من منا لم تمر عليه هذه النوعية من الأحلام؛ إذ يتكرر الحلم ذاته في أيام مختلفة؟ ربما تحلم بأنك تجري وأحد ما يطاردك، أو تجد نفسك وسط كارثة ما، أو أنك في موقف نسيت فيه الذهاب للمدرسة أو للعمل، وغيرها، لكن المشترك بين كل هذا أن أحد هذه الأحلام يتكرر معك عدة مرات على مدى أيام أو أشهر.

يطلق على هذه الأحلام المكررة اسم «ظاهرة تكرار الأحلام»، وإذا كانت تحدث لك، فاعلم أنك لست الاستثناء هنا؛ إذ إنها ظاهرة معروفة، فقد أفاد ما يقرب من ثلثي البشر بوجود ظاهرة الأحلام المتكررة هذه، فما سر هذه الأحلام؟ ولماذا تصيب أغلب البشر؟ وما الذي تعنيه بالضبط؟

ظاهرة تكرار الأحلام

تعرف ظاهرة تكرار الأحلام بأنها تلك الأحلام التي تتكرر أكثر من مرة، وغالبًا ما يكون موضوع هذه الأحلام المواجهات أو المطاردة أو السقوط، وكذلك، يمكن أن تكون هذه الأحلام المكررة محايدة (أي ليست سعيدة ولا حزينة) أو أن تأتي في صورة كوابيس متكررة.

وعلى الرغم من أن محتوى الأحلام المتكررة فريد في تفاصيله لكل فرد، فإن هناك موضوعات عامة مشتركة بين الأفراد وحتى بين الثقافات المختلفة أو في أزمنة وعصور مختلفة، وتشمل الموضوعات الأكثر شيوعًا في هذه الأحلام، الحلم بالطيران، أو السقوط، أو التعرض للمطاردة أو الهجوم، أو أن تكون عاريًا، أو أن تتعثر أو تحاصر في مكان ما، أو العودة إلى المدرسة، أو فقدان أسنانك، أو فقدان قدرتك على الكلام، أو أداء اختبار ما، أو الحضور متأخرًا في اليوم الأول للعمل أو في مناسبة مهمة، أو عدم القدرة على الجري، أو تحطم السيارة أو فقدان السيطرة عليها.

بالتأكيد ستختلف التفاصيل من شخص لآخر، لكن غالبًا سيكون الحلم المتكرر ضمن أحد هذه الموضوعات العامة، وتحتوي غالبية الأحلام المتكررة على محتوى سلبي يتضمن مشاعر مثل الخوف والحزن والغضب والشعور بالذنب، وأكثر من نصف الأحلام المتكررة تنطوي على موقف يكون فيه الحالم في خطر، لكن في بعض الحالات، يمكن أن تكون الأحلام المتكررة إيجابية أيضًا، بل مبهجة، مثل الأحلام التي نجد أنفسنا فيها نستكشف غرفًا جديدة في المنزل، أو أننا نطير ونحلق في السماء.

لا يقتصر الأمر على أن هذه الأحلام لها الموضوعات نفسها فحسب، بل يمكنها أيضًا تكرار السردية ذاتها ليلة بعد ليلة بشكل محير، ويمكن أن يؤدي ظهور الحلم المزعج نفسه بانتظام إلى إجهاد الشخص أو جعل الحصول على نوم جيد ليلًا أمرًا صعبًا بالنسبة له. لذلك، لا بد أن نبحث عن السبب حتى يمكننا التخلص منها.

السبب وراء الأحلام المتكررة

إذا كانت لديك تلك الأحلام المتكررة، فقد تتساءل عن سبب هذا التكرار، وما إذا كان عقلك يحاول إخبارك بشيء ما، ويُظهر العلم هنا أن تكرار الأحلام قد يعكس وجود صراعات وصعوبات غير محلولة في حياة الشخص الحالم، أو ربما حاجات لم تجر تلبيتها بالشكل المناسب، وغالبًا ما تحدث الأحلام المتكررة في أوقات التوتر، أو تحدث على مدى فترات طويلة من الزمن قد تصل أحيانًا إلى عدة سنوات أو حتى مدى الحياة.

في بعض الحالات، يمكن أن تستمر الأحلام المتكررة التي تبدأ في الطفولة حتى مرحلة البلوغ، وكذلك، قد تختفي هذه الأحلام لبضع سنوات، وتعاود الظهور في حالة وجود مصدر جديد للتوتر، ثم تختفي مرة أخرى عندما ينتهي سبب التوتر هذا، وبالنسبة للأحلام التي تبدأ في مرحلة الطفولة، فقد تتغير قليلًا بمرور الوقت لتعكس تجاربك المتغيرة ونظرتك إلى العالم.

وتشير الدراسات إلى أن الأحلام، بشكل عام، تساعدنا على تنظيم عواطفنا والتكيف مع الأحداث المجهدة، وقد تسمح عملية دمج العواطف في الأحلام للحالم بمعالجة حدث مؤلم أو صعب مر به، وفي حالة الأحلام المتكررة، يمكن أن يمثل المحتوى المتكرر محاولة فاشلة لدمج هذه التجارب العاطفية الصعبة ومعالجتها في حلمك، لذلك يستمر الحلم بالتكرار في محاولة لدمج هذه العواطف.

كما ارتبط وجود الأحلام المتكررة بانخفاض مستويات الصحة النفسية، ووجود أعراض القلق والاكتئاب، وتميل هذه الأحلام إلى التكرار خلال المواقف العصيبة، وتتوقف عندما يحل الشخص نزاعه الشخصي؛ مما يشير إلى تحسن الرفاهية الشخصية.

وغالبًا ما تعكس الأحلام المتكررة بشكل مجازي المخاوف العاطفية للحالمين، فعلى سبيل المثال، الحلم بحدوث تسونامي هو أمر شائع بعد المرور بالصدمة أو سوء المعاملة، وهذا مثال نموذجي لانعكاس مشاعر العجز أو الذعر أو الخوف التي نشهدها في حياة اليقظة، وبالمثل، فإن ارتداء ملابس غير لائقة في حلم المرء، أو أن تكون عاريًا، أو غير قادر على العثور على مرحاض، يمكن أن يمثل جميعها سيناريوهات الإحراج أو الإهانة التي تمر بها في حياتك.

الأحلام المتكررة.. سيناريوهات جاهزة لمواقف متشابهة

بكلمات أخرى، يمكن اعتبار موضوعات الأحلام هذه نصوصًا أو سيناريوهات جاهزة لأحلامنا التي توفر لنا مساحة يمكننا من خلالها استيعاب مشاعرنا المتضاربة، ومن ثم، يمكن إعادة استخدام هذا النص أو السيناريو نفسه في مواقف مختلفة حين نشعر بمشاعر عاطفية متشابهة.

هذا هو السبب في أن بعض الناس، عندما يواجهون موقفًا موترًا أو تحديًا جديدًا، قد يحلمون بأنهم يظهرون غير مستعدين لأداء امتحان ما مثلًا، حتى بعد مرور سنوات من دخولهم المدرسة أو التخرج منها، وإذا مررت بموقف آخر تواجه فيه تحديًا جديدًا أو تشعر فيه بشعور التوتر نفسه المرافق للتحدي الجديد، حتى إذا اختلف الموقف أو الظروف، فإن هذا يؤدي إلى ظهور سيناريو الحلم نفسه مرة أخرى.

العقل يحاول حل ما لم يحله في اليقظة!

يقترح بعض علماء النفس أن فكرة الأحلام المتكررة تتعلق بسلسلة متصلة من عملية تكرار الأحلام، وهم يقصدون بهذا أن الحلم لا يشترط أن يتكرر بالتفاصيل نفسها بالضبط، بل يمكن أن يعاد الحلم بشكل جزئي فقط، أو أن تميل الأحلام إلى تكرار موقف مشابه مثل التأخر، لكن في أحد الأحلام أنت تتأخر على الامتحان، وفي حلم آخر تتأخر على القطار، وفي حلم ثالث تتأخر عن موعد مع صديق، وهكذا.

ويمكن أن نجد بعض عناصر الحلم تتكرر في أحلام الشخص نفسه، مثل شخصيات أو أفعال أو أشياء معينة، والمهم في النهاية أن هذه السلسلة من الأحلام تعكس محاولة العقل حل بعض المخاوف العاطفية التي يمر بها الشخص في اليقظة.

علاج تكرار الأحلام

يصبح الأشخاص الذين يواجهون كابوسًا متكررًا عالقين بطريقة معينة تحت رحمة الاستجابة لسيناريو الحلم وتوقعهم؛ أي إنهم يعرفون تلقائيًّا أن الحلم سيعود عند التعرض لمواقف ما من التوتر والصدمات، لذلك، كان لا بد من تطوير علاجات لمحاولة حل هذا التكرار وكسر تلك الحلقة المفرغة للكوابيس، وتتمثل إحدى تقنيات العلاج في إعادة تصور الكابوس أثناء الاستيقاظ ثم إعادة كتابته بطريقة إيجابية، أي أن يعدل الحالم سردية الحلم بشكل جزئي، مثل أن يغير نهاية الحلم إلى شيء أكثر إيجابية.

ومع ذلك، ليست كل الأحلام المتكررة سيئة في حد ذاتها؛ إذ يمكن أن تكون مفيدة لأنها تخبرنا عن نزاعاتنا الشخصية، ومن ثم، نحتاج إلى التركيز على العناصر المتكررة في الأحلام وجعلها وسيلة لفهم رغباتنا الدفينة وعذاباتنا بشكل أفضل، وفي هذه الحالة يكون التخلص من الحلم بسيطًا عبر حل المشكلة الأصلية.

كيف تعرف أنك تتعافى؟

وهنا يأتي السؤال، كيف يمكنك أن تلاحظ حدوث تحسن في معالجة عقلك للحالة العاطفية التي تمر بها؟ بالتأكيد لن يكون الحل فوريًّا ولحظيًّا، لكنه سيكون تدريجيًّا.

غالبًا ما يكون الانتقال من مستوى مكثف من تكرار الأحلام إلى مستوى أدنى هو علامة على أن الحالة النفسية للشخص تتحسن. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن نوعية الكوابيس المرتبطة بالصدمات، غالبًا ما نلاحظ وقوع تغييرات تدريجية وإيجابية في الأشخاص الذين عانوا من صدمة ما، ثم بدأوا في محاولة تغلبهم التدريجي على تلك الصعوبات التي يواجهونها والمرتبطة بهذه الصدمة. وبكلمات أخرى، يبدأ معدل تكرار الأحلام في الانخفاض.

صحة

منذ شهرين
هل تشعر بالفراغ رغم كل مشاغلك؟ احترس فصحتك العقلية ربما تكون في خطر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد