تحمل قرارت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمنع مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة من دخول الولايات المتحدة بحجة الحد من تدفق الإرهاب؛ بذور فتنة دينية وطائفية بين الأقليات المسيحية والمسلمين في تلك البلاد. فقرار استثنائه للاجئين المسيحيين من المنع، قد يدفع اللاجئين الهاربين من مناطق الحروب إلى اعتناق المسيحية بهدف الحصول على فرصة لجوء.

ولم يكن قرار ترامب الأول من نوعه، فسبق وأعلنت دول أوروبية أنها ترحب باللاجئين المسيحيين على وجه التحديد، وهو ما دفع إلى اعتناق العديد من اللاجئين للديانة المسيحية بهدف تسهيل الحصول على الهجرة، كما أدت المنظمات الخيرية المسيحية والكنائس دورًا في استغلال موقف اللاجئين والضغط عليهم من أجل التحوّل للمسيحية.

كارثة التمييز

بعد بضع ساعات فقط من توقيع ترامب على قرار المنع الفوري لدخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة، وصلت عائلة «العسالي» السورية إلى مطار فيلادلفيا الدولي، لتفاجأ مباشرة بطلب موظفي المطار منها العودة في الرحلة التالية إلى الشرق الأوسط.

كانت صدمة هذه العائلة كبيرة، وذلك لكونها عائلة مسيحية أرثوذكسية أمنت أن قرار ترامب لن يشملها، فهو من قال إنه سيمضي بـ«مساعدة اللاجئين المسيحيين الوافدين من الشرق الأوسط الذين كانوا يُمنعون من دخول الولايات المتحدة»، وقد حصلت العسالي في ديسمبر (كانون الأول) 2016 على الموافقة على طلب الهجرة والالتحاق بأقارب من الدرجة الأولى لها مقيمين في مدينة «آلن تاون» منذ عشرين عامًا، كما أنه لم ينجح المحامي الأمريكي «جوزيف هوهنستاين» بإدخال أفراد العائلة إلى آلن تاون، إذ رُفض الطلب الذي تقدم به، وفشلت الحملة التي دشنها كل من محامي الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في ولاية بنسلفانيا، ومنظمة هياس بنسلفانيا، وجمعية محاميي الهجرة الأمريكية في فيلادلفيا، في تحقيق أهدافها بإعادة الأسرة، وعن ذلك يقول أحد المحامين في القضية، يُدعى جوناثان جرود، إن «تلك العائلة المسكينة باعت كل شيء لتؤمِّن مصاريف هذه الرحلة، والآن خسرت كل شيء. إن نجحوا في القدوم إلى هنا لن يكون معهم أي أموال».

توجهنا بالحديث إلى المدير التنفيذي لـ«منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» بسام الأحمد، ليصف لنا ما حدث بأنه «كارثة تمييز ضد المسلمين، وقرار سيء لم يستثنِ المسيحيين كما أشيع»، بعد أن اتضح أن المسيحيين منعوا من الدخول للولايات المتحدة مستشهدًا بقضية عائلة العسالي. ويرى الأحمد أن القرار له تأثير سلبي كبير على آلاف اللاجئين والطلبة في الولايات المتحدة، التي تشمل العديد من المؤسسات الدولية: «القرار الذي يبدو أنه يستهدف المسلمين في البلدان المذكورة يميز بين المواطنين الأمريكيين لخلفياتهم الدينية بحجة منع العمليات الإرهابية، وليس مبررًا منطقيًّا أن يُعاقب ملايين الناس بسبب الخوف من بعض الأشخاص»، على حد قوله.

هذه السياسة الخاصة بمنع اللاجئين ربما تكون مقبولة لدى اليمين المتطرف في الغرب، إلا أن الأحزاب الديمقراطية لن تقبل بمثل هذا القرار، ويظهر ذلك في مواقف المؤسسات الحقوقية التي سارعت بالتحرك القانوني والشعبي لمواجهة الأمر.

استنهاض الروح العنصرية

بتصريحات ترامب، لعله أراد تسويق سياساته على أنها تقبل الأقربين لها ولمشروعه، وتُقصي الآخرين، وهو ما قد يستنهض روح العنصرية والتفرقة على أساس ديني، وهو توظيف للدين في السياسة قد يدفع نحو تأجيج عنف الجماعات المسلحة المتطرفة.

ما السبب في ذلك؟ يرى المحلل السياسي عبدالعزيز عجيني، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن ترامب يعمل على إعادة هاجس الأمن القومي لدى الأمريكيين ليسهل عليه تمرير قرارات لاحقة قد تكون أهم بكثير من منع المهاجرين، ومن هنا قد يتضح توظيفه للدين في أمور سياسية، «فالخطوة الأخيرة توصل رسالة إلى العالم أن أمريكا لم تعد كما كانت وستكون مصالحها فوق أي اعتبار للقيم الديمقراطية والتسامح الديني الذي عرفت به لعقود إن لم يكن لقرون»، أو كما قال.

يُرى ذلك أيضًا في تسويق ترامب لمشروعه عبر إعلانه تسهيلات لهجرة المسيحيين فقط، فيما يبدو أنها محاولة لإلهاب مشاعر قوى اليمين المسيحي في الولايات المتحدة للوقوف خلفه. ويُساعد ترامب في مشروعه ما وصلت إليه الأوضاع في سوريا من «فرز طائفي وديني» بتعبير عجيني.

ولكن ماذا عن اعتناق لاجئين للمسيحية فقط في سبيل الهجرة؟ يعتقد عبدالعزيز عجيني أن تلك الحالات يُمكن تفسيرها في سياق اليأس الذي وصل إليه هؤلاء بسبب الاضطرابات والحروب.

خدمة للمتطرفين المسيحيين

هل إفراغ الشرق من المسيحيين يخدم الفكر المسيحي والسلام في الولايات المتحدة؟ طرحت «ساسة بوست» هذا التساؤل على المحلل السياسي السوري جميل عمار، الذي أجاب بدايةً بتوضيح أن نشوء حركات التطرف في العادة يكون ردّةَ فعل، ومن هنا ما يُسمّى بـ«الإرهاب الإسلامي المتطرف»، الذي يُعلن الغرب في العادة تخوفهم منه، في حين أن جُملةً من السياسات، على رأسها ما يأتي به ترامب، تدفع في اتجاه مزيد من التطرف باعتباره ردَّ فعل.

من جانبه، يرى الأب جورج مسوح السوري أن استثناء ترامب للمسيحيين من قرار حظر دخول الولايات المتحدة، هو تأكيد على اعتبراهم «أقليّات» يجب حمايتهم، لكن التناقض يكمن في حربه الضروس ضد الأقليات داخل بلاده؛ «إذًا المسألة ليست مسألة أقليات، أو مستقبل المسيحية والمسيحيين في الشرق، وإنما مصالح أمريكية»، وفقًا للأب جورج مسوح.

يُنهي مسوح مقالته التي عنونها بـ«سيد ترامب.. روح خيّط بغير هالمسلّة»، بقوله: «المسيحيّون السوريّون لا يريدون من السيّد ترامب أن يعاملهم بصفتهم مسيحيّين سوريّين، بل بصفتهم مواطنين سوريّين».

الولايات المتحدة ليست الأولى

تناولت قبل أيام صحيفة التيليجراف البريطانية حكاية السوري المسلم إبراهيم علي (57 عامًا) الذي اعتنق المسيحية في لبنان بعد أن ساءت أحواله المالية. ونقلت الصحيفة عن علي قوله إن الكثيرين يتحولون إلى المسيحية ليذهبوا إلى أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية. أما إبراهيم علي فقد اعتنق المسيحية ليبقى في لبنان!

لم يكن علي الحالة الوحيدة التي تحولت للمسيحية في لبنان، ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأولى التي ترتبط فيها إمكانية الهجرة بالديانة المسيحية، ففي لبنان هناك الكنائس التي تفتح أبوابها للاجئين بالمأوى والطعام مقابل اعتناق المسيحية. يقول إبراهيم علي: «كل الذين يحضرون هذه الدروس من المسلمين. معظمهم لاجؤون سوريون وعراقيون. لم أر في حياتي من قبل شيئاً كهذا: مسلمون يرددون ترانيم عن المسيح».

هذا وقد سبق أن ربطت دول أوربية مثل التشيك وسلوفاكيا وبولندا إمكانية اللجوء بالديانة، ويساعد القساوسة في هذه البلاد اللاجئين على التحول للمسيحية ويساعدونهم في طلبات اللجوء، فـ«لاجئون من العراق وسوريا وأفغانستان وإيران بدأوا يعتنقون البروتستانية خلال السنة الأخيرة، ولا يتعلق الأمر فقط بأفراد بل أحيانا بعائلات كاملة في مدن مثل هامبروغ واستوتغارت»، وفقًا لصحيفة لوموند الفرنسية.

ودفع ذلك العديد لاعتناق المسيحية بغرض اللجوء إلى أوروبا وأمريكا وكندا، فطلبات اللجوء أكثر قبولًا لمن ترك الإسلام بحجة سهولة تعرضه للاضطهاد في الشرق الأوسط. وتذكر صحيفة «دايلي ميل» البريطانية أن القس مارتينز أكد تضاعف مجموعته من 150 شخصًا إلى أكثر من 600 خلال عامين فقط، بفضل اللاجئين الجدد، وتؤكد صحيفة وول ستريت جورنال على أن بعض المهاجرين من المسلمين يعتنقون الديانة المسيحية لاعتقادهم أنها تمنحهم حظوظًا أكبر للحصول على بطاقة اللاجئ، وهو ما أكد عليه قساوسة أشاروا إلى ارتفاع نسب دخول الدين المسيحي خلال السنوات الأخيرة.

وتؤدي الكنائس -خاصة البروتستانتية منها- دورًا كبيرًا في التشجيع على تحول اللاجئين عن دينهم، حيث تقدّم الكنائس دروسًا عن المسيحية للاجئين بلغاتهم الأصلية، ويخضع من يريد التحول للمسيحية لمرحلة تحضيرية تمتد لأشهر، وعلى سبيل المثال، تشهد النمسا ارتفاعًا في عدد طالبي اللجوء الذين يقومون بالتحول إلى المسيحية، إذ تؤكد صحيفة كورير على تلقي كنيسة أبرشية فيينا، خلال الأسبوع الواحد، ما بين خمسة إلى 10 طلبات تعميد. وخلال عام 2015 مثلت طلبات التعميد المقدمة من قبل اللاجئين المسلمين 33% من إجمالي الطلبات، وفي العام الجاري مثلت 83% من إجمالي الطلبات.

وتؤكد دراسة أعدتها جامعة «سانت ماري» الأمريكية في عام 2015 وصول عدد المتحولين للديانة المسيحية في العالم بين عامي 1960 و2015 إلى حوالي 10.2 مليون نسمة. وتظهر الدراسة المعنونة بـ«المؤمنون بالمسيح من خلفية مسلمة» أن «معظم التحولات حصلت لدى أناس آتين من بلدان تمزقها الحروب أو بعد تصاعد التطرّف الإسلامي فيها». ويشار هنا إلى أن معظم الأرقام التي جُمعت تعود إلى ما قبل الحرب التي شهدتها سوريا، وهذا ما يجعل التحولات السورية غير ملحوظة فيها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد