منذ صباح يوم الجمعة 15 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى ما يقرب من أسبوع مضى شهدت الجمهورية الإسلامية في إيران موجة احتجاجية لم تعهدها من قبل، وتحولت أغلب المدن الإيرانية الحضرية والريفية إلى مسرح لاحتجاجات إيران العنيفة، واعمال شغب جديدة من نوعها في تاريخ إيران الحديث، خاصة منذ قيام الثورة الإسلامية.

منذ نهاية يوم السبت 16 نوفمبر إلى يوم 21 من نفس الشهر، انفصلت إيران تمامًا عن العالم الخارجي، بعد خروج الاحتجاجات بشكل واسع النطاق عقب إعلان الحكومة قرار بزيادة أسعار البنزين إلى ثلاثة اضعاف.

ظل أمر الاحتجاجات غامضًا بالنسبة إلى كل من هم خارج إيران، لمدة خمسة أيام، إلى أن قررت الحكومة الإيرانية إعادة خدمة الإنترنت إلى البلاد، لكن بشكل جزئي وفي مقاطعات معينة.

عاد الإنترنت الثابت إلى العمل بشكل تدريجي، وظلت خدمة الإنترنت عن الهواتف المحمول مقطوعة تمامًا، ربما إلى يومنا هذا، ولا يعلم أحد إلى متى سيعود الإنترنت بشكل طبيعي إلى إيران.

خلال الفترة التي انقطعت فيها إيران عن الاتصال بخدمة الإنترنت، لم نسمع إلا تصريحات مليئة بالنصر من قبل المسؤولين الإيرانيين، معلنين أنهم نجحوا في إخماد نيران «الفتنة»؛ ذلك المصطلح المتداول بشكل كبير في السياسة الإيرانية، والذي يصف أي حركة احتجاجية، أيًا كانت مطالبها.

ألقى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي خطابًا حماسيًا أمام جمهور من المؤيدين له، معلنًا «النصر» على الاحتجاجات، ودحض المؤامرات الأجنبية التي تريد زعزعة استقرار بلاده، والتي هي بالطبع من جانب الولايات المتحدة، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية.

في تلك الأثناء كان النشطاء السياسيون والصحافيون الإيرانيون يحاولون التعامل مع شبكة إنترنت تعمل بشكل سيئ للغاية لنشر أخبار ومقاطع مصورة عما حدث في تلك الأيام.

تداول الإيرانيون على شبكات التواصل الاجتماعي العديد من مقاطع الفيديو التي تظهر قيام المتظاهرين بإشعال النيران في البنوك، ومراكز الشرطة، ومباني حكومية، ومعاهد دينية.

وعلى الجانب الآخر ظهرت قوات الامن الإيرانية بكافة أنواعها (الشرطة، قوات مكافحة الشغب، الباسيج، ورجال بزى مدني)، وهم يستخدمون العنف الشديد تجاه المحتجين، مع الكثير من إطلاق النيران الحية على الحشود.

ومنذ ذلك الحين إلى الآن توالت تصريحات المسؤولين والقادة العسكريين عن حجم أعمال الشغب التي تورط بها المتظاهرون، وعن كيفية مواجهتهم لمخطط أجنبى لهدم البلاد، كانت أشبه بحرب عالمية، بحسب الجنرال علي فدوي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني.

1- لأول مرة.. إيران تعترف بقوة مظاهرات قامت داخلها 

جلس القائد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أمام عدد كبير من قوات الباسيج، تلك القوات شبه العسكرية من المدنيين والتابعة للحرس الثوري، يهنئهم على التخلص من أمر الاحتجاجات نوفمبر، ويثني على جهودهم، لكنه لأول مرة وبشكل نادر يتحدث عن خطورة الاحتجاجات، واصفًا إياها بأنها كانت «عميقة الجذور وخطرة للغاية».

تعودنا من المسئولين في إيران دائمًا على تهميش قوة وحجم أية حركة احتجاجية، لكن تلك المرة الأمر مختلف تمامًا، فاعترف عدد من المسئولين بحجم المظاهرات الكبير والواسع الانتشار، فعلى سبيل المثال قال وزير الداخلية الإيرانى رحماني فضلي في مقابلة تلفزيونية: «إن هناك أربع مقاطعات فقط من أصل 31 مقاطعة لم تشهد احتجاجات».

2- على عكس الاحتجاجات السابقة.. الفقراء أولًا

في نفس المقابلة لوزير الداخلية، قال: «إن معظم احتجاجات إيران المناهضة للحكومة خرجت من أكثر المدن فقرًا، من بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، شهدت الجمهورية الإسلامية عددًا من الموجات الاحتجاجية، والتي كانت في أغلبها متمركزة داخل المدن الحضرية الكبرى، بقيادة الطبقة الوسطى الأكثر تعليمًا، والتي تطالب بمطالب سياسية والمزيد من الحريات الاجتماعية».

بدأت هذه الملامح في التغير قليلًا في الاحتجاجات السابقة في نهاية عام 2017/بداية عام 2018، والتي طغت عليها مطالب اقتصادية، وشكاوى من ارتفاع معدلات البطالة والفقر.

لكن تلك المرة كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات نوفمبر من الطبقات الفقيرة، فخرجت أول مظاهرة بحسب شهود عيان من أفقر الأحياء في مدينة مشهد، ثاني أكبر مدينة في إيران.

يدخنون الأرجيلة في مواجهة القمع.. كل ما تريد معرفته عن مظاهرات إيران

خروج تلك الطبقة التي كانت لا تزال تتمتع بالفوائد القليلة المتبقية من الثورة الإسلامية المتمثلة في العدالة الاجتماعية، ودعم الوقود والسلع الغذائية، كان بمثابة صدمة للمؤسسة السياسية في إيران.

تناولت وسائل الإعلام المحلية تقارير تفيد أنه بجانب إشعال المحتجين النيران في المؤسسات الحكومية، فقد تم نهب عدد كبير من سلاسل المتاجر؛ مما يشير إلى أننا أمام نوع جديد من المحتجين في إيران.

3- المظاهرات لم تكن بهذا العنف من قبل

بالرجوع إلى الوراء حوالي 10 سنوات، وبالتحديد عام 2009، وفي شارع انقلاب (الثورة) في العاصمة الإيرانية طهران خرجت مسيرة صامتة من المحتجين يقدر عددها بمئات الآلاف احتجاجًا على إعادة انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، فيما عرف وقتها بالحركة الخضراء.

كانت الحركة الخضراء من أكبر الحركات الاحتجاجية في إيران ما بعد الثورة الإسلامية، ومن وقتها اتخذت الحركات المدنية والاحتجاجية أسلوب الحوار، والإصلاح المدني، والأهم من ذلك أن جميع تلك الحركات تبنت مبدأ اللاعنف. لكن في احتجاجات إيران الأخيرة طغى طابع العنف من كلا الجانبيين: القوات الامنية، والمتظاهرين.

القوات الأمنية أطلقت الذخيرة الحية على المتظاهرين في احتجاجات إيران من مسافة قريبة، ووفقًا لمنظمة العفو الدولية فإن أغلب القتلى البالغ عددهم 143 شخص من صفوف المتظاهرين مصابين بطلقات نارية في الرأس مباشرة.

على الجهة المقابلة تقول وسائل الإعلام المحلية أن خسائر إحراق المباني الحكومية والبنوك، ونهب المتاجر كلف الدولة ثمانية مليار تومان.

استخدام العنف من قبل القوات الأمنية في الاحتجاجات أمر ليس نادرًا، بل على العكس، لكن تلك المرة لجأت تلك القوات إلى استخدام مستويات عالية من العنف والقمع منذ اليوم الأول للاحتجاجات، ففى المظاهرات السابقة قبل عامين سقط حوالي تسعة أشخاص فقط من المتظاهرين نتيجة اشتباكات مع رجال الأمن.

لكن الجديد هنا هو لجوء المتظاهرين إلى أعمال الشغب، ومهاجمة قوات الأمن، سواء بالحجارة، أو العصيان بشكل كبير.

ظهر وجه آخر للتطرف والعنف في الاحتجاجات الاخيرة، فكل الحركات الاحتجاجية السابقة كانت مطالبها السياسية تنحصر في نظام انتخابي عادل، وتغيير سلمي داخلي للنظام، والمزيد من المزايا والحريات، سواء سياسية أو اجتماعية. ولم يتطرق أحد إلى مسألة إسقاط النظام بأكمله إلا في مرات نادرة للغاية.

لكن في أحداث نوفمبر الحالي، وبالرغم من أن الاحتجاجات سببها الرئيس مظالم اقتصادية بحتة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى مطالبة بإسقاط النظام، وإبعاد آية الله خامنئي عن الحكم.

4- بداية تغيير نمط الاحتجاج في إيران

الاحتجاجات سمة أساسية للجمهورية الإسلامية، فكل عقد تقريبًا تشهد حركة احتجاجية كبيرة، لكن منذ بداية العام الماضي لم تتوقف المظاهرات في إيران، فكل شهر تقريبًا هناك مظاهرة للعمال، للمعلمين، المتقاعدين، لسائقي الشاحنات. صحيح أن تلك المظاهرات كانت صغيرة الحجم، ومطالبها فئوية، لكن استمرارها بفاصل زمني قصيرة بين كل مظاهرة والأخرى يعتبر أمرًا جديدًا على الجمهورية الإسلامية.

رقص وعنف وجنس.. ماذا تعرف عن السينما الإيرانية قبل «الثورة الإسلامية»؟

أدركت المؤسسة السياسية خطر تلك المظاهرات حتى وإن كانت صغيرة وفئوية، فحاولت بشتى الطرق غلق المجال العام تمامًا، واعتقال النشطاء السياسيين وقادة تلك الاحتجاجات، وعقابهم بأحكام قضائية تمتد لسنوات طويلة. لكن على ما يبدو أن النظام في إيران جنى ثمار هذا التضييق مبكرًا في احتجاجات إيران الأخيرة.

5- صمت إصلاحي تام في احتجاجات إيران الأخيرة

في احتجاجات إيران عام 2009، كان الإصلاحيون هم أصحاب المشهد الرئيس، وقبلها في مظاهرات الطلبة عام 1999، كان الإصلاحيون داعمين لتلك الحركة الاحتجاجية. لكن تلك المرة قرر المعسكر الإصلاحي التزام الصمت والمراقبة عن بعد، ففي عام 2017 لم يدعم الإصلاحيون الاحتجاجات تحت ذريعة الشعور بأنها مؤامرة من منتقدي إدارة روحاني من التيار المحافظ.

لكن في الاحتجاجات الأخيرة ماذا كانت ذريعتهم؟ عندما أعلنت إدارة روحاني قرار رفع أسعار البنزين، خرج بعض السياسيين الإصلاحيين ليدافعوا عن القرار، وعندما خرجت الجماهير للاحتجاج اكتفى عدد قليل منهم، حوالى 77 سياسي إصلاحي فقط، بإصدار بيان يندد باستخدام العنف، ودعوا القوات الأمنية إلى ضبط النفس، فقط.

مدى تأثير الاحتجاجات على علاقة إيران بالغرب

مع بداية أول يوم للاحتجاجات الإيرانية، ابتهجت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقادًا منها أن حملة الضغط القصوى التي تشنها على الجمهورية الإسلامية، منذ أن قررت ترامب سحب بلاده من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، بدأت تجني ثمارها.

أعلن كل من الرئيس الأمريكي، ووزير خارجيته مايك بومبيو دعمهما الكامل للمتظاهرين في إيران، وبغض النظر عن ان هذا الدعم كان أحد الأسباب التي دفعت النظام الإيراني إلى استخدام القمع الشديد تجاه المتظاهرين، مستخدمًا نظرية المؤامرة متهمًا إياهم بأنهم جنود العدو كما وصفهم الرئيس حسن روحاني.

إلا أن هذا الدعم سيؤثر على الأرجح بالسلب على أي دبلوماسية محتملة في المستقبل بين واشنطن وطهران؛ لأنه يعيد إلى ذهن النظام الإيراني نظرية إدارة ترامب بخصوص إسقاط النظام في طهران، وهذا ما سيجعل القائد الأعلى الإيرانى على خامنئي يتمسك بعناده أكثر وأكثر، ويرفض أي شكل للمفاوضات مع الولايات المتحدة.

فىيالوقت نفسه أصدر الاتحاد الأوروبي بيانًا يوم 21 نوفمبر يدعو فيه الحكومة الإيرانية إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، في التعامل مع الاحتجاجات، حتى أن فرنسا الدولة الأوروبية الوحيدة التي كانت تحاول بشتى الطرق استعادة الاتفاق النووى الإيراني، ومحاولة إعادة طهران واشنطن إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، أصدرت بيانًا تعرب فيه عن قلقها من الوضع في إيران.

«بلومبرج»: طريقتان قد تستغل بهما أمريكا احتجاجات إيران لإضعاف النظام

كل هذا القلق الأوروبي، والدعم الأمريكي لحركة احتجاجات إيران، يشعل نار الغضب لدى المسئولين في إيران؛ مما يجعلنا ننتظر قدوم أيام صعبة في المنطقة، بدأت بإطلاق أربعة صواريخ من سوريا على مرتفعات الجولان، واتهمت إسرائيل إيران بالتورط في هذا الأمر.

ستتمسك الجمهورية الإسلامية في إيران بسياسة المقاومة القصوى، التي شنتها في مواجهة حملة الضغط الأقصى الامريكية، والتي من الممكن أن تصل إلى حد خروج إيران الكامل من الاتفاق النووي، وبدء عهد جديد من الصراع في منطقة مشتعلة بالأساس.

في اليوم الثانى للاحتجاج، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني: إن من حق الشعب الإيراني الاحتجاج، لكن بعد كل ما حدث في الأيام الأخيرة، أين هذا الحق؟ في الواقع نجح روحاني والنظام في قمع احتجاجات إيران الأخيرة بشكل سريع، لكن في نفس الوقت أدركت الجمهورية الإسلامية أنها أمام تغيير كبير في شكل الاحتجاج الإيراني، وكل هذا العنف في الأيام السابقة، لابد أن يكون له نتيجة وآثار في المستقبل القريب.

المصادر

تحميل المزيد