ظهر بعد القرار التاريخي في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، بتحرير سعر صرف الجنيه المصري، ما يسمى بالدولار الجمركي، إذ بات هذا المصطلح متداولًا بين المستوردين بشكل خاص، لكنه أثار الكثير من التساؤلات أيضًا في مصر بشكل عام، وذلك حول كيفية تحديد قيمته وتأثيره على الأسعار، وكذلك عن الطريقة الأفضل للتعامل معه.

ويعرف الدولار الجمركي بأنه سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، المستخدم بالجهات الجمركية، إذ يتم تحديد قيمة البضائع المستوردة لحساب الرسوم الجمركية بناءً عليه، حيث يدفع المستوردون قيمة الضريبة الجمركية التي تحددها الدولة، على بضائعهم بالعملة الأجنبية بالسعر المعلن للدولار في الجمارك.

وتعمل مصلحة الجمارك، التابعة لوزارة المالية، على تحصيل الضرائب والرسوم والجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم التي يدفعها المستوردون والمصدرون للجمارك طبقًا لقانون التعريفة الجمركية، إذ لا يجوز الإفراج عن أي بضاعة قبل إتمام الإجراءات الجمركية وأداء الضرائب والرسوم المستحقة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

الدولار الجمركي قبل وبعد التعويم

مر الدولار الجمركي خلال الأشهر الماضية بعدة مراحل مختلفة قبل وبعد تحرير سعر الصرف «التعويم»، إذ كان سعر الدولار في البنوك شبه ثابت ويرتفع بنسب مختلفة كل فترة زمنية من خلال البنك المركزي، حتى وصل إلى نحو 8.8 جنيهًا بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

وفي 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وبعد نحو أسبوع من تعويم الجنيه، أصدرت مصلحة الجمارك، تعليمات بربط سعر صرف الدولار الجمركي بالأسعار التي ترد في نشرة البنك المركزي اليومية للمصلحة، إذ ذكرت المصلحة أن سعر الدولار المقبول لديها هو سعر الصرف المعلن من البنك المركزي في تاريخ تسجيل البيان الجمركي، ومنذ ذلك الحين بات سعر الدولار الجمركي متغيرًا بشكل يومي.

واستمر تذبذب السعر منذ التعويم وحتى بداية فبراير (شباط)، إلى أن استجابت وزارة المالية لمطالب المستوردين والشركات بتثبيت الدولار الجمركي لمعالجة أزمة تذبذب الأسعار على الواردات، وثبتت الوزارة سعر صرف الدولار الجمركي عند مستوى 18.5 جنيهًا في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي 16 فبراير (شباط) 2017، عدّلت وزارة المالية سعر الدولار الجمركي إلى 16 جنيهًا مقارنة مع 18.5 جنيهًا في السابق، فيما جاء آخر تعديل للسعر بنهاية فبراير (شباط)، إذ قال وزير المالية عمرو الجارحي، إن السعر انخفض إلى 15.75 جنيهًا بدءًا الأول من مارس (آذار) مقارنة مع 16 جنيهًا.

ما هي علاقة الدولار الجمركي بالأسعار؟

يقول أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية المصرية، إن سعر الدولار الجمركي بات خارج التوقعات بعد قرار وزارة المالية بتحديد سعر جديد كل 15 يومًا، إذ أنه مرتبط بسعر الدولار في البنوك، ينخفض مع انخفاضه ويرتفع مع ارتفاعه، بحسب السياسة المتبعة من وزارة المالية.

ويطالب شيحة، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» بتثبيت سعر الدولار الجمركي لمدة لا تقل عن ستة أشهر، لأن تكلفة السلع الآن ستختلف كل ثلاثة أشهر بسبب تغير السعر، إذ يرى أن السعر الأنسب في الوقت الحالي هو عشرة جنيهات.

وتابع أن المواطن في النهاية هو الذي يتحمل التكلفة، ولا أحد يعرف كيف تفكر الحكومة أو ماذا تريد، كما يرى أن تثبيت السعر عند مستوى منخفض، سيؤدي إلى تخفيض التكاليف على أصحاب المصانع والشركات.

غرفة القاهرة التجارية هي الأخرى طالبت مسؤولي مصلحة الجمارك بضرورة تثبيت سعر الدولار الجمركي على الأقل لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لتثبيت أسعار السلع التي أصبحت ترتفع يومًا بعد الآخر بسبب زيادة الدولار الاستيرادي والدولار الجمركي وعدم استقراره.

وذكرت الغرفة أن ارتفاع الأسعار تسبب في تراجع المبيعات، ومن ثم هذا ليس في مصلحة حصيلة الدولة، فكلما زادت المبيعات ارتفعت هذه الحصيلة فضلًا عن أن هذا يعطي أفضلية للتجار في مواجهة أعباء الحياة في ظل ارتفاع سعر معظم الخدمات.

ويرتبط الدولار الجمركي بالأسعار بصورة مباشرة، وذلك لارتفاع أسعار الجمارك في مصر، خاصة في الآونة الأخيرة، إذ رفعت مصر أسعار الجمارك مرتين خلال 2016، ففي يناير (كانون الثاني) 2016 تم رفع أسعار الجمارك على بعض السلع المستوردة، وأصبحت التعريفة الجمركية لها تتراوح بين 20 و40% بعدما كانت 10، و30% في الماضي.

ومع بداية ديسمبر (كانون الأول) 2016، خرج قرار جمهوري يقضي برفع أسعار التعريفات الجمركية على 364 سلعة بنسب تترواح بين 45، 60%، ومع هذه النسب المرتفعة من الرسوم الجمركية يكون استخدام الدولار الجمركي بشكل أوسع وهو ما يجعل ارتفاعه وانخفاضه مؤثرًا أساسيًا على الأسعار.

لماذا ترفع الحكومة أسعار الجمارك؟

هناك سببان رئيسيان لتمسك الحكومة بسعر الدولار الجمركي المرتفع، وكذلك زيادة أسعار الجمارك، الأول هو أن فاتورة الاستيراد في مصر بلغت 77 مليار دولار في عام 2015، ومع رفع الأسعار يضطر المستورون إلى تخفيض الاستيراد وهو ما يخف الضغط على العملة الصعبة، بالإضافة إلى أنه يجعل الميزان التجاري مقتربًا أكثر من التوازن.

السبب الثاني الذي يجعل وزارة المالية المصرية متمسكة برفع سعر الدولار الجمركي وكذلك رسوم الجمارك، بالرغم من الأضرار البالغة التي يتعرض لها المواطن المصري، هو أن الأمر متعلق بحصيلة إيرادات مصلحة الجمارك والتي تعد من أهم إيرادات البلاد، إذ وصلت حصيلة مصلحة الجمارك خلال الشهور السبعة الأولى من العام المالي الماضي إلى نحو 14.5 مليار جنيه بنسبة تزيد على 80% من المستهدف خلال تلك الفترة.

وتستهدف الحكومة تحقيق حصيلة جمركية بقيمة 27.4 مليار جنيه على مدار العام.

مما سبق يتبين أنه كلما ارتفعت نسبة الجمارك على السلعة، كان التأثير بهبوط الدولار الجمركي طفيفًا، وهذا يعني أن هبوط الدولار الجمركي لا يعني انخفاض الأسعار الأساسية لأن الجمارك المفروضة عليها منخفضة.

ما هي علاقة الدولار الجمركي بالتضخم؟

بما أن الدولار الجمركي له علاقة مباشرة بما يدفعه المستورد نظير الحصول على السلع، فبالتالي كلما ارتفع سعر الدولار الجمركي ارتفع التضخم والعكس صحيح، وفي ظل ارتفاع الدولار الجمركي، سجل التضخم الأساسي في مصر أعلى مستوى له في أكثر من عشر سنوات، بحسب بيانات البنك المركزي، وصولًا إلى 30.86% في يناير (كانون الثاني) الماضي، فيما ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بالمدن لأكثر من مثليه إلى 28.1% على أساس سنوي في يناير (كانون الثاني) من 13.6% في أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب موقع «تريدنج إيكونوميكس» فإن هذا المعدل من أعلى المعدلات المسجلة في تاريخ البلاد، إذ سجلت مصر أعلى معدل تضخم في تاريخها (منذ بدء القياس) حين بلغ 35.1% في يونيو (حزيران) عام 1986.

ورغم أن مؤشر التضخم الأساسي لا يشمل أسعار المواد شديدة التقلب مثل الأغذية والوقود إلا أن قراءة يناير (كانون الثاني) الماضي البالغة 30.86% هي الأعلى منذ يناير (كانون الثاني) 2005، وهو أقدم بيان متاح بموقع البنك المركزي على الإنترنت.

أسعار الأغذية والمشروبات قادت الارتفاعات الحادة في معظم تضخم أسعار المستهلكين بالمدن في يناير (كانون الثاني)، إذ زادت تلك المواد بنسبة 37.2%، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فيما يتوقع للتضخم «أن يبلغ ذروته بحلول منتصف العام الحالي»، على حد قول جيسون توفي اقتصادي الشرق الأوسط لدى كابيتال إيكونوميكس في لندن.

فتحي الطحاوى، نائب رئيس شعبة الأدوات المنزلية المصرية، قال خلال تصريحات صحافية إن خفض الدولار الجمركي بشكل طفيف لن يؤثر على التكلفة الاستيرادية ما لم يتحرك سعره لمستوى دون الـ 13 جنيهًا بالإضافة إلى تثبيته لفترة معينة، حتى تتحرك الأسعار صوب الهبوط.

ويقترح الطحاوي، خفض معدل الشريحة الجمركية لتتم بناء على ثلاث شرائح لتكون بنسبة 10-15% للمنتجات تامة الصنع 20% للغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج، موضحًا أن تقسيم الشريحة الجمركية سيعمل على تحريك الأسواق وزيادة معدلات الحركة للبيع والشراء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد