تُعتبر المنتجات الصينية هي صاحبة النصيب الأكبر في الانتشار الكمّي والنوعي في العالم العربي وإفريقيا، من أبسط المنتجات إلى أعقدها، ولم تسلم حتى المنتجات التي ترتبط بالهوية الإسلامية والعربية مثل فوانيس رمضان، وسجّادات الصلاة وغيرها، حتى صارت الصين من أكبر دول العالم استثمارًا في القارة الإفريقية.

فلماذا كل هذا الانتشار؟ وما الأسباب التي أدّت إليه؟

  1. 1- الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم:

تعتبر الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وأسرع اقتصاد كبير نامِ والأسرع في الثلاثين سنة الماضية، كما تعتبر أكبر دولة تجارية وأكبر مصدّر وثاني أكبر مستورد في العالم.

بدأ ذلك في أواخر سبعينات القرن الماضي حين شرعت الصين في إصلاحاتها الهيكلية في نظامها الاقتصادي، وقررت الانتقال إلى مستوى اقتصادي يعزز دورها الإقليمي والدولي في العالم، وبدأت تنفتح على العالم تدريجيًّا وبشكل مخطط، بالإضافة إلى امتلاك الصين مخزونًا نقديًّا ضخم يصل إلى حوالي 3000 مليار دولار، جزء منه موجه بشكل كبير إلى الاستثمارات الصينية في الخارج.

بدخول الصين في سوق التنافس الدولي، بدأت الحاجة في الوصول إلى أسواق توفر المادة الخام، وتستطيع أن تكون شريكًا اقتصاديًّا مناسبًا للصين، ومن هنا بدأت أنظار الصين في السنوات الأخيرة نحو القارة الإفريقية باعتبارها منطقة ذات أهمية اقتصادية وإستراتيجية كبيرة، ومن الممكن استغلالها جيدًا في التنافس أمام التبادل التجاري مع الدول الأوروبية.

الصورة التوضيحية القادمة لحجم صادرات الصين لإفريقيا ودول العالم، وتطور العلاقات الاقتصادية الإفريقية الصينية من عام 1995 حتى عام 2010.




  1. 2- البحث عن بديل اقتصادي للاستعمار.. وتغليب الصين لغة المصلحة والاحترام:

من الأسباب التي أدت إلى الترحيب بالشراكة الاقتصادية مع الصين، هو حاجة دول إفريقيا لمن يحترم خصوصيتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، لا سيما بعد ما فعلته الدول الاستعمارية في إفريقيا – ولا زالت – من السيطرة على مواردها وحرمانها منها، واستطاعت الصين أن تحقق ذلك، ويرى محللون أن التشابه في البدايات والمحن والصراع ضد المستعمر جعل الأفارقة يرون الصين حليفًا إستراتيجيًّا وشريكًا اقتصاديًّا ليست له أية نوازع أو تاريخ استعماري مثل الدول الأوروبية.

واستطاعت الصين أن تستغل ذلك جيدًا، بأن جعلت اللغة الأساسية هي لغة المصلحة المتبادلة والاحترام والمساواة دون التدخل في شؤون الآخرين، وكما قال نائب وزير الخارجية الصيني “العمل عمل، إننا نحاول فصل السياسة عن العمل”.

  1. 3- حاجة الصين إلى مصادر تزويد للطاقة والمواد الخام:

من الأسباب التي جعلت الصين تتجه إلى القارة الإفريقية هو حاجة الصين للتزود بالطاقة والمواد الخام، فالصين تُعتبر ثاني أكبر مستهلك للوقود في العالم بعد الولايات المتحدة، وإفريقيا من أغنى قارات العالم بالمواد الخام ومصادر الطاقة.

فعلى سبيل المثال في عام 2008م، وقعت الصين والكونغو اتفاقية اقتصادية في مجال التعدين تحصل الصين بموجبها على 11 مليون طن من النحاس، و620 ألف طن من الكوبالت خلال الـ 25 عامًا القادمة، مقابل مشاريع البنية التحتية.

الشكل التوضيحي القادم يبين توزيع حجم الاستثمار الصيني في إفريقيا، ويظهر فيه أن استثمارات التعدين ومصادر الطاقة هي صاحبة النصيب الأكبر بالنسبة لغيرها من الصناعات والاستثمارات.


  1. 4- تقاطع الطفرة الصينية الاقتصادية مع اقتصاديات بعض دول إفريقيا:

أرجع البعض أسباب الشراكة الاقتصادية مع الصين هو أن بدايات الاقتصاد الصيني تتقاطع مع الكثير من الاقتصاديات الإفريقية التي شهدت مؤخرًا نموًّا كبيرًا، فقد حققت بعض الدول مثل نيجيريا معدلاً مرتفعًا وصل فيها الناتج القومي إلى حوالي 510 مليار دولار أمريكي تبعًا لإحصاءات البنك الدولي لعام 2013م، ويصل مستوى دخل الفرد إلى حوالي 3300 دولار.

بالإضافة إلى رغبة الدول الإفريقية في الاستفادة من التجربة الصينية الاقتصادية واللحاق بها.

  1. 5- ضعف القدرة الشرائية عند الأفارقة:

بالرغم من الانتشار الواسع للمنتجات الصينية في إفريقيا وحجم استثمارها الكبير، إلا أن المنتجات الصينية تُعرَف بجودتها الضعيفة مقابل السعر الأقل، ويرجع ذلك إلى استغلال الصين لضعف القدرة الشرائية عند دول القارة الإفريقية بسبب انتشار الفقر، لذلك اعتمدوا في رؤيتهم التجارية والتسويقية على جعل المنتجات الصينية أرخص ما في الأسواق، فضلاً عن علمها بطبيعة سكان إفريقيا الذي يكتسب أغلبهم صفة المجتمع الاستهلاكي بالرغم من ضعف القدرة الشرائية.

واستطاعت الصين أن تجعل منتجاتها أرخص المتناول بالفعل، وفي يد الغالبية من مجتمعات الدول الإفريقية، حتى إن بعض الشركات الغربية الكبرى صار من الصعب عليها منافسة المنتجات الصينية.

  1. 6- سعي الصين لتعزيز العلاقات مع دول إفريقيا وتقديم المساعدات:

تسعى الصين وبشكل مستمر إلى تطوير العلاقة مع الدول الإفريقية، ففي أكتوبر عام 2000م، قامت الصين بإنشاء منتدى التعاون الصيني – الإفريقي (FOCAC) لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين ودول إفريقيا، والذي أصبح يضم مؤخرًا أكثر من 45 دولة إفريقية.

كما قامت الصين بتقديم قروض دولية ميسرة لدول إفريقيا، على سبيل المثال في عام 2012م قام المنتدى الخامس للتعاون الإفريقي الصيني في بكين بالتصديق على خطة عمل ما بين 2013 – 2015 تقضي بحصول الدول الإفريقية على قروض مالية ميسرة بـقيمة 20 مليار دولار لتطوير البنى التحتية، والزراعية، والصناعية، فضلا عن تدريب الصين لـ 30 ألف كادر من الدول الإفريقية في مختلف المجالات، وفتح باب المنح الدراسية للطلاب الأفارقة.

  1. 7- مشاريع البنية التحتية في إفريقيا:

بالإضافة إلى القروض الدولية؛ فأيضًا في مقابل شراء النفط والمواد الخام قامت الصين ببناء الكثير من مشاريع البنية التحتية في إفريقيا – كما ذكرنا سابقًا – وذلك في إطار العلاقات التجارية الإفريقية الصينية.

وأنشأت الصين في إفريقيا 3300 كم من الطرق، و30 مستشفى، و50 مدرسة، و100 محطة لتوليد الطاقة في أكثر من 40 دولة إفريقية, ويقدر عدد الشركات الصينية أو فروعها بأكثر من 2000 شركة (كان عددها 700 عام 2005)، كلها نشطة في مجال الزارعة والتعدين والبناء والتعمير وقطاعي التجارة والاستثمار ومعالجة منتجات الموارد، والتصنيع، والدعم اللوجيستي التجاري.

هذا بالإضافة إلى العمال والخبراء الصينيين وكذلك التجار والأطباء؛ حيث أرسلت الصين ما يقارب 1600 طبيب إلى المناطق الريفية الإفريقية.

  1. 8- تأثير التبادل التجاري الصيني- الإفريقي على نمو الاقتصاد الإفريقي:

لم تؤثر العلاقات التجارية الصينية – الإفريقية على الاقتصاد الصيني وحسب، بل ساهمت في شكل كبير في نمو الاقتصاد الإفريقي.

وصل التبادل التجاري الصيني – الإفريقي إلى ما يزيد على الـ 200 مليار دولار بعد ما كان في حدود مليار دولار في السبعينات، وتصبح معه صادرات إفريقيا إلى الصين ضعفي الصادرات إلى الولايات المتحدة وأربعة أضعاف الصادرات الإفريقية إلى الاتحاد الأوروبي.

ومن أبرز الدول المستفيدة من التبادل التجاري الصيني الإفريقي أنغولا بحجم تجارة بلغ 17.66 مليار دولار، ثم جنوب إفريقيا بحجم تجارة بلغ 16.6 مليار دولار، ثم السودان بحجم تجارة بلغ 6.39 مليارات، ومصر 5.86 مليارات، ونيجيريا 6.37 مليارات.

الخريطة القادمة توضح حجم الاستثمارات الصينية وتوزيعها في دول إفريقيا، وأهم مجالاتها منذ عام 2010.



المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد