في الصحراء، يقوم المهربون بوضع طبقة من البنزين فوق ماء الشرب حتى لا يبتلعه المهاجرون غير الشرعيين أثناء تهريبهم فيحملونهم بتكلفة إضافية. وأحيانًا تتعطل الشاحنة التي تقلهم وهي تعبر الصحراء، فيضطرون للترجل منها ودفعها، وبعضهم يُترك في الصحراء عند مواصلة الشاحنة رحلتها. وفي مخيمات العبور في ليبيا، وقبل بدء المغامرات المحفوفة بالمخاطر، يمارس هؤلاء المهاجرون كرة القدم ويتعاركون ويجمعون مواردهم الضئيلة حتى يستفيد منها من هم أكثر فقرًا. يقول أحدهم إن الدلافين أحاطت بقاربه الخشبي الصغير أثناء رحلتهم، ثلاثة على كل جانب، وكأنهم حراس لهم، وهذا ما منحه بعض الأمل.

هؤلاء هم من نتركهم يغرقون في البحر المتوسط. فسياسة الأمر الواقع التي يتبعها الاتحاد الأوروبي تقضي بترك المهاجرين غير الشرعيين يغرقون حتى يرتدع غيرهم عن اتخاذ نفس السبيل. في العام المنصرم، جرى انتشال نحو 4000 جثة من المتوسط. وقد ارتفع عدد الواصلين إلى إيطاليا إلى ما يزيد على 300% في العام السابق له، ليصل إلى أكثر من 170000 مهاجر. وكان رد الاتحاد الأوروبي، تقوده أكثر الحكومات البريطانية وحشية عرفتها الذاكرة، هو وقف عملية الإنقاذ الرئيسية، مير نوستروم.

كانت النتيجة المحتومة هي موت 500 شخص في العام الحالي. وفي نفس هذه الفترة من العام الماضي كان عدد من قُتلوا هو 15. ثمة نصف مليون شخص في ليبيا بانتظار العبور، فإلى أي حد سنتحمل عداد الموتى؟

تمثل الهجرة إحدى العلامات المميزة للحياة الحديثة، وهي كالسُم في العسل. فمثل الطائرات بدون طيار ومشتقاتها، تسمح سياسة الهجرة بإلحاق الأذى بالضعفاء دون أن تلوث يديها. جيمس بروكنشاير، الوزير الذي دافع عن إلغاء عملية مير نوستروم بزعم أنها تشجع الهجرة، ليس مضطرًا بأن يسمح للوفيات التي ساهمت قراراته في حدوثها بإفساد وجبات غدائه مع جماعات الضغط، فهو لا يتأثر بذلك.

لكن ذلك يؤثر علينا. نحن الآن مجتمع منكمش ومتضائل، وممتلئ بالشك وعدم الثقة في الآخرين، ونكافح الوحدة والشعور بالاغتراب. ونتنفس دخان الكراهية السام اتجاه المهاجرين الذي ينفثه كل من نيغيل فاراج وكاتي هوبكنز، وهذا يُنقص من آدميتنا.

لننسَ حقيقة أن هذا المجتمع لن تقوم له قائمة بدون المهاجرين، وألا أحد آخر سيشتري لك الخضراوات ويعد لك القهوة ويستيقظ في الرابعة صباحًا لينظف لك مكتبك. لننسَ المساهمة الهائلة في الضرائب التي يقوم بها المهاجرون لصالح خزانة الدولة. لا يتعلق الأمر بالاقتصاد، ولكن حتى ما يعتبر من إيجابيات الهجرة تحركه الأرقام والأموال. يتعلق الأمر بشيئين: الرحمة والمسئولية.

تركز مسرحية لامبدوسا، التي يجري عرضها الآن في مسرح سوهو، على النهاية المأساوية للتقشف في أوروبا. ستيفانو هو من خفر السواحل، الذي تتمثل وظيفته في اصطياد جثث المهاجرين من البحر، أما دينيس، فهو جامع قروض لإحدى الشركات. هما ليسا ليبراليين، ولا يحبان الأشخاص الذين يتعاملان معهم. وكما يقول ستيفانو: “تحاول أن تبقيهم على مسافة معقولة منك. ثمة الكثير جدًا منهم، وهذا يجعلك تفكر في الظروف التي تجعلني أسير في هذه الشوارع، بينما لا يسير فيها هو. حيث تصبح الأرض محيطًا تحت قدميك”.

ولكن في نهاية المطاف، يظهر التأثير الإنساني لما يفعلونه. وفي صراعاتهم اللاحقة، فإن كلًّا من ستيفانو ودينيس يتلقيان عونًا عبر صداقة، على تقلبها والشك الذي يحيط بها، جمعتهما مع شخص كانا يظنانه عبئًا من قبل. هذه الرحمة ليست شعورًا متعاليًا تجاه شخص أقل منزلة منك، وإنما ضرورة حتمية لتواصل البشر مع بعضهم البعض. هنا حيث تقف السياسة الفاسدة في القرن الحادي والعشرين. إن الأقوياء لا يكترثون أبدًا، لذا ليس لنا سوى بعضنا البعض.

ولكن ما يوازي ذلك في الأهمية هو تحمل المسئولية. في خضم كل هذا الغضب المنصب على الهجرة، ثمة شيء واحد لم يخضع للمناقشة من قبل: ما فعلناه حتى نتسبب في ظهور الهجرة غير الشرعية. يكشف تقرير نشره الاتحاد الدولي للصحفيين المحققين أن البنك الدولي تسبب في نزوح حوالي 3.4 مليون شخص خلال السنوات الخمسة الماضية. فعبر تمويل عمليات الخصخصة، والاستيلاء على الأراضي والسدود، ودعم الشركات والحكومات المتهمة بالاغتصاب والقتل والتعذيب، وعبر ضخ خمسين مليار دولار في مشاريع مصنفة بأنها ذات تأثيرات خطيرة جدًا على المجتمع، ساهم البنك الدولي بشكل هائل في تدفق الفقراء من جميع أنحاء العالم. إن الشيء الوحيد العظيم الذي يمكننا القيام به لوقف تدفق الهجرة غير الشرعية هو القضاء على مافيا التنمية، التي تتمثل في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية.

يأتي بعد ذلك مباشرة وقف قصف الشرق الأوسط. لقد دمر الغرب البنية التحتية في ليبيا دون أدنى فكرة عن البديل. كان البديل هو دولة بها فراغ سياسي يديرها أمراء الحرب، وقد أضحت مركزًا لتهريب البشر عبر البحر المتوسط. كما ندعم نظام السيسي في مصر، الذي يعمل على القضاء على الربيع العربي، ويقمع الإسلاميين ويعمل على خصخصة البنية التحتية بثمن بخس، وهو ما يدفع أعدادًا هائلة من الناس إلى ركوب القوارب. فما فعلناه سابقًا في الصومال وسوريا والعراق يعني أن مواطني تلك الدول هم على رأس قائمة المهاجرين.

بالطبع، ليس الغرب هو السبب الوحيد في الهجرة غير الشرعية. ولكن دعونا نتناقش حول دور الغرب في ذلك، وعن ارتفاع متوسط أعمار السكان ونقص المهارات لدينا، وما سيواكب ذلك من اتساع نطاق الخدمات العامة إن سمحنا بوجود المهاجرين (سنحتاج إلى جمع المال للوفاء بالطلب المتزايد، وأوضح وأعدل طريقة للقيام بذلك هو بزيادة الضرائب على الأغنياء).

إن الهجرة موضوع معقد، ولكن دعونا لا نكون جبناء ونتظاهر بأن الهجرة غير الشرعية ستتوقف، لأنها لن تتوقف أبدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد