في الوقت الذي فيه يتواصل الاقتتال الضاري في ليبيا، يضطر مزيدا من الليبيين إلى النزوح خارج حدود البلاد نحو الجارة تونس، ولا توجد حتى الآن إحصائيات دقيقة توثق أعداد اللاجئين من ليبيا.

«هربت على عجل من طرابلس في يوليو (تموز). كنت أتولى العلاج في كتائب الزنتان التي تدافع عن مطار طرابلس من هجمات ميليشيات مصراتة وسوق الجمعة، والآن أنا مطلوبة من ميليشيات مصراتة. أنا طبيبة أسنان ولا أستطيع العمل؛ لأني لا أملك وثائق إقامة. إنني أعيش في خوفٍ من أن تطردني الشرطة من شقتي مع أطفالي»، هكذا تحدثت إحدى اللاجئات الليبيات في تونس لـ«فرانس24».

ربما تكون أخبار اللاجئين السوريين في وسائل الإعلام، قد غطت على قصص باقي النازحين أصحاب الجنسيات الأخرى. لكنهم حتمًا ليسوا الوحيدين في هذا الأمر.

اضطر مئات الآلاف من الليبيين إلى النزوح عن بلدهم منذ اندلاع ثورة 17 فبراير 2011، ولم يتوقف نزوح الليبيين بعد الإطاحة بنظام القذافي، مذ أن تحولت حرب الثوار إلى حرب أهلية لا تزال مندلعةً إلى الآن، تدفع المزيد من الناس هناك نحو الهرب بأرواحهم.

تونس تستضيف اللاجئين الليبيين

في الوقت الذي يتواصل فيه الاقتتال الضاري في ليبيا، يضطر مزيد من الليبيين إلى النزوح خارج حدود البلاد نحو الجارة تونس. ولا توجد حتى الآن إحصائيات دقيقة توثق أعداد اللاجئين من ليبيا.


بيد أن الحكومة التونسية تقول إنها تستقبل أكثر من مليون ليبي نازح. أما المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، فقد سجلت 27 ألفًا و948 نازح ليبي، علمًا بأن معظم الليبيين لا يفضلون تسجيل أنفسهم كلاجئين في تونس، تجنبًا للتضييق على حرية تنقلهم إلى بلدان أوروبية فيما بعد.

وإذا كانت صورة اللاجئ عمومًا ترتبط بحياة الخيام والكفاف، فإن الأمر ليس كذلك مع اللاجئين الليبيين في تونس، حيث يستقرون بالمراكز الحضرية شمال البلاد، ويعيشون حياة أقرب إلى السياح، أما الفقراء منهم فيسكنون الأطراف الجنوبية.

وكما جاء على لسان الرئيس التونسي، القائد الباجي السبسي، فقد أنفقت تونس 5.7 مليار دولار لفائدة النازحين الليبيين منذ بداية الأزمة، إذ عملت السلطات على بناء مخيمات لجوء بالمناطق الحدودية. وبنفس حسّ الضيافة، استقبل المجتمع التونسي، النازحين الليبيين بين مساكنهم.

ولم يكن نزوح الجزء الأكبر من اللاجئين الليبيين نحو تونس غريبًا، على الرغم من أن الأخيرة ليست البلد الوحيد الذي يجاور ليبيا، حيث هُناك أيضًا مصر وكذا والجزائر، إلا أن تفضيل النازح الليبي لتونس راجع بالأساس إلى علاقات البلدين الوطيدة، حتى قبل انهيار نظام القذافي؛ إذ تجمع العديد منهم علاقات مصاهرة وقرابة، كما أنه لطالما كانت تونس الوجهة المفضلة للسياح الليبيين والمستثمرين على اتفاقية 1973م الموقعة بين البلدين، والتي تسمح لهم، من حيث المبدأ، بالدخول والعمل والحركة في تونس، بحرية أفضل مقارنة مع الجزائر ومصر.

التونسيون سئموا من اللاجئين الليبيين

على غرار ما حدث في ألمانيا التي استقبلت السوريون بحفاوة أول الأمر، نفس الشأن حدث مع تونس التي لم تعد تخفي قلقها من تضخم أعداد النازحين الليبيين، وتداعيات الأمر السلبية على المواطنين التونسيين.


وأصبحت الصحافة التونسية تركز على رصد الجرائم التي يقوم بها بعض النازحين الليبيين، وكانت حادثتيْ صفع سائق ليبي لرجل أمن تونسي، ورمي ليبيين لفتاتين تونسيتين من إحدى نوافذ شقة في حي النصر الثري بالعاصمة بعد سهرة ليلية؛ أثارتا جدلا واسعًا في الوسط المجتمعي التونسي، حول مدى قبول سمعة الليبيين اللاجئين بوطنهم.

ويحمل التونسيون اللائمة في ارتفاع أسعار السكن على الفئة الغنية من النازحين الليبيين، حيث يطلب ملاك العقارات أثمنة عالية، ظنًا منهم أن جميع اللاجئين الليبيين أثرياء.

أما الليبيون الأقل ثراءً أو غير المتزوجين، فيجدون صعوبة في تأجير سكن يشرح الأمر أحد اللاجئين، وفقًا لفرانس24، إذ يقول: «حاولت استئجار شقة، لكنني كنت أواجه دائما بالرفض، فهناك اعتقاد سائد بين الملاك أننا سنستخدم عقاراتهم لتنظيم سهرات ماجنة تحضرها الخمرة والنساء»، كما يشكو اللاجئون أيضًا من عدم فتح المدارس العمومية التونسية أمام أبنائهم، ما يجعلهم يتوجهون إلى المدارس الخصوصية التي تكلفهم مبالغ طائلة.

لكن هذه الانتكاسة في ضيافة الليبيين لا تقتصر فقط على المجتمع المدني، بل إن الحكومة التونسية تصرح علانية بأنها «لم تعد قادرة على تحمل أعباء اقتصادية لمزيد من اللاجئين الليبيين»، مطالبةً المجتمع الدولي بتقديم المزيد من المساعدات المالية لاستيعاب حاجيات النازحين لديها، بخاصة وأن النازحين الليبيين صاروا يمثلون، حسب إحصاءات وزارة الداخلية، عُشر سكان تونس البالغ عددهم 11 مليون، والذين يستفيدون هم أيضًا من استهلاك المواد المدعمة من طرف الدولة كالوقود.

وسبق لوزير الخارجية التونسي، منجي حامدي، أن طلب من السلطات الليبية خفض أسعار واردات تونس من النفط الليبي، مشيرًا إلى أنه «من غير المعقول أن نشتري النفط الليبي بأسعار السوق كي يقوم الليبيون باستخدامه بعد أن تدعم الحكومة أسعاره».

وتخشى تونس من انتقال عناصر متطرفة متخفية مع النازحين الليبيين، قد تضر بأمنها الداخلي. الهاجس الأمني الذي جعلها مؤخرًا تبني جدارًا حدوديًا مع ليبيا، إلا أن المعابر الحدودية لا تزال تفتح بين حين والآخر.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن تدفق النازحين الليبيين إلى تونس، ساهم في إنعاش الفنادق والمطاعم والمستشفيات والمدارس الخاصة وتجارة العقارات، ما يضخ سنويًا مليارات الدولارات في الاقتصاد التونسي، بحسب تقرير لمجلة «جون أفريك».

لاجئون ليبيون يختارون ركوب الأمواج

بينما يتوافد النازحون الليبيون نحو المعبر الحدودي لراس جدير التونسي، يغامر آخرون بركوب البحر أملا في الوصول إلى الضفة الأخرى نحو أوروبا، حيث تدفع الحرب الأهلية في ليبيا الآلاف إلى مغادرتها نحو شواطئ إيطاليا واليونان.

وقد شهدت شواطئ ليبيا قبالة سواحل منطقة «زوارة» أسوأ حوادث غرق المهاجرين العام الماضي، حيث ابتلعت الأمواج المئات منهم، كان أبرزها فاجعة غرق 400 مهاجر تحت الأمواج، دون إغفال نجاة الآلاف من الموت بعدما أنقذتهم البحرية الإيطالية والألمانية هناك قبالة البحر الأبيض المتوسط.


وفي ذات السياق، أصبحت ليبيا نقطة انطلاق نحو أوروبا، ليس فقط بالنسبة للفارين من الحرب من الليبيين، وإنما أيضًا لمهاجرين سريين ولاجئين من جنسيات مختلفة، بعد أن شُددت الرقابة في تركيا واليونان.

وذكرت صحيفة «فيلت آم زونتاج» الألمانية في تقرير لها الأسبوع الماضي، أن «أجهزة استخبارات من دول مختلفة لاحظت أن ما بين 150 إلى 200 ألف لاجئ موجودون على الساحل الليبي، في انتظار تحسن ظروف الطقس للتوجه إلى أوروبا عبر المتوسط».

لكن عمومًا، استقر معظم النازحين الليبيين في تونس، أما الأثرياء منهم، ولا سيما المتورطون منهم في الحرب، فيختارون المرور بتونس، ثم السفر نحو أوروبا؛ دفعًا للشبهات.

ومن الطريف أن معظم اللاجئين الليبيين في تونس، يترحمون على ذهاب نظام القذافي! هذا ما أوردته جريدة «لوموند» في تقرير لها. على سبيل المثال ذكرت الصحيفة، أنه في مدرسة «جميلة» بمنطقة موتولفيل بتونس، وهي واحدة من خمس مدارس افتتحتها السلطات الليبية الجديدة، يرفض معظم طلابها غناء النشيد الوطني الليبي الجديد، ويشيحون برؤوسهم بعيدًا عن لافتة «17 فبراير»، التي أطاحت بنظام القذافي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد