذي يزيد راتبه الشهري عن قيمة الدخل الأساسي (2500 فرانك سويسري)، ببلوغه ـ مثلًا ـ خمسة آلاف فرانك، فيُخصم نصف راتبه لتمويل نظام الدخل الأساسي غير المشروط، ويتبقى النصف الآخر له، على أن تصرف له الحكومة «الفيدرالية» أيضًا 2500فرانك سويسري، الذي يمثل حقه في الدخل الأساسي غير المشروط.

ويرى أصحاب المبادرة أن هذه الطريقة، ستُغطي حوالي 88% من احتياجات خزينة الدخل الأساسي غير المشروط، مع إمكانية البحث عن طرق أخرى لتمويل النسبة المتبقية قد يكون منها فرض رسوم أو ضرائب جديدة على المواطنين.

أسباب إطلاق المبادرة وطرق ترويجها

يرى مطلقو المبادرة أن توفير دخل أساسي غير مشروط، لكل فرد منذ ولادته، وحتى وفاته، سيساعد في القضاء على الفقر ويقضي على التقيد بنظام المساعدات الاجتماعية، الذي تشوبه «البيروقراطية». وسيتيح النظام إمكانية اختيار كل فرد العمل الذي يروق له، وسيعزز الابتكار، ويدعم العمل التطوعي، ويمنح قيمة أكبر لرعاية الأطفال والمسنين والمرضى.

ويؤكد مؤيدو المبادرة، أنها ستُمثل حلًا بديلًا لمواجهة البطالة الناتجة من ارتفاع معدلات «الأتمتة والرقمنة» (أي التشغيل الآلي واستخدام الروبوتات)، في مختلف القطاعات الاقتصادية محليًا وعالميًا، ذلك الارتفاع الذي يُنذر بتقلص مواطن العمل وفرصها، بالنسبة للفرد، حينما تحل محله الآلة. ويرى مؤيدو المبادرة أن تطبيقها سيتيح الفرصة لتقييم مالي أفضل للأعمال الشاقة؛ لما تتيح من مجال مناورة عند التفاوض حول تفاصيل عقد العمل.

وقد نجحت المبادرة في جمع 100 ألف توقيع، قبل طرحها على الاستفتاء الشعبي. وأشاد مراقبون بإبداع الحملات التي شنها مؤيدو المبادرة، والتي تضمنت إفراغ ثمانية ملايين قطعة نقدية من فئة خمسة سنتيمترات أمام «القصر الفيدرالي»، في العاصمة السويسرية «برن»، ذلك بالإضافة إلى التوزيع المجاني لأوراق مالية من فئة 10 فرنكات في محطات القطار.

وفد كشف استطلاع رأي، موله مؤديو المبادرة، عن أن 2% فقط من السويسريين، سيتركون عملهم في حال تطبيق المبادرة. وقد فشلت المبادرة في كسب تأييد الأحزاب السياسية، فيما عدا عدد قليل من قوى «اليسار» و«اليساريين الخضر». وقبل التصويت الشعبي رفض أغلبية أعضاء «مجلس الشعب» (الغرفة السفلى) المبادرة بـ157 صوت مقابل 19 مؤيد لها، فيما امتنع 16 عضوًا عن التصويت. ومن مجلس «الكانتونات» (الغرفة العليا)، لم يؤيد المبادرة سوى نائبة اشتراكية واحدة فقط.

نتيجة الاستفتاء على المبادرة (المصدر: موقع سويس إنفو)

وأظهرت استطلاعات رأي قبيل الاستفتاء، رفض المبادرة بنسبة تتجاوز 70%، وهو ما تحقق بالفعل في الاستفتاء؛ إذ أيد المبادرة 23.1% فقط من المصوتين، بعدد أصوات بلغ 568.905 ، في مقابل 76.9% رفضوا المبادرة، بعدد أصوات بلغ 1.896.963 ، وقد بلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء 46.3%. وفوتت نتيجة الاستفتاء الفرصة على سويسرا في أن تصبح أول دولة في العالم تدفع دخلًا أساسيًا غير مشروط لكل فرد من سكانها.

أسباب رفض المبادرة

رفضت الحكومة والأحزاب السياسية وأغلبية الشعب المبادرة. وتعددت وتنوعت أسباب الرفض القاطع للمبادرة، وارتكزت أسباب الرفض بشكل أساسي على مخاوف تغيير النظام الاجتماعي بشكل غير مضمون. ذلك بالإضافة إلى صعوبة تمويل تلك المبادرة، والقلق من انخفاض قيمة العمل، وانخفاض القيمة الشرائية. وكذا التخوف من زيادة عمليات الهجرة إلى سويسرا.

وينظر المجتمع السويسري، بحساسية كبيرة، تجاه التغييرات الاجتماعية الجذرية. وتُلام المبادرة على تشكيكها في نظام التأمين الاجتماعي. هذا ويبلغ عدد التأمينات الاجتماعية في سويسرا 13 تأمينًا يشكلون نظام الضمان الاجتماعي هناك، ذلك النظام الذي يراه محللون لا يخلو من العيوب، لكنه يحفز على العمل والتأهيل المهني.

ويرى معارضون في المبادرة تثبيطًا لأداء العمل، في مجتمع يُقدس قيمة العمل، وتزداد المخاوف من أن تشجع تلك المبادرة على التسيُّب والكسل وترك العمل والاعتماد على الدخل الأساسي غير المشروط فقط. وتعبيرًا عن تلك المخاوف، نشر معارضون صورة ساخرة تظُهر ملكًا كسولًا تُحيط به بقايا الأكلات السريعة وزجاجات الخمر الفارغة ومطفأة سجائر ممتلئة، في إشارة ناقدة إلى ما يُمكن أن يتحول إليه مواطني سويسرا؛ إذا ما طبقت الحكومة المبادرة.

ونقل موقع سويس إنفو السويسري عن خبراء اقتصادين اعتقادهم بـ«استحالة» تمويل المبادرة، لافتين إلى أن الاعتماد على ضريبة القيمة المضافة في تمويلها، سيُقلل القوة الشرائية للمواطن السويسري، وسيُضعف الاقتصاد الوطني، ويمكن أن يُقلص قيمة العملة السويسرية.


وتعد إحدى أبرز أسباب الرفض، هي أنّ المبادرة قد تساعد على زيادة الهجرة بشكل كبير إلى سويسرا. وقد روج إلى تلك الفكرة أحد مؤديدي المبادرة – بنيران صديقة على ما يبدو – عندما قال «أوزفلد سيج»، المتحدث السابق باسم الفيدرالية، في حوار له مع صحيفة سويسرية، نُشر في أبريل (نيسان) الماضي «لا أعتقد أنه سيكون بالإمكان اعتماد الدخل الأساسي غير المشروط في سويسرا، إذا ما كنا البلد الوحيد الذي يقوم بذلك»، موضحًا أنّه «من المحتمل جدًا أن يُؤدي هذا إلى ارتفاع شديد في معدلات الهجرة. لا يُمكن إدخال تغييرات عميقة من هذا القبيل إلا ضمن شبكة من البلدان على المستوى الأوروبي». واعتبرت وسائل إعلام سويسرية تلك التصريحات الضربة القاصمة للمبادرة.

لا داعي للاستغراب!

على الرغم من أن رفض مبادرة كهذه، قد يكون غريبًا، وبالأخص على المجتمعات العربية والدول النامية؛ فالأمر لم يكن كذلك بالنسبة لعدد من الصحف الأمريكية والروسية والأوروبية والصينية التي أشادت معظمها بـ«عقلانية» الناخبين السويسريون، لافتين إلى أهمية طرح قضية كهذه لإعادة النظر في العلاقة التقليدية بين الدخل والعمل، بالرغم من عدم نجاح المبادرة في كسب الأغلبية.

ولا يبدو أمر رفض مبادرة كهذه «غريبًا» على السويسريين؛ الذين رفضوا منذ أربعة أعوام، مبادرة شعبية كانت تستهدف زيادة أسابيع العطلة السنوية مدفوعة الأجر، من أربعة أسابيع إلى ستة أسابيع؛ خوفًا من تراجع قدرتهم التنافسية عالميًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد