قبل أن ترحل عن محبيها، قامت بنشر صورة لأزهار البنفسج على صفحتها الشخصية، والتي وصفتها بأنها «زهرة لا تموت»، ثم غابت أسبوعين ولم ترد على الاتصالات والرسائل، قبل أن تخرج عائلتها وتوضح أنّ ابنتها في المستشفى إثر تراجع فجائي في صحتها، ثم خرج أخوها كأنه يقتبس من صوتها ومن قوتها: هي تقاوم الوعكة المستجدة ببطولة أسطوريّة كما عودتكم طوال الأعوام التسعة الماضية، لا بل صرحت بالأمس أنها تخطط للمشاريع الفنية القادمة وجولة عروض».

لكنّ أوان مواسم زهرة البنفسج قد حان، فرحلت البنا وتركت همساتها رسائل شفاءٍ لمتابيعها، ورغم أنّ المرض الذي توّعدته هزمها في النهاية بعد تسع سنوات من الصمود، إلا أنها لازالت نجمًا يُضيئ سماء الحالمين الضعفاء الذين غنّوا معها: «حبي لك لا يموت كبذور البنفسج التي لا تموت».

مغنية التراث التي درست بالخارج

كانت ريم بنا تفتخر دائمًا بأنها امتداد لمشوار والدتها الشاعرة زهيرة الصباغ، لكنّ ما حدث في الناهية أن الابنة رحلت أولًا والأم هي من رثتها قائلة: «رحلت غزالتي البيضاء، خلعت عنها ثوب السقام، ورحلت، لكنها تركت لنا ابتسامتها، تضيء وجهها الجميل، تبدد حلكة الفراق»، لتصبح الأم التي توصف بأنها رائدة الحركة النسوية في فلسطين امتدادًا لابنتها، وليس العكس.

ولدت «ريم» عام 1966، في مدينة الناصرة بفلسطين، ثم سافرت إلى موسكو في سنّ العاشرة، حيث درست الموسيقى والغناء في المعهد العالي للموسيقى، ثم تخصصت في الغناء الحديث لمدة ست سنوات، قبل أن تتزوج  أوكرانيًا تعرفت عليه داخل المعهد ليصير الطلاق مصيرهما لاحقًا.

عادت الفلسطينة التي عاشت بالخارج حينًا من الزمن لوطنها برسالة فنية مختلفة؛ فالغناء مختلف عن السائد، والنصوص مستوحاه من التراث القديم المنسي، والموسيقى حديثة ممزوجة بصوتها، ورغم أنها وصفت موسيقاها بأنها «مؤثرة وعاطفية وتقترب أحيانًا من الفن الهابط»، إلا أنها صارت مع ذلك رمزًا للقضية الفلسطينية.

بدأت «ريم» أولًا بإعادة غناء الأناشيد القديمة التي لازالت عالقة في ذاكرة الكبار، تقول عام 2008: «جزء من مشروعي الثقافي إحياء بعض النصوص التراثية القديمة وتقديمها في قالب جديد يمزجها بالحداثة، ومن خلال تجربتي أتساءل: «لو لم يوضع نص مثل «ستي العرجا» في قالب موسيقي حديث، فهل كان سيتفاعل معها الشباب بهذا الشكل؟»، وقد خلق لها النجاح – الذي صنعته في إعادة صياغة الموروثات بقالب غنائي جديد استعاد شبابه – شعبية صعدت بها إلى مصاف رموز المقاومة.

هي أيضًا لم تكتفِ بترجمة التراث العربي؛ فأعادت تلحين أغاني الأطفال مُجددًا خلال حفلاتها، ورغم أنّها كانت تردد أنها تختار الألحان والكلمات التي تتناسب مع صوتها، إلا أنها صارت رمز المقاومة والتراث والطفولة، خاصة أن معظم ما كتبته وما لحنته كان خاصًا بها، ومن أبرز ألبوماتها «وحده بتبقي القدس»، و«زهرة البنفسج» و«مرايا الروح» عام 2008.

هزمت المرض مرتين.. وهاجمت السياسة المصرية

السرطان احتل جسمي كما احتلت إسرائيل فلسطين واغتصبتها

اشتهرت ريم البنا برحتلها مع مرض سرطان الثدي، تقول بعد شفائها من المرض في المرة الأولى، قبل ثماني سنوات، إنها سألت الطبيب: «كم تبقى لي في الحياة؟ ومتى سأموت؟»، لكنها قررت أن تصمد وأن تقاوم المرض الذي شبهته بالاحتلال الإسرائيلي.

 فرغم أن شكلها تغير، وشعرها تساقط، ورغم أنها شعرت بالحزن، إلا أنها أوضحت بعد ذلك أن دموعها ليست ضعفًا، وأنّ تأخر حالتها ليس هزيمة، قائلة: «مرحلة قصيرة عانيت فيها، وغضبت، وغلبتني نفسية صعبة، ولكني استطعت تجاوزها بسرعة، ولا أنسى أني بكيت فيها كثيرًا».

كان ذلك الحديث عام 2010، إلا أنّ المرض داهمها مرة أخرى عام 2015، فقررت أن تواجهه بنفس الصمود؛ فأصدقاؤها مرة أخرى يحلقون رأسهم تضامنًا معها، ومتابعوها من معظم الدول العربية يُقلدونها، وهي أيضًا تُكرر نفس تصريحاتها السابقة بشأن صمودها: «أشعر بتحسن كبير في حالتي الصحية، وفي صوتي، وحالتي النفسية، بعد أن تلقيت جلسات علاج طبيعي بنظام الطب الهندي».

 قبل أن تخرج وتكتب مُجددًا: «سأجري كغزالة إلى بيتي، سأطهو وجبة عشاء طيبة، سأرتب البيت وأشعل الشموع، وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة.. أجلس مع فنجال الميرمية، أرقب مرج ابن عامر، وأقول هذه الحياة جميلة.. والموت كالتاريخ فصل مزيف».

ورغم جمهورها الحاشد، إلا أنها لم تبد خوفًا من خسارتهم، رغم مواقفها؛ حيث هاجمت السياسة المصرية، حين كتبت على صفحتها الخاصة بموقع «فيسبوك»: «رفض الفلسطينيين للإعانات المصرية في غزة.. لم يأت إلا تعبيرًا عن الرفض للسياسة المصرية المتواطئة مع الكيان الصهيوني»

وشهد العام الماضي توقفها عن الغناء بعد إصابتها بشلل بالوتر الصوتي الأيسر، وقالت في رسالة لمتابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي، إنها لا تستطيع الغناء، لكنها سوف تجاهد المرض للرجوع «لسلاحها الوحيد» الذي أحبته.

يحكي أحد أصدقائها أنّها كانت برفقته مع مصوّر في ريف حلب، قبل أن يستوقفهم اثنان من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» قائلة: أتوا مُسرعين ليعرفوا قصتنا ومعنا هذه «المتبرجة» – يقصدها – لكنّ ريم طلبت من صديقهم أن يأخذ الكاميرا قائلة: «لن يستطيع أحد أن يأخذها».

آخر ما كتبته.. رسالة إلى صغارها

قبل أن ترحل نشرت تدوينة على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي وجهت فيه رسالة لأولادها، وشرحت أنها كانت تحاول تخفيف المعاناة عن أطفالها بتلك الكلمات التي صارت آخر ما نقله العالم عنها.

«بالأمس .. كنت أحاول تخفيف وطأة هذه المعاناة القاسية على أولادي.. فكان علي أن أخترع سيناريو.. فقلت: لا تخافوا.. هذا الجسد كقميص رثّ.. لا يدوم.. حين أخلعه سأهرب خلسة من بين الورد المسجّى في الصندوق.. وأترك الجنازة و«خراريف العزاء» عن الطبخ وأوجاع المفاصل والزكام.. مراقبة الأخريات الداخلات.. والروائح المحتقنة.. وسأجري كغزالة إلى بيتي.. سأطهو وجبة عشاء طيبة.. سأرتب البيت وأشعل الشموع.. وأنتظر عودتكم في الشرفة كالعادة.. أجلس مع فنجال الميرمية.. أرقب مرج ابن عامر.. وأقول: هذه الحياة جميلة.. والموت كالتاريخ.. فصل مزيّف».

وفيما كانت الحشود تُشيعها إلى مثواها الأخير، اختار الجميع أن يودعوها بترانيم القصيدة الوطنية الشعبية «موطني» والتي تقول أبياتها:

«موطني.. الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك

هل أراك سالمًا منعمًا وغانمًا مكرمًا؟

هل أراك في علاك تبلغ السماء؟

موطني.. موطني..

الشباب لن يكل.. همه أن يستقل.. أو يبيد

نستقي من الـردى.. ولن نكون للعدى كالعبيد

لا نريد ذلنا المؤبدا.. وعيشنا المنكدا

لا نريد.. بل نعيد مجدنا التليد

موطني.. موطني..

الحسام واليراع.. لا الكلام والنزاع رمزنا

مجدنا وعهدنا وواجب إلى الوفا يهزنا

عزنا غاية تشرِف وراية ترفرف

يا هناك في علاك قاهرًا عداك

موطني.. موطني».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد