رفعت الجمال المعروف إعلاميًا باسم «رأفت الهجان»، هو جاسوس مصري أثار الكثير من الجدل بين مصر وإسرائيل؛ تحدّث خمس لغات: العربية، والعبرية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، وأتقن تزوير الهويات، لدرجة خدعت بحسب مذكراته التي كتبها بخط يده، كبار قادة إسرائيل، بل وأقرب المقربين له، زوجته فالتراود، التي لم تعرف حقيقته إلّا بعد 20 عامًا من ارتباطهما.

يسرد هذا التقرير قصة «أشهر جاسوس مصري»، ويبحث في حقيقتها، بعد أن ادعت إسرائيل أنه كان عميلًا مزدوجًا لحسابها، ونفى صحافي مصري كبير أن يكون لمصر جاسوس بهذه القوة، بينما أكدت المخابرات والوثائق المصرية المعلومات المهمة التي وفّرها للمصريين.

«شيطان صغير» تعلّم اللغات وأحب التمثيل

في 1 يوليو (تموز) عام 1927، وُلد رفعت علي سليمان الجمّال في قرية شرباص بمحافظة دمياط المصرية، المُطلة على البحر المتوسط. عمل أبوه تاجرًا للفحم، وتزوج أم رفعت زوجةً ثانيةً، أنجب منها لبيب ونزيهة ورفعت، الأصغر في الأسرة. لم يعش رفعت مع والده كثيرًا؛ إذ توفي عندما كان رفعت في التاسعة من عمره، وأصبح أخيه الأكبر، غير الشقيق، سامي بمثابة ولي للأسرة وأخذهم جميعًا إلى القاهرة.

يصف رفعت أيام طفولته بأنه كان «شيطانًا صغيرًا»، لم يتميز في التعليم التقليدي كثيرًا؛ إذ إن رفعت كان طالبًا عاديًا في المدرسة يمكن اعتباره في المستوى المتوسط، فحصل على الشهادة الابتدائية من وزارة المعارف المصرية عام 1941، بترتيب 2448 من بين مجموع الناجحين في الشهادة الابتدائية لهذا العام، والبالغ 5270.

شهادة المرحلة الابتدائية التي نالها رفعت الجمال. المصدر: مذكراته.

لكن رفعت وجد شغفه في تعلم اللغات، وشجعه على ذلك والدته رتيبة، التي كانت امرأة راقية عصرية تتحدث الإنجليزية والفرنسية، فأحضرت له معلمين خاصين لتعلم اللغتين ليتقنهما، ويتحدث الفرنسية بلكنة فرنسية، والإنجليزية بلكنة بريطانية، نظرًا أيضًا لتأثره بالبريطانيين ومحاولة أن يبدو بريطانيًا، كما أظهر في مذكراته.

بمرور السنين ومع اقتراب نهاية مرحلة الطفولة وبداية المراهقة، عشق رفعت السينما التي اعتبرها مدرسته الثانية؛ فذهب إليها مرات عديدة، بل وحاول أن يتقمص أدورًا معينة ويعيد تمثيلها بين أقرانه في المدرسة، حتى أصبح شهيرًا بتمثيله بين زملائه في الفصل.

في عام 1940 زار رفعت الجمال عددًا من استوديوهات السينما، وتصادفت إحدى الزيارات مع تمثيل فيلم كوميدي للممثل الشهير بشارة واكيم، ويومها تسلل رفعت إلى غرفة تغيير الملابس وأخذ يُقلد واكيم بطريقته وأسلوبه، حتى تفاجأ بالممثل الشهير أمامه يعنّفه، قبل أن يتعامل معه بود ويأخذه بعد ذلك ليشارك في أدوار صغيرة بثلاثة أفلام لواكيم.

خبير في تقمص الشخصيات.. المخابرات المصرية تجند رفعت الجمال من السجن

ابتعد رفعت عن مساره الفني المتواضع، وبحث عن فرص أُخرى بعيدًا عن التمثيل، وبالفعل ساعده إتقانه للإنجليزية والفرنسية على العمل بشركة بترول أجنبية في البحر الأحمر، ولكنه طُرد بعد ذلك منها لاتهامه باختلاس أموال للشركة، وهو الاتهام الذي رفضه رفعت في مذكراته، وقال إن مدير الفرع هو من فعلها، ووّرطه ظُلمًا في الأمر.

كانت حياة رفعت المهنية مليئة بالسفر والمغامرة والمخاطرة، إذ عمل بعد ذلك ضابطًا لحسابات السفن في سفينة شحن تحمل اسم «حورس»، وانتقل رفعت من بلد إلى أُخرى، من أمريكا إلى كندا وصولًا إلى ألمانيا، حيث فقد جواز سفره، ورفض القنصل المصري منحه وثيقة سفر، لتصوره أنه باع جواز سفره؛ ففي تلك الحقبة بعد الحرب العالمية الثانية، كان الضباط النازيون يشترون جوازات السفر للهرب من الملاحقة الأمنية.

ألقت الشرطة الألمانية القبض على رفعت ورحّلته قسرًا إلى مصر، وهناك قدّم طلبًا للحصول جواز سفر جديد، ولكنه رفض، بسبب تقرير بعثه القنصل المصري يُظهر ما حدث له، ومع العودة إلى مصر فكّر رفعت في استغلال تمكّنه اللغوي للعمل في قناة السويس، ومن هنا زوّر رفعت جواز سفر جديد باسم علي مصطفى.

شهادة ميلاد رفعت الجمال. المصدر: مذكراته.

ابتعد رفعت عن عمله في قناة السويس بعد عدة شهور، إذ زاد التدقيق الأمني مع التشديدات التي شهدتها مصر بعد 23 يوليو 1952، واضطر رفعت لتزوير جواز سفر أكثر من مرة، الأولى كانت بدولة محايدة، واعتبر نفسه صحافيًا سويسريًا باسم شارليز دينون، وبعد ذلك قرر تغيير هويته إلى البريطانية، تحت اسم دانيل كالدويل، والهروب من مصر نحو ليبيا، ولكن محاولته باءت بالفشل بالقرب من ليبيا حين استوقفه ضابطًا بريطانيًا وشك في أمره وسلمّه للسلطات المصرية.

سُجن رفعت في أحد أقسام الشرطة بالإسكندرية، حيث تواجد بعض اليهود المحتجزين وظهر بينهم وكأنه يهوديًا هو الآخر، بحسب ما أكده شخصًا زرعته المخابرات في السجن، وأفاد بأن كل اليهود في الحجز اقتنعوا بأن رفعت يهوديًا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«الجاسوس».. تعرف إلى بطل سلسلة «نتفليكس» الجديدة الذي خدع قادة سوريا

بعد أن أثار انتباه المخابرات المصرية، استجوبه ضابط مصري يُدعى حسن حسني للوقوف على ولائه ومصريته، وتساءل مندهشًا عن كيفية إقناعه اليهود رفقائه بأنه يهوديًا ليرد رفعت بحسب ما جاء في مذكراته:

«شرعت أحكي كل شيء من البداية، كيف قابلت كثيرًا من اليهود فى استديوهات السينما، وكيف تمثلت سلوكهم وعاداتهم من منطلق الاهتمام بأن أصبح ممثلًا، وحكيت له عن الفترة التى قضيتها فى إنجلترا وفرنسا وأمريكا ثم أخيرًا فى مصر، بسطت له كل شيء فى صدق أمامه، شرحت أنني مجرد مهرج ومشخصاتي عاش فى التظاهر ومثل كل الأدوار التي دفعته إليها الضرورة ليبلغ ما يريده في حياته».

زادت إجابة رفعت من إعجاب حسني الذي خيّره بين السجن والعمل لصالح المخابرات المصرية ضد إسرائيل، ليختار رفعت الإجابة الثانية، ويبدأ بالتجهيز لعمله الجديد الأكثر صعوبة وخطورة على حياته.

جاك بيتون.. الوحدة 131 أوصلته لكبار قادة إسرائيل

قبل البدء رسميًا في العمل دخل رفعت في تدريب مكثف، درس خلاله اللغة العبرية وعرف تاريخ اليهود في مصر وأصول دينهم، وتعرف إلى الطوائف اليهودية المختلفة وشعائرهم الدينية ووعطلاتهم، بالإضافة إلى التعرف إلى العلوم الاقتصادية وكيفية تهريب الأموال، وكذلك كيفية البقاء على قيد الحياة بالاعتماد على الطبيعة في الظروف التي قد يضطر فيها للاختفاء، وأخذ أوراق هوية تفيد بأنه يهودي مصري من أب فرنسي وأم إيطالية، يحمل اسم جاك بيتون.

في بداية عمله المخابراتي، زُرع رفعت وسط الطائفة اليهودية في الإسكندرية حيث عومل باعتباره يهوديًا مخلصًا، وفي تلك الفترة الحساسة، كان جهاز المخابرات العسكرية السرية الإسرائيلية بدأ نشاطه داخل مصر، عن طريق الوحدة 131، وتركز نشاط الوحدة على شن تفجيرات إرهابية على مؤسسات أجنبية، وإلصاقها بالوطنيين المصريين، وكانت خطتهم حينها استهداف المؤسسات الأمريكية فقط لإفساد العلاقات المصرية الأمريكية، وكان رفعت حينها ظاهريًا ضمن أفراد الوحدة لثقة اليهود به، ولكن في الخفاء كان على علم بنشاط الوحدة واتصال دائم بالمخابرات المصرية التي تمكّنت في النهاية من ضبط معظم أفراد الوحدة.

ارتباط اسم جاك بيتون بالوحدة 131 الاستخبارية الإسرائيلية، وإشادة زملائه به، كانا سببان مهّدا الطريق إلى قلب قادة إسرائيل عندما سافر إليها، للاستثمار في شركة سياحية هناك، واستقبله حينها ضابط مخابرات إسرائيلي، يُدعى سام شوارب، ذكّره بالوحدة وصادقه وساعده في التعرف إلى مسؤولين حكوميين، أولهم موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، الذي أصبح صديقًا لبيتون لاحقًا.

هوية رفعت الجمال (جاك بيتون) الصادرة من إسرائيل. المصدر: مذكراته.

بعد ذلك، توطدت علاقة الرجل المصري بمؤسس إسرائيل، ديفيد بن جوريون، والرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان، ورئيسة الوزراء الإسرائيليى جولد مائير، التي تعاملت بود لدرجة أنها كانت تسأل زوجة بيتون إذا كان جاك يحسن معاملتها وإلا «ستلقنه درسًا نافعًا في ضوء خبرتها». يراها رفعت امرأة عطوفة، أبدت ودًا شديدًا نحوه، وقالت زوجته فالتراود بيتون أن هؤلاء جميعًا كانوا أصدقاء العائلة المقربين، وبالأخص ديان وعزرا، وكانوا، بحسبها، لا يكفون عن المزاح والضحك.

هذه العلاقة القوية بقادة إسرائيل دفعت رفعت للكشف عن سؤل كثيرًا ما راوده بينه وبين نفسه، فيقول في مذكراته: «ماذا عساهم أن يقولوا عني لو اكتشفوا حقيقتي وعرفوا أني استخدمتهم؟».

حذر مصر من عدوان 56 ونكسة 67 وكاد يستقيل قبل حرب 73

تمكّن رفعت الجمال، بموجب علاقاته القوية بقادة إسرائيل والثقة التي حازها، من الوصول لمعلومات حساسة ساعدت المخابرات المصرية في أحداث تاريخية مصيرية في التاريخ المصري.

قبل العدوان الثلاثي الذي شنّته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر عام 1956، كانت مصر تتناقش مع سوريا والأردن ظنًا منها أن الهجوم الإسرائيلي القادم سيستهدف الأردن، ولكن المعلومات التي وصلت إلى رفعت كانت غير ذلك، وأفادت بأن إسرائيل تستهدف في المقام الأول تدمير القوة العسكرية المصرية وإضعافها، وإقحام بريطانيا وفرنسا في العدوان للسيطرة على قناة السويس، وحاول رفعت إقناع المسؤول المباشر عنه بذلك حتى اقتنع في النهاية، ولكن العدوان وقع ولم يرد الرئيس المصري جمال عبد الناصر الرد المبكر الاستباقي على العدوان.

يتساءل رفعت في مذكراته: «لست أدري لماذا لم تأخذ مصر تحذيري بصورة جدية، لا بد أنهم لم يصدقوني ووقع المقدور، لماذا صمّوا آذانهم عن كلامي؟».

رفعت الجمال مع عزرا وايزمان وزوجته. المصدر: مذكراته.

وفي أبريل (نيسان) عام 1967، كشف رفعت لرئيسه بأن إسرائيل دشنت عمليات الاستطلاع للكثير من القواعد العسكرية العربية من بينها قواعد مصرية، وأعادوا نماذج مطابقة لكل قاعدة للتدرب على قصفها جوًا، محذرًا من أن الهجوم العسكري إذا ما حدث، سيكون من خلال هجمات جوية ضخمة، وأن مصر ستكون هدفًا أساسيًّا، وبالفعل شنّت إسرائيل في 5 يونيو (حزيران) 1967 هجمات على القواعد الجوية الكبرى في مصر وسوريا والأردن والعراق، وأوقعت هزيمة كبيرها على مصر والدول العربية.

يعلق رفعت على ذلك قائلًا: «لم يأخذ أحد معلوماتي مأخذًا بحسب ما كشفت الأيام، لم يصدقوني، ثارت ثائرتي، لماذا لم يسمعوا كلامي؟ لقد أبلغتهم قبل وقوع الكارثة بزمن طويل ولم يعبأوا بما قلت».

يحكي رفعت في مذكراته أنه غضب بشدة وبلغ به الغضب مداه «حتى عقدت العزم على ترك العمل»، وبعد مرور ست سنوات كان خلالها رفعت يفكر دائمًا بمغادرة إسرائيل وترك العمل المخابراتي، أدى رفعت زيارته الأخيرة في إسرائيل مؤديًا آخر عملية تجسس وأهمها وأخطرها لصالح مصر.

تلقى رفعت معلومات من سام شواب وموشيه ديان وعزرا وايزمان عن الخطط العسكرية الإسرائيلية لحرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، ليعلم «الزمن والتاريخ والموقع»، منجزًا ما يعتبره أروع أعماله، ويصف شعوره في ذلك الوقت: «ضدقني المصريون هذا المرة، وانتصرت مصر على إسرائيل في حرب 73 وغمرتني سعادة بالغة بذلك، وقررت أن هذه نهاية عظيمة لمهمتي، وأبلغت رئيسي بنهاية عملي معهم».

كانت جهود رفعت محل تقدير من المسؤولين المصريين والرئيس المصري ذاته، محمد أنور السادات الذي استقبله سلفًا في قصره، وفي منتصف السبعينيات قرر رفعت تأسيس شركة بترول له في مصر، وتقديرًا لمجهوداته المخابراتية عمل مسؤولون في الدولة على إنجاحها، وبعد سنين أُصيب رفعت بسرطان الرئة وأخبر عام 1981 أنه تبقى له عدة شهور فقط يعيش فيها قبل الموت، ومع معاناته الشديد خلال فترات المرض جاهد رفعت لكتابة مذكراته بخط يده، وكتب نحو 70 صفحة باللغة الإنجليزية وغلّفها في ظرف وأوصلها لمحاميه، وأخبره ألا يفصح لعائلته بها قبل ثلاث سنوات من وفاته، التي وقعت في 30 يناير (كانون الثاني) عام 1982.

زوجة رفعت الجمال التي لم تعلم حقيقته إلا بعد 20 عامًا!

في مستهل مذكراته التي حكى فيها عن حقيقة عمله، بعث رفعت لزوجته فالتراود رسالة تلقّتها بعد ثلاث سنوات من وفاته، لتدرك حقيقة زوجها بعد نحو 20 عامًا من معرفته به، وتضيف على مذكرات رفعت مذكراتها هي معه، وتخرج بمذكراتهما في كتاب خرج للنور عام 1988، تحت عنوان «قصة الجاسوس المصري رفعت الجمال.. 18 عامًا من الخداع لإسرائيل».

«لن تعرفي ما كنت أعانيه من عذاب، بسبب كذبة اضطررت أن أعيشها، أرجوكِ لا تستبقي الحكم عليَّ، فأنتِ تعلمين أنني لم أحب أحدًا أبدًا أكثر منكِ ستبقين دائمًا حبيبة عمري، المخلص أبدًا جاك».
*رسالة رفعت الجمال لزوجته في مذكراته

قالت فالتراورد أن زوجها «لم يترك سببًا للشك به»، بعدما عاش معها بأسلوب حياة غربي فصادقها قبل الزواج، وأعلن زواجهما في ألمانيا عام 1964 وهي حامل منه في دانييل، الذي أصر رفعت أن يولد في ألمانيا وليس إسرائيل حتى يحمل الجنسية الألمانية، التي حملها بعدما نال رفعت نفسه الجنسية الألمانية بعد إقامته هناك لأكثر من خمس سنوات.

جواز سفر جاك بيتون الصادر من ألمانيا. المصدر: مذكراته.

كانت قصة زواج رفعت الجمال بفالتراود مثيرة مثل حياته، فخلال عمله المعتاد مع المخابرات المصرية شعر رفعت بالخطر من كشف أمره واعتقاله، وهنا طالب مسؤوله بترك إسرائيل، وأراد رفعت العودة إلى مصر لأنه أيضا يريد الزواج، فنصحه بمسؤوله بعدم الزواج من إسرائيلية أو من امرأة من عرب إسرائيل، وبعدم العودة مباشرة من مصر إلى إسرائيل، حتى لا يشك الموساد في أمره، وخلصا إلى الزواح والإقامة في بلد أوروبية ثالثة بعيدًا عن مصر وإسرائيل.

قرر رفعت الزواج في ألمانيا والتقى بفالتراود، وووقع في حبها وعرض عليها الزواج، باعتباره يهوديًا فرنسيًا ولد من رجل أعمال فرنسي تزوج مرتين: أمه المصرية وزوجة ثانية فرنسية، وأمهلها 10 أيام قال إنه ذاهب فيها إلى النمسا لترد على عرضه عندما يعود، ولكنه في الحقيقة كان ذاهبًا إلى روما حيث التقى بمسؤوله في المخابرات المصرية، بغرض إخباره باسم المرأة لفحص تاريخها والتأكد من عدم عملها مع الموساد أو أجهزة مخابرات أُخرى، وتأكدا من نصاعة تاريخها وأنها امرأة عادية لا يأتي من ورائها مخاطر أمنية، فرح رفعت كثيرًا وتوجت سعادته بقبول فالتراود لعرضه، لتتزوج فالتراود الزوج الثاني لها، بعدما أنجبت من زوجها الأول ابنتها أندريا قبل انفصالها عنه.

خلال إعلان الزواج كان لا بد من وثيقة هوية لرفعت، وهو ما لم يمتلكه الأخير مما اضطره للقسم أما المحكمة الألمانية بأنه ولد في مصر لأب اسمه شالوم بيتون، وأم اسمها الجيرا لازرا، وإن شهادة ميلاده احترقت ولا يستطيع الوصول لشهادة ميلاده الأصلية، وهو قسم صدّقه المسؤولين الألمان ليؤكدوا هويته الإسرائيلية اليهودية ويتموا الزواج.

بعد معرفتها حقيقته، أعلنت فالتراود أكثر من مرة أنها سامحته وأحبّته بشدة، وقالت في مذكراتها: «إن تراث جاك قد تحقق واكتمل.. تراثه الحب، حبي له، فهو ابن لشعب ودود.. هو ابني وابنتي وكل الناس الذين أحبهم، وتماما، وكما قال هو بيقين، فإنه يظل دائمًا معي حتى نهاية الزمان»، وقالت فالتراود في لقاء تلفزيوني حديث عام 2018:« عشت في خدعة 20 عامًا… ولكني أتفهمه لأنه أراد حمايتنا وضمان أمننا وعدم إيذائنا… لقد سامحته منذ زمن بعيد».

لقاء زوجة رفعت الجمال فالتراود بيتون مع قناة «دويتش فيله».

إسرائيل تدعي عمالته المزدوجة.. وهيكل ينكر وجود عملاء مصريين بارعين

حاولت إسرائيل التشكيك في ولاء رفعت الجمال لمصر في أكثر من مرة، وادعت أنه كان عميلًا مزدوجًا وساعد إسرائيل في التخابر ضد مصر، بإيصال معلومات مُضللة للجانب المصري.

زعمت صحف إسرائيلية بأن الموساد كشف أمره واعتقله وخيّره بين السجن والعمل لصالح إسرائيل، ووافق رفعت وأفادت الصحف بإن ضابط مخابرات إسرائيلي «طلب من رفعت نقل معلومات مضللة عن إسرائيل للجانب المصري، بل وسعت المخابرات الإسرائيلية لإقناع المخابرات المصرية بضرورة الاعتماد على المعلومات التي كان يرسلها رفعت، عن طريق إعطائه معلومات حقيقية حول موعد شنها حرب 1956، لكن قبل يوم واحد فقط من اندلاع الحرب حتى لا يكون بوسع المصريين إجراء احتياطات تؤثر على مسار الحرب».

ولفتت التقارير إلى أن «إسرائيل استغلت الثقة التي اكتسبها رفعت لدى المخابرات المصرية وزوَّدته بمعلومات مضللة بشأن حرب 1967، حيث تمَّ الطلب منه التأكيد للجانب المصري أنَّ إسرائيل لا تنوي في هذه الحرب استهداف سلاح الجو المصري، رغم أنَّ الحرب بدأت بضرب إسرائيل كل المطارات المصرية، مما مكنها من تحييد نحو 80% من قوة سلاح الجو المصري».

اللافت أن بعض هذه الادعاءات، لم تتوقف على إسرائيل فقط، وإنما أكد عليها واحد من أكبر الكتاب الصحافيين في مصر خلال تلك الحقبة، وهو محمد حسنين هيكل الذي قال في إحدى حلقات برنامجه «مع هيكل»: «جواسيس مصر الذين لهم قيمة عالية في إسرائيل هم موجودون فعلًا لكن في المسلسلات فقط»، نافيًا وجود «جاسوس مصري واحد له القيمة في إسرائيل، سوى الجواسيس في المسلسلات وجواسيس الخيال».

شهادات ضباط مصريين و«محاضر النكسة» تؤكد ولاء رفعت الجمال

في المقابل، تتناقض تصريحات هيكل والصحف الإسرائيلية مع حديث نجيب فريد، أمين عام رئاسة الجمهورية في عهد عبد الناصر، عن تلقي القيادة المصرية موعد هجوم النكسة من المخابرات المصرية،وبحكم وظيفة الرجل كان فريد يحضر اجتماعات الرئيس عبد الناصر، وسجلها في كتاب له. 

وقال فريد، مؤلف كتاب «من محاضر اجتماعات عبد الناصر العربية والدولية 1967-1970»: «الحرب حددها عبد الناصر في 5 يونيو، وقال عبد الناصر في جلسات سياسية أنه يتوقع بناءً على المعلومات التي لديه إن إسرائيل ستبدأ الهجوم في 5 يونيو 1967».

وأرجع فريد مصدر هذه المعلومات إلى المخابرات العامة عندما لفت: «كان هناك معلومات كثيرة وجيدة من المخابرات العامة»، بشأن الحرب.

«إسرائيل لا تحتمل هزيمة وفضيحة رفعت الجمال وتحاول التشكيك فيها.. لا يمكن أن تعترف بأن جاسوسًا مصريًّا عاش بينهم 20 سنة، فلا يوجد جهاز مخابرات يمكن أن يعترف بذلك». *ضابط المخابرات المصري محمد نسيم

كذلك، قال موشيه ديان إن المصريين كانوا يملكون مصدرًا استخباراتيًّا رفيع المستوى في الجيش حدد موعد الحرب بين 3 و6 يونيو 1967، وهو ما أكده حسن التهامي، نائب السادات السابق، وموشيه ديان، وزير الخارجية الإسرائيلي، بحسب «هآرتس».

تشير أيضًا بعض التحليلات الاستخباراتية الإسرائيلية إلى دور رفعت الجمال في القبض على إيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الأشهر، والذي انخرط في نخبة المجتمع السوري ليكشف معلومات عسكرية حساسة للإسرائيليين. وتوقع ضباط استخبارات إسرائيليين أن يكون هذا أحد احتمالين لسبب القبض عليه، بحسب صحيفة «هآرتس».

على جانب آخر، نفى ضابط المخابرات المصري البارز محمد نسيم – الذي تولى تدريب رفعت الجمال – ادعاءات التشكيك في العمالة المزدوجة لإسرائيل وجاء هذا في حوار صحافي بعد نشر صحيفة «معاريف» الإسرائيلية» تقريرًا يشكك في عمالة رفعت.

قال نسيم: «تتحرك إسرائيل كرد فعل لما أحدثه نشر قصة رأفت الهجان، ذلك البطل المصري الرفيع الكفاءة والمستوى، الذي عاش في إسرائيل 20 سنة دون أن تعرف إلا بعد أذاعت المخابرات المصرية القصة بنفسها، ولو كان الهجان عميلًا مزدوجًا كما يدعون، فلماذا ظل في إسرائيل؟، لماذا لم ينتقل للإقامة في مصر أو في إحدى الدول العربية؟، كيف يكون عميلًا للموساد وهو يعيش فى إسرائيل؟».

وأضاف: «هذه الأسئلة لن تجرؤ إسرائيل على الإجابة عنها، ليست عادة المخابرات الإسرائيلية هذا الانتظار الطويل قبل كشف العملاء المزدوجين».

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
من هو العميل المزدوج الذي كرّمه هتلر بعد أن خدع النازيين؟

وهو نفي أكده اللواء المتقاعد محمد رشاد، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس إدارة الاستخبارات وكان يشرف مباشرة على رفعت في الفترة بين عامي 1967 و1973 الذي، ونفى تمامًا عمل رفعت مع الموساد، وقال في تصريحات صحافية عام 2017، إن التقارير الإسرائيلية مضللة تمامًا، مضيفًا أنها أصبحت عادة الموساد نشر تقارير مشككة، كجزء من الجهود الدعائية لجهاز مخابرات وإظهاره ذكيًا دائمًا.

التشكيك أيضًا للادعاء الإسرائيلي ظهر في تعاملهم مع أسرة بيتون بعد وفاته، فقد حذر مسؤولون إسرائيليون أسرته من أنه «لا ينبغي لهم السفر إلى إسرائيل أبدًا»، بحسب ما قال ابنه دانييل في ظهور تلفزيوني.

المصادر

تحميل المزيد