أنا أعمل بأحد فروع الصليب الأحمر الألماني، ووجدت أن كثيرًا من المغاربة والجزائريين واللبنانيين والعراقيين، وأحيانا من مصر، يدعون أنهم سوريون، وفي حادث طريف طلبت أوراق أحدهم وكان يبدو مغربيًّا فوجدت بالأوراق أنه سوري، فقلت له: من وين أخا العرب؟ قال من حلب، سألته: أكيد؟ قال نعم، وشو هي أشهر أكلة بحلب؟ لم يرد على السؤال، فأجبته أكيد كسكس!- أحد شهود العيان معلقا حول موضوع مرتبط بقضية اللاجئين المنتحلين وفق ما نشره أحد التحقيقات الإخبارية (1).

كان هذا الأمر أحد تداعيات الأزمة السورية، التي لم تصنع فقط لاجئين سوريين، وإنما شكلت تذكرة لكثير من المهاجرين ذوي الجنسيات المختلفة، للوصول إلى أوروبا بغرض تحقيق حياة أفضل.

من أنت؟ أنا مغربي لاجئ سوري !

مرحبا يا أصدقاء، من لديه أسئلة متعلقة بالطرق والمراحل والإجراءات المتخذة للوصول إلى ألمانيا لاجئًا، سأشرح له الآن”. كان هذا منشورا لأحد الناشطين على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، يقول إنه استطاع الوصول إلى ألمانيا قبل فترة قريبة منتحلا صفة لاجئ سوري، وقد أنشأ صفحة على الشبكة الاجتماعية بعنوان “لاجئين مغاربة في ألمانيا، يقول إنه يريد من خلالها مساعدة الذين يرغبون بالهجرة بصفتهم لاجئين انطلاقا من تجربته، كانت هذه الصفحة فقط واحدة من بين العديد من الصفحات التي رصدناها خلال بحثنا ارتباطًا بهذا الشأن.

شباب مغاربة وجزائريون وتونسيون بلغ بهم اليأس والإحباط من الأوضاع الهشة التي يعيشونها إلى المخاطرة بركوب قوارب الموت، منتحلين دور السوريين، الذين فروا بجلودهم من الحرب المجنونة المستعرة ببلاد الشام، يحدوهم الأمل بالوصول إلى “الفردوس المفقود” بحثا عن غد أفضل.

مغاربة منتحلون صفة لاجئين للعبور نحو اليونان
https://youtu.be/t3BR-VW73Sg

الأمر لا يقتصر على الشباب المغاربي حصرًا، بل هناك أيضًا لبنانيون وباكستانيون وإيرانيون وأفغان وألبان ومن كوسوفو، وأيضًا مصريون وآخرون من بلدان إفريقية، جميعهم عقدوا العزم على امتطاء موجة اللاجئين السوريين والعراقيين نحو بلاد “ميركل”، معظمهم فعل ذلك هربا من الفقر والبطالة في بلدانهم، وآخرون غير محتاجين لكنهم اختاروا ذلك لمجرد المغامرة بحثا عن حياة أفضل، وبعضهم استغل ركب اللاجئين كطريقة للتملص من الاعتقال.

تقول الحكومة الألمانية في تقديرات لها، إن نسبة الذين يسجلون أسماءهم للحصول على اللجوء في ألمانيا على اعتبار أنهم سوريون بينما هم غير سوريين تقدر بـ%30 (2)، لكن تقارير إعلامية متطابقة تنقل عن مراقبين ميدانيين بمراكز استقبال اللاجئين بألمانيا، بأن النسبة لا تقل عن النصف.

تقمص شخصية اللاجئ السوري «كود» نجاح الهجرة

لقد أصبح فجأة كل ما هو سوري مهمًا بالنسبة للمهاجرين المنتحلين، بدءًا من النشيد الرسمي السوري، ومدن الشام وأكلاتها المشهورة، فضلا عن اللهجة السورية، كل ذلك يدخل ضمن الاستعدادات اللازمة التي يقومون بها قبل الشروع في الرحلة المحفوفة بالمخاطر.

يعلم جيدا هؤلاء المهاجرون أن للسوريين الألولوية في قبول طلبات لجوئهم لدى البلدان الأوروبية المستضيفة، ومن ثمة يتقمصون شخصية “لاجئ سوري” استعدادًا لأي اختبار قد يواجهونه أمام السلطات، تجنبا للفضح الذي قد يعني ترحيلهم وبالتالي نهاية حلمهم.

وبما أن السلطات في ألمانيا بالتحديد لا تدقق كثيرًا في مسألة حقيقة طالب اللجوء فيما إذا كان سوريا حقا أم لا، ينجح الكثير من المهاجرين بالحصول على صفة “لاجئ” هناك، والقضاة الألمان المكلفون بفرز طلبات اللجوء يعلمون هذا الأمر، لكنهم يتساهلون في قبول معظم الطلبات باعتبار أن القضية الإنسانية متعلقة بالهاربين من المجاعات والاضطهاد والفقر أيضًا، وليس فقط مرتبطة بالفارين من الحروب.

لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، فبعضهم ينتهي به المطاف مكشوفا حتى قبل وصوله للبلد المقصود، كما حدث في بداية نوفمبر الماضي، حيث قامت السلطات التركية بترحيل 40 مغربيًّا اشتبهت بكونهم جهاديين قبل أن يتبين أنهم مجرد مهاجرين يحاولون العبور مع اللاجئين السوريين، وحدث نفس الأمر مع 8 آخرين قبل أسبوع، بيد أن بعضهم قد تكون نهايته أكثر مأساوية، مثلما حصل أول أمس الجمعة مع مواطن مغربي لقي حتفه إثر مصادمات بين قوات الشرطة وآلاف اللاجئين بالحدود المقدونية (3).

جوازات سفر سورية للجميع !

مصائب قوم عند قوم فوائد، هذا ما يصدق على “مافيات” تهريب البشر وبيع جوازات السفر المزورة، التي وجدت سوقا غير منتظر يبيض ذهبًا، بعد الإقبال الكثيف من جنسيات مختلفة للحصول على جواز سفر سوري مزيف لعبور الصراط به إلى أوروبا.

أعلن مدير الهيئة الأوروبية لمراقبة الحدود، فاربيس ليجيري؛ في وقت سابق أن هناك عصابات لتزوير جوازات السفر السورية تنشط بتركيا لتسهيل دخول المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي (4)، وتضم هذه الشبكات مصممين ومحترفين في التزوير على استعداد لمنح أي شخص جوازًا سوريًّا بالمعلومات التي
يريدها طالما سيقدم المال، يتراوح المبلغ بين 1300 دولار إلى 4000 دولار.

وفي تحقيق سالف حول السوق السوداء لجوازات السفر السورية المزورة، نشرته الواشنطن بوست الأيام الأخيرة، كشفت فيه أن هناك “مافيات” تعمل على سرقة جوازات السفر من اللاجئين السوريين، قصد بيعها بأثمنة باهظة لمهاجرين.(5)

العديد من المهاجرين اللاجئين المنتحلين للصفة السورية يعمدون إلى التخلص من جوازات سفرهم الحقيقية قبل التوجه نحو اليونان، وبعد ذلك يعمدون إلى الادعاء أمام كل من يقابلهم في طريقهم من السلطات بأنهم لاجئون سوريون أضاعوا أوراقهم الثبوتية أو سرقت منهم، وبعضهم يتوجه لشبكات التزوير قصد استخراج الجواز الذهبي، الذي سيوصله إلى الأرض الموعودة، وسيضمن له لجوءًا وإقامة.

كيف يؤثر المهاجرون المنتحلون على اللاجئين السوريين؟

يشعر معظم اللاجئين السوريين بـ”استياء عارم” تجاه ذوي الجنسيات الأخرى الساعية للجوء، حتى أن بعضهم انبرى لكشف الهويات الزائفة من المهاجرين على الشبكات الاجتماعية.

يقول اللاجئون السوريون بأن أعدادًا ضخمة من مواطني بلدان مختلفة يستغلون أزمتهم لكي يحظوا باللجوء، مما يقلل ذلك في اعتقادهم من فرص استيعابهم وعائلاتهم لدى البلدان المضيفة، كما يتهمون الجنسيات الأخرى بـ”الإساءة إلى سمعتهم”.

هذا وتسجل الشرطة الألمانية بين الفينة والأخرى اشتباكات جماعية عنيفة بين اللاجئين السوريين والعراقيين من جهة، واللاجئين الأفغان من جهة أخرى بمراكز الإيواء في كل من هامبورغ وشفيرين ومانهايم وغيرها من المدن الألمانية، وكثيرا ما تخلف هذه المصادمات إصابات خطيرة تستدعي الدخول للمستشفى، وتضطر قوات الأمن إلى التدخل لفك النزاع. (7)

جانب من مشاجرات لاجئين سوريين مع أفغان

https://youtu.be/vcfoPiURC4k

هل الوافدون مهاجرون اقتصاديون أم لاجئون؟

يصل آلاف الوافدين يوميا إلى ألمانيا والنرويج والسويد، وينحدر جزء واسع منهم من بلدان لا تعرف حروبًا كمنطقة شمال إفريقيا، لكن يسعى جميعهم إلى الإقامة في البلد المضيف تحت يافطة “اللجوء”، فكيف إذن يمكننا أن نميز بين اللاجئ والمهاجر؟

تنطبق صفة “لاجئ” وفق القانون الدولي (اتفاقية جنيف1951) على” كلّ شخص يوجد خارج بلد جنسيته، أو بلد إقامته المعتادة؛ بسبب خوفه من التعرض للاضطهاد؛ بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل/ تستظل بحماية ذلك البلد، أو العودة إليه؛ خشية التعرض للاضطهاد” (6) . يخسر الشخص صفة “لاجئ”
بمجرد انتفاء الدواعي، لكنه لا يرغم على الرحيل حسب بنود الاتفاقية.

لكنّ في الواقع جزءًا واسعًا من الوافدين، خاصة من ينحدرون إلى المنطقة المغاربية، هم مهاجرون ولا تنطبق عليهم شروط اللجوء، إنهم يهاجرون فقط لأجل تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي لهم ولأسرهم، وهؤلاء تطلق عليهم تسمية “مهاجرون اقتصاديون”.

ولسوء حظ “المهاجرين الاقتصاديين” عادة ما تستهدفهم سياسات الهجرة، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية أنها سترحل بشكل سريع الواصلين إليها من غير السوريين.

ونظرًا لتعدد دوافع الهجرة لدى الوافدين، اختارت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة استعمال لفظ “اللاجئين والمهاجرين” للدلالة على المتنقلين نحو البلدان الأوروبية المضيفة، وقد حذت حذوها منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش.

لكن هل السوريون وحدهم المستحقون للّجوء؟

إذا ما راجعنا شروط صفة “لاجئ” وفق القانون الدولي كما بيناها آنفًا، فليس السوريون وحدهم من يستحقون اللجوء، فصفة “اللاجئين” المحصورة في “المضطرين للتنقل إذا أرادوا إنقاذ حياتهم، أو الحفاظ على حريّتهم”، تنطبق أيضا على بلدان أخرى غارقة في الحرب أو عرضة للاضطهاد، كأفغانستان والعراق وإريتيريا واليمن وجنوب السودان وليبيا.

لكن فقط بسبب التركيز الإعلامي حول الحرب في سوريا والمشاهد المؤثرة لمعاناة اللاجئين، وصور الضحايا منهم التي اكتسحت الشبكات الاجتماعية، أعطى ذلك أولوية قصوى للاجئين السوريين في حق اللجوء لدى الاتحاد الأوروبي دون غيرهم من الجنسيات اللاجئة الأخرى.

بالنسبة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعتبر أن كل الوفدين الذين فروا من بلدهم بسبب ظروف واضحة يستحقون اللجوء، كالشأن مع البلدان التي تعرف حروبًا، دون التدقيق في مقابلة شخصية مع طالب اللجوء منهم”، وقد أعلنت في مذكرة سابقة لها بأن كل شخص يفر من البلاد بشكل عام، المعارض أو الصحفي، والأطفال المهدّدين بأعمال العنف، والنساء اللاتي قد واجهن الاغتصاب، أو الزواج القسري، وكلّ شخص ينتمي إلى طائفة دينية أو جماعة إثنية ما أو اجتماعية، ويشمل مختلف فئات الشعب، بما في ذلك مؤيدو الحكومة المهدّدون من الثوّار، باستثناء المرتكبين لجرائم حرب أو المشتبهين بالإرهاب.

يحدث أيضًا اللجوء الشخصي، دون أن يكون بالضرورة بلد طالب اللجوء يشهد عنفا، فكل شخص يواجه مخاطر جادة على حياته، إما بسبب آرائه أو انتمائه الديني أو العرقي أو الجنسي، يحق له أن يتقدم بطلب اللجوء بعد وصوله حدود البلد المرغوب، وهناك العديد من الشخصيات العربية ذائعة الصيت والمستقرة بأوروبا حاليا، هاجرت في البداية على أساس اللجوء بعد تعرضها للتهديد بسبب انتمائها السياسي أو الجنسي أو العقدي.

الهجرة لمن استطاع!

شهد العالم أجمع عبر عيون الكاميرات موجات اللاجئين السوريين الفارين من نير الوضع المشتعل بسوريا وهم يتكبدون عناء المخاطرة، وما حظوا به من ترحاب ورعاية بعد وصولهم بلدانًا أوروبية، مثل ذلك بالنسبة لكثير من الشباب العاطل عن العمل، أو حتى المحبط من الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة به، أملًا يستحق المغامرة، فبدأت أفواج المهاجرين الشباب من جنسيات مختلفة تلتحق بالركب ولا تزال، حتى أصبحت الظاهرة شائعة بمعنى الكلمة، وصار لها سوق خاص بها تديره عصابات تهريب البشر وتزوير جوازات السفر، مثلما انتشرت الصفحات الاجتماعية التي تقدم خارطة الطريق خصيصا لهذا الغرض.

تعرف العديد من بلدان العالم العربي والإسلامي وبلدان إفريقية أخرى أوضاعًا اقتصادية واجتماعية مزرية للغاية، ويعاني معظمها من الاستبداد السياسي والانتهاكات الحقوقية الواسعة وبشتى أشكالها، وأمام هذه البيئة “المتسممة”، يقرر الكثير من شعوب تلك المناطق بأن الحل يكمن في الهجرة، بوصفها طريقًا للوصول إلى حياة أفضل، ملؤها الحرية والرفاه والخدمات الراقية.

ولأن الأوضاع في معظم هذه المناطق تتجه نحو الأسوأ بشكل عام، سيظل الاتحاد الأوروبي مستقبلا، رغم كل الإجراءات التي قد يتخذها، يشهد موجات متتالية من المهاجرين واللاجئين، أكان ذلك عن طريق قوارب اللجوء أو بطرق أخرى، وهي دينامية سيكون لها بدون شك تأثير عميق على المدى القريب، يمس الوضع في كل من الدول الطاردة والدول المستقبلة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد