طرحت كل من إسرائيل والأردن خلال العقود الأربع الماضية مقترح مشروع مائيّ، يُعرف بـ«قناة البحرين»، يربط البحر الميت غربي الأردن بالبحر الأحمر جنوبًا، تعمل عليه إسرائيل والأردن معًا لتوفير ماء صالح للشرب يكفي احتياج الدولتين. طرح المشروع عدّة مرات، وتوارى عن الأنظار مع تتابع الأحداث بين البلدين وفي المنطقة، لتجتمع الدولتان بالإضافة إلى السلطة الفلسطينية عام 2013؛ ليوقعوا اتفاقية للبدء في المشروع الضخم. 

طرحت «صفقة القرن» المشروع مجددًا على الطاولة، وفي هذا التقرير نستعرض قصة المشروع، من سينفذه؟ وماذا ستستفيد الأردن وإسرائيل منه؟ وأين موقع الفلسطينيين فيه؟

«قناة البحرين».. مشروع قديم منذ التسعينات

طرحت إسرائيل مقترح «قناة البحرين (البحر الأحمر – البحر الميت)» على الأردن في مؤتمر مدريد عام 1991، وينصّ المقترح الأولي على بناء محطة تحلية مائية في العقبة، المدينة الساحلية في جنوب الأردن والمطلّة على البحر الأحمر. إذ ستزوّد المحطة بمياه البحر الأحمر لتحلّيه، ثم ينقل عبر أنبوب ضخم يمتد مسافة 200 كيلومتر من العقبة إلى البحر الميت الذي تطلّ عليه إسرائيل والأردن، ويأتي في غرب الأردن.

سيعمل الأنبوب على ضخّ الماء المحلّى، الصالح للشرب، وعلى نقل مخلفات عملية تحلية الماء، من أملاح ومياه مالحة، إلى البحر الميت، للحفاظ عليه من الموت؛ إذ يضمحلّ سنويًا بمقدار متر إلى متر ونصف. 

في آخر نُسخ المقترح، ستدفع كلّ من الأردن وإسرائيل سنويًا 40 مليون دولار، على مدى 25 عامًا، بتكلفة إجمالية 2 مليار دولار، على كلّ دولة منهما مليار. مع ملاحظة أن هذا المبلغ لا يشمل كلفة بناء محطة تحلية المياه التي يُخطط لها أن تكون شمالَ العقبة مباشرةً. حاولت مجلة «بلومبرج» التواصل مع وزارة الماء الأردنية للتعليق على هذه المبالغ، ولكن الأخيرة لم ترد. 

خريطة للأردن وإسرائيل، تُظهر خط مشروع قناة البحر الميت- البحر الأحمر، غربيّ الأردن، وبشكل كامل في الأراضي الأردنية. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

خريطة للأردن وإسرائيل، تُظهر خط مشروع قناة البحر الميت- البحر الأحمر، غربيّ الأردن، وبشكل كامل في الأراضي الأردنية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ستُبنى محطة التحلية من أموال استثمارات خاصة، في الغالب ستكون استثمارات دولية، ولن يشارك مستثمرون في بناء الأنبوب؛ لأنه لن يدرّ أرباحًا، ولكن سيؤدّي وظيفةً هامة للأردن وإسرائيل إذ سيُنتج طاقة «كهرومائية» ناتجة عن هبوط مستوى البحر بين العقبة والبحر الميت، وستستخدم الطاقة المُنتجة، وقدرها 32 ميجا وات، في تشغيل محطة تحلية الماء، وهو تمامًا ما ستحتاجه المحطة.

ما الذي تريده إسرائيل من «قناة البحرين»؟

يذكر مقال لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أنّ مشروع «قناة البحرين» يأتي ضمن إطار استراتيجية إسرائيلية أوسع، وهي الحفاظ على استقرار النظام الأردني، وانطلقت هذه الاستراتيجية منذ توقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، المعروفة باتفاقية وادي عربة، عام 1994. وتنبع هذه الأهمية من مجاورة الأردن لإسرائيل، إذ تتشاركان أطول حدود تحدّ إسرائيل. وهذا ما يفسّر القرار الإسرائيلي بالمشاركة بمليار دولار لبناء الأنبوب.

وعلى الرغم من الكلفة الاقتصادية العالية؛ إلا أن القرار «قرار أمني وعسكري» كما تذكر «هآرتس» أنّ «وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)» هي من تشرف على الملف. وفي كل الأحوال، سيوفّر المشروع على إسرائيل كلفًا أعلى في حال توجّهت للإنفاق العسكري الدفاعيّ لحماية نفسها من أي سيناريوهات خطر مستقبلية.

لكن منافع إسرائيل لا تقف عند هذا الحد. ففي المقترح الأولي للمشروع، سيتمكن الأردن من بيع الماء لإسرائيل بالإضافة للسلطات الفلسطينية في الضفة الغربية وغزّة، ولكن المقترح الأمريكي للسلام يشير إلى أن إسرائيل هي من ستبيع الماء للسلطة الفلسطينية.

عوديد عيران الذي كان سفيرًا لإسرائيل في الأردن بين أعوام 1997 و2000، يذكر إعجاب الأردن بالمشروع منذ سمعوا عنه أول مرة لما قد يجنيه الاقتصاد الأردني من ورائه. لكن لماذا تأخر تنفيذ المشروع والعمل فيه، بالرغم توقيع اتفاقية ثلاثية عام 2013؟

يشير عيران إلى الرفض العام من المختصين الإسرائيليين المعنيين بالملف، ممن يعملون عليه أو يدرسونه، إذ لا يرونه مجديًا اقتصاديًا ولا ممكنًا عمليًا. ويسأل عيران: «إن كان الهدف الاستراتيجي من المشروع الحفاظ على استقرار النظام الأردني فلمَ لا نبيع الأردن ماءً إسرائيليًا، من ماء البحر الأبيض المتوسط الذي تحلّيه إسرائيل». وفي هذه الحالة ستكون كلفة الماء أقل إذ ستكون مسافة نقله أقصر بكثير، وأوفر من بناء الأنبوب الضخم أو محطة تحلية جديدة في الأردن. يعارض إسرائيليون آخرون المشروع نظرًا لأن إسرائيل لن يكون لها سلطة كاملة أو جزئية على الأنبوب ومحطة التحلية، وإنما سيكون تحت إشراف أردني كامل.

صورة من توقيع اتفاقية المشروع عام 2013، سيلفان شالوم (يسار)، وزير التطوير الإقليمي، وحازم الناصر وزير المياه والري الأردني (منتصف الصورة)، وشداد العتيلي، وزير سلطة المياه الفلسطينية (يمين).

من الجدير بالذكر أن لدى إسرائيل خمس محطات تحلية مائية عاملة الآن، وتخطط لإنشاء محطتين جُدد في الأعوام القادمة، وتغطي هذه المحطات 80% من احتياج إسرائيل المائي. لا تعاني إسرائيل مشاكل شحّ مياه بالمستوى الخطير نفسه الذي يواجهه الأردن، إذ تشير دراسة إلى أن الماء المتوفر في الأردن لا يكفي سوى احتياج مليوني إنسان، بينما يقطن الأردن 10 مليون الآن. ولربما يكون هذا أحد أسباب إلحاح الأردن على تنفيذ المشروع، بالرغم من كلفته العالية على الأردن نفسه. 

محطة التحلية الأردنية في العقبة ستنتج ما بين ثمانية إلى 16 مليار جالونًا من الماء في العام الواحد، نصفها للأردن والنصف الآخر لإسرائيل. لن يكون هذا الماء مجانيًا لإسرائيل، بل ستدفع مقابله. وكمقايضة، ستبيع إسرائيل ماءً نقيًا من مياه الجولان للأردن في الشمال، بكمية بين ثمانية إلى 13 مليار جالون. وتأتي فلسطين في المؤخرة إذ سيتاح لها أن تشتري 8 مليار جالون من إسرائيل. وفي حال نُفّذ المشروع فسيُنفذ في الأردن بشكل كامل، تفاديًا لانتقادات الناشطين البيئيين في إسرائيل، ولعدم وجود معارضة حقيقية في الأردن قد تقدر على إيقافه.

من سيمول هذا المشروع؟

بعد توقيع الاتفاقية عام 2013 وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على منح 100 مليون دولار، ووعد الاتحاد الأوروبي بمنح 160 مليونًا، وتعهّدت اليابان بتوفير معدات تصل قيمتها إلى 20 مليون دولار. لكن هذه المبالغ لا تغطّي كامل كلفة مشروع «قناة البحرين» التي ستصل إلى ملياري دولار. 

وفقًا للمقترح الأمريكي ستوفّر صفقة القرن للأردن 145 مليون دولار كمنح للبدء في تنفيذ المشروع لمدة عامين، تتبعها 400 مليون دولار لمتابعة تنفيذ المشروع في ست سنوات، ما مجموعه 545 مليون دولار، ولا يُعرف من أين ستوفّر الأردن بقية المبلغ المطلوب لتنفيذ المشروع. وبالنسبة للاتفاقيات القائمة بين الأردن وإسرائيل في البحر الميت، وتقسيمة موارده الطبيعية، كلها سَتظلُّ كما هي في ظِلِّ المقترح الأمريكي. 

وجدير بالذكر أن الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية، ولا المقترح الأمريكي، قد حددا أسعار بيع الماء وتبادله بين إسرائيل والأردن ودولة فلسطين المستقبلية.

بعد تعطّل المشروع أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في ختام 2018 أن إسرائيل ستوفي بالتزاماتها للتقدم في المشروع. والآن أصبح المشروع أكثر جدية وتأكيدًا بعد ضمّه للمقترح الأمريكي. وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي، عضو «حزب الليكود»، قال: «إن مناقصة المشروع ستتم مع نهاية 2020»، مشيرًا لإمكانية أن تشتري الأردن ضعفي كمية الماء المتفق عليها، ولن يتم المشروع في أقل من ستّ سنوات.

يذكر علماء أن المياه التي ستضخّ للبحر الميت لن تفي بالغرض لوقف اضمحلاله إلا بنسبة الثلث، ويشكّك نشطاء بيئيون في عواقب هذه الحركة على طبيعة البحر الميت ونظامه البيئي. وقد ينفّذ مشروع تجريبي قبل تنفيذ المشروع الضخم.

الأردن في قبضة إسرائيل

يكفلُ المشروع للأردن إشباعًا أكبر لاحتياجاته المائية الشديدة، وربما يكون بوابةً لرؤوس أموال أجنبية ضخمة، على شكل استثمارات أو منح، لتُضخَّ في الاقتصاد الأردني المحمّل بالديون، ولكن المشروع يحمل في طياته خطرًا ربما يكون أكبر بكثير من خطر شحّ المياه الشديد، وهو خطر شحّ الاستقلال الأمني الأردني، في مجالي المياه والطاقة. 

إذ يربط المشروع بشكله الحالي الأردن بإسرائيل بشبكة مصالح حساسة، يعتمد فيها الأردن في تحصيل ماء شربه وزراعته على إسرائيل، إذ ستبيعه الماء في الشمال، وسينتظر تمويلها سنويًا للمشروع ذي الـ25 عامًا.

وفي جهة أخرى يعتمد الأردن الآن في تشغيل كهربائه وطاقته على الغاز الإسرائيلي، مرتبطًا بإسرائيل بصفقة تمتد 15 عامًا وقيمتها 10 مليار دولار، دخلت حيز التنفيذ مطلعَ العام الحاليّ 2020، بالرغم من معارضة شعبية واسعة.

مع تنفيذ المشروع ستُشغّل حصة ضخمة من ماء الأردن وكهربائه من تل أبيب، وسيعاني النظام بشكله الحالي أو أي شكل آخر من كلفة هذا الزواج الثقيل.

عربي

منذ أسبوعين
بالأرقام المفصلة.. هذا ما ستأخذه الدول العربية مقابل تمرير «صفقة القرن»
12561
فريق العمل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد