1,316

يشكل البشر ذكرياتهم عن الأحداث الشخصية كقصة مترابطة الأسباب والنتائج؛ ليتذكروها وهم بمفردهم، ويعيدوا حكيها للآخرين بصورة أكثر ملائمة لأفكارهم وقناعاتهم الحالية. وأحيانًا يتسبب الاختلاف في قناعاتهم وأفكارهم الحالية عما كانوا عليه في الماضي لحظة وقوع الحدث في تغيير ذكرياتهم بشكل غير مقصود؛ إذ نميل نحن البشر إلى صناعة التناسق بين ما نؤمن به الآن، وما حدث لنا في الماضي.

ويبدو أن الثقة في الذاكرة البشرية لن تكون خيارًا منطقيًا بعد متابعة أبحاث الذاكرة التي صدمتنا في أكثر الأشياء التي نثق فيها: عقلنا؛ إذ يبدو أن عيوننا لا تعمل كالكاميرا، وأن ذاكرتنا لا تعمل مثل الحاسب الآلي؛ فتخزن الأحداث والبيانات كما هي بطريقة التخزين الحسابي، لكن الأقرب للحقيقة أن عقولنا تعمل بشكل يتماشى مع شخصياتنا ومعتقداتنا؛ فتشكل الذاكرة الأحداث وتجعلنا نعتقد بوقوع أحداث غير حقيقية لأنها تتناسب مع ما نحب أن نحكيه، ولكن ذلك ليس السبب الوحيد الذي معه لن تثق بذاكرتك كما اعتدت دائمًا، ولذلك سنقدم لك هنا أربعة أسباب بعدها سيكون الوثوق في الذاكرة مخاطرة خاسرة.

أتذكر ما حدث كأنه بالأمس.. لكن على طريقتي

نشر عالما النفس ويليام هيرست وإليزابيث فيلبس، مراجعتهم لـ50 عامًا من الأبحاث حول مصطلح «الذاكرة الومضية» (flashbulb memory)، في مقال بمجلة «Current Directions in Psychological Science»، ويشير مصطلح الذاكرة الومضية، إلى تلك الأحداث المحفوظة في الذاكرة، لحظات ملأتنا فيها العواطف والانفعالات، وتأتي إلينا في هيئة صور تمر سريعة، مثل ومضة الكاميرا. ورغم أنها ربما قد تكون حدثت منذ سنوات، إلا أننا نتذكرها كما لو حدثت بالأمس؛ إذ  تبقى حية وواضحة في أذهاننا، ولا تتلاشى بمرور الزمن، ولا نسمح بالتشكيك في أن تذكرنا لها بهذه الدقة قد يشوبه خطأ بسبب مرور السنوات.

Embed from Getty Images

تتشابه معظم تلك الأبحاث التي راجعها هيرست وفيلبس في اتباعها أسلوب سؤال المبحوثين بعد حدث وطني جلل، مثل 11 سبتمبر لدى الأمريكيين، وانتخاب باراك أوباما، أول رئيس من أصل أفريقي، أو انهيار سور برلين بالنسبة للألمان، ويتم تحديد الأسئلة، ثم تكرر عليهم بعد أشهر أو حتى سنوات، وتسجل أجوبتهم في الحالتين.

وبالبحث عن درجة التطابق بين أجوبة الذاكرة الأولي والأجوبة في المرة الثانية، جاءت نتيجة مراجعة 50 عامًا من الاختبارات حول الذكريات والذاكرة، بأن ما نتذكره لا يتناسق أبدًا مع ما رويناه قبل فترة، وأن سمة الذكريات جميعها هي التغير بمرور الوقت محتفظة بشكلها الظاهري، شكلها الكلي، ومع اعتقادنا بأننا نتذكر كل شيء، فنحن ننسى التفاصيل وندمج الأحداث الأصلية، ونفسر المعلومات بشكل خاطئ من حيث المقدمات والنتائج.

أشار هيرست وفيلبس أيضًا، إلى تأثير اضطراب ما بعد الصدمة على طريقة عمل الذاكرة؛ فبعد مرورنا بأحداث خاصة صادمة ومفزعة، يشكل الاضطراب في ذاكرتنا صورًا عن هذه الأحداث بعد ذلك، وتتغير الذكرى الأصلية بمرور الوقت. ففي قصة عن سؤال المسنين الدنماركيين عن عمل يتذكرونه من أحداث الحرب العالمية الثانية أجمعوا على أن الطقس كان شديد السوء في يوم غزو ألمانيا لبلدهم، وأنه كان مشمسًا وصافيًا في يوم انسحابهم، وبمراجعة هذه المعلومات وجد الباحثون أن ما جاء على ألسنة هؤلاء المسنين مخالف ومبالغ فيه طبقًا لسجلات الأرشيف في الحالتين؛ إذ يبدو أن عقولهم قد صورت هذا اليوم المشؤوم مثل القصص التي تصاحب فيها العواصف والأمطار دومًا الأحداث السيئة.

«الذاكرة الحديدية».. هؤلاء يتذكرون كل التفاصيل منذ الولادة

تأثير جوجل.. لماذا أتذكر ما دام يمكنني البحث

تكيفت الذاكرة البشرية مع ظهور تكنولوجيا الحوسبة والاتصال الجديدة، وأصبحت عملية استعادة المعلومات في عقولنا مستندة إلى استخدام الإنترنت الذي حل محل عقولنا، كمخزن للمعلومات التي نحتاجه، بالإضافة إلى كمية أخرى لا نهائية من المعلومات يستخدمها الآخرون. فقد جعل ظهور الإنترنت الوصول لأية معلومة سهل للغاية، بدون جهد وبدون تكلفة تذكر، وصنع استعدادنا لاستخدام الإنترنت كحل أول للوصول إلى المعلومات فجوة كبيرة في معرفتنا، يواجهها كل شخص بمجرد انقطاع الإنترنت؛ فالناس ينسون الأشياء التي يعتقدون أنها ستكون متاحة بمجرد الحاجة إليها، ويتذكرون التفاصيل التي يعتقدون أن «جوجل» لن يعرفها، ومع ذلك من الصعب تخيل طريقة الحصول على المعلومات قبل انتشار الإنترنت.

Embed from Getty Images

يُطلق مفهوم «تأثير جوجل» على فكرة تعلقنا بجوجل واعتمادنا بشكل كبير عليه، وأنه يمكن استخدامه للوصول إلى معلومات في شتى مجالات المعرفة التي قد نحتاجها في حياتنا، مثل اسم ممثل لا نتذكره، أو الأغنية الأخيرة التي سمعناها وأحببناها، أو اسم الدواء الذي عالج مرضنا مؤخرًا، أو سعر منتج نشتريه ولا ندقق في سعره وسط منتجات أخرى، أو عنوان صديق ما دمنا نملك عنوانه مسجلًا على خرائط جوجل.

لدراسة تأثير الإنترنت على قدرتنا على تخزين واستعادة البيانات والمعلومات أشارت دراسة بعنوان «تأثير جوجل على الذاكرة: النتائج الإدراكية لكون المعلومات في متناول يدنا»، لباحثين من قسم علم النفس في جامعة كولومبيا وجامعة هارفارد وجامعة ويسكونسن ماديسون، إلى أنه عند مواجهة الطلاب المبحوثين بأسئلة لا يعرفون إجابتها، فإنهم على الفور يفكرون في استخدام حواسبهم الآلية، والبحث على جوجل. وتفسير ذلك أنه إذا وثق شخص في قدرته على الوصول لمعلومة في المستقبل من خلال طريقة سهلة، فإن قدرته على تذكر هذه المعلومة واسترجاعها تقل، بالضبط مثل اعتمادك على شخص لإيصالك لمكان ما؛ فستقضي الطريق تتأمل تفاصيله دون أن تهتم بالاتجاهات التي تسير فيها. كذلك أصبح الإنترنت بالنسبة لنا، فهو ذاكرتنا الخارجية التي تخزن لنا جميعًا نفس المعلومات. وأشارت الدراسات إلى مساوئ وجود الإنترنت باستمرار، ونصحت باعتماد أقل على أدواتنا الخارجية التي أصبحت مثل صديق حميم نخشى فقدانه.

هذه جملتي وأنا من كتبها

تكثر الحكايات التاريخية عن كثير من الأدباء الذين سرقوا بدون قصد كما قالوا، ومنهم كان سيجموند فرويد، وهيلين كيلر، وحتى جورج هاريسون مغني فرقة البيتلز. ويشير ريتشارد مارش، أستاذ علم النفس بجامعة جورجيا، إلى نظرية الذاكرة، والتي تؤكد أننا غالبًا ما نستخدم ذكرياتنا دون إدراك أننا نستخدمها، ولا نبدع شيئًا وليد اللحظة، وهذا أمر يستحيل مكافحته، فلا يدرك المنتحل غير الواعي أن الجمل التي يكتبها الآن مع شعور زائف بالإبداع قد تأتي من أعماق ذاكرته.

يحدث لنا هذا عندما نقرأ أو نسمع شيئًا، ثم بمرور أشهر أو سنوات، وبعد أن تكون نسيت ما سمعته، يمكن أن تنسخ دون قصد منك نفس التفاصيل التي سمعتها، أو قرأتها، بيقين كامل في أن هذه القصة لك. يطلق على هذا اسم «الانتحال اللاواعي»، وهو فشل الذاكرة في استرجاع تفاصيل مهمة، وقد يكون منها مصدر هذه الجمل، ويحدث هنا خلط حول مصدر المعلومات التي تأتي من الذاكرة؛ فلا تتذكر إن كنت أنت من فكرت بها أولًا أم سمعتها من التلفاز.

ويفسر دانيال سكافير، الأستاذ بجامعة هارفارد، هذا الانتحال بأنه استفادة من ذاكرتنا السمعية والبصرية دون إدراك منا أننا نستخدمها من أجل كتابة نصوصنا دون وعي كامل بمصدرها الحقيقي، وهو خطأ لا يمكن تجنبه؛ لأننا في هذا الوقت لا نعرف أننا نستدعيها من ذاكرتنا. فعندما ينشغل الكاتب في محاولاته لإبداع نصوصه الجديدة، فإنه يميل إلى عدم التفكير في المكان الذي تأتي منه أفكاره، ويمكن أن ينتحل دون قصد.

Embed from Getty Images

ولقد أثبت آلان براون لطلابه بقسم علم النفس في جامعة ساوثرن ميثوديست أنه مهما كانت نواياهم جيدة يمكن أن يكونوا محتالين، وكانت التجربة أن يجلس منهم أربعة مكلفين بأن يأخذ كل منهم دوره في تمثيل أربعة حيوانات، وتتكرر التجربة، ولكن مع عدم قيام أي شخص بنفس الدور مرتين متتاليتين. ما حدث هو أن الطلبة بدأوا في الانتحال من بعضهم بمجرد مرور أسبوعين على سماعهم لما أعادوا قوله، وبمواجهة الطلبة بانتحالهم أبدوا تعجبهم واستنكارهم لذلك. وفي اختبارات قام بها فريق ريتشارد مارش على مجموعات صغيرة، تم سؤال الطلبة فيها عن أفكارهم لتحسين جامعتهم، ثم العودة بعد أسبوع والإجابة على نفس الأسئلة، وكانت النتيجة أن نسبة 12% من الإجابات الجديدة المزعومة كانت قد عرضت من طلبة آخرين في مجموعة الأسبوع السابق. وهكذا يؤكد دانييل شاكتر، أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد، أن أبحاث الذاكرة توحي بإمكانية وجود أساس علمي لمعرفة ما إذا كان الانتحال مقصودًا، أو غير مقصود، للفصل في حالات الانتحال التي تظهر باستمرار.

نصائح للتغلب على النسيان وضعف الذاكرة!

لا يكذب ولكنه يتخيّل.. هل يمكن أن ينسج عقلك أحداثًا مزيفة بالكامل؟

يبدو أن الذكريات يمكن أن تتلاشى وتتغير وتتبدل بمرور الوقت دون قصد، ولكن هل يمكن خلق ذكريات زائفة تمامًا وحفظها في ذاكرتنا عميقًا حتى إذا استرجعناها كنا متأكدين من أنها حقيقية وأننا عشناها في الواقع؟

Embed from Getty Images

لا تضم ذاكرتنا الذكريات مُرتبة ومُجمعة في مكان واحد، ولكنها محفوظة كبيانات في أجزاء متفرقة من المخ، وعند تخزينها ربما قد يتم ذلك بشكل خاطئ في حالات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، وعند استرجاعها يمكن أن تختلط بذكريات أخرى لنا، أو لشخص غيرنا حكى قصته أمامنا. ومع إعادة تجميع العقل لما حدث قد يخلق نسخته الجديدة كليًا عن الحدث. هناك مثال مشهور على هذه الحالة، عندما حكى مذيع الأخبار المسائية لقناة «NBC»، بريان ويليامز، حادث استهداف قذيفة صاروخية لمروحية، ولكن مع مرور الوقت أعاد بريان حكاية القصة على أنه كان أحد الأفراد الموجودين في المروحية التي أصابتها القنبلة؛ بالطبع تم وصف بريان بأنه كذاب ولا يليق ذلك بكونه مذيعًا ومسؤولًا عن نشر الأخبار؛ ما دفعه للاعتذار للجمهور والتخلي عن عمله.

لم يترك خبراء الذاكرة بريان وحده في أزمته، مستخدمين القصص العديدة التي رواها بريان بخصوص حادث المروحية، وأشاروا إليها باعتبارها توثيقًا لحالة حقيقية تغيرت فيها الذكريات، وتحولت لقصة مختلفة لم تحدث، مع يقين كامل بحدوثها حتى لترويها أمام الجمهور. وهنا انتقدت إليزابيث لوفتوس، أستاذ القانون والعلوم المعرفية في جامعة كاليفورنيا والخبيرة في مجال أبحاث الذاكرة، وصف بريان بالكاذب دون النظر في فرضية بديلة، وهي أن عقله شكل ذاكرة مزيفة بديلة.

مانديلا مات أم لا؟ كيف تخدعنا الذاكرة أحيانًا بـ«الذكريات الكاذبة»

لم يكن بريان الوحيد الذي وضعه عقله في موقف محرج؛ فقد حكت هيلاري كلينتون قبل ذلك عن قصة تعرضها للاغتيال في البوسنة، ثم تراجعت عن قصتها بعد ذلك واعترفت بخطئها. وكانت إليزابيث لوفتوس قد أجرت تجربة شهيرة أثبتت فيها قدرة الأفراد على زرع ذاكرة قوية لحدث كامل لم يحدث من الأساس، عن طريق قراءة المبحوثين قصة لطفل خائف مفقود في مركز تجاري كبير، ليحكي المبحوثون بعد فترة عن أحداث من طفولتهم، ومن ضمن هذه الأحداث كان ضياعهم وهم أطفال في مركز تجاري كبير مع تفاصيل تكاد تتطابق مع القصة التي قرأوها في السابق.