في الوقت الذي فيه تستعر الحرب الأهلية في سوريا، وتزداد فيه الجهات المتقاتلة يومًا بعد يوم عزمًا على المضي في تكثيف القصف وقص مزيد من الرقاب دون أن تحاول الأطراف الوصول إلى أي حل سياسي ينهي الصراع المحموم الذي بدأ منذ أربع سنوات، يبقى السكان السوريون المدنيون الضحية الأولى لهذه الحرب “المجنونة”، الأمر الذي يؤدي بكثير منهم إلى تفضيل ركوب قوارب الموت وتجشم عناء السفر المجهول دون عدة أو حماية بحثا عن ملاذ آمن.

اللاجئون السوريون في معاناة دائمة حتى يصلوا بر الأمان

كان العام الجاري أسوأ الأعوام بالنسبة للفارين السوريين من الحرب منذ بداية الصراع، لقي خلاله أكثر من 2500 شخص سوري حتفهم عند محاولتهم عبور البحر المتوسط نحو أوروبا وفق إحصائيات المفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين.

كانت الفاجعتان الأخيرتان التي حدثت للاجئين السوريين في الأيام الأخيرة الأكثر ترويعا، حيث تم انتشال 200 جثة، بينهم أطفال ونساء ومعظمهم من السوريين، قرب الشواطئ الليبية بعد غرق قارب على متنه حوالي 300 مهاجر كانوا يحاولون الوصول إلى إيطاليا.


ولحسن الحظ تم إنقاذ البقية، كان سامي الشاب المنحدر من محافظة اللاذقية والبالغ من العمر 25 سنة أحد الناجين، يحكي عن قصته كما أوردتها ليبيغاسيون الفرنسية “توفي ثلاثة من أصدقائي على مرأى مني. لم أر أفراد عائلتي منذ 3 سنوات، منذ أن لجأوا إلى هولندا. ركبت البحر على أمل اللقاء بهم مجدّدًا، لقد هربت من الموت في بلادي لألتحق بالموت في البحر”. لينفجر باكيا “لماذا أموت في البحر في حين ينعم غيري بحياة هادئة في دياره؟”.

أما الحادثة الثانية والتي لا تقل مأساة، الحافلة التي عثر عليها بين النمسا وهنغاريا وبداخلها 71 جثة معظمهم سوريون أيضا، ركنها مهربون في الطريق ولاذوا بالفرار، وهي الواقعة التي خلفت ألمًا في قلوب الكثيرين بعد تداول الخبر بشكل واسع على شبكات التواصل الاجتماعي.

“أريد أن أعيش في مكان بلا عرب. الأوروبيون هم الأفضل. العرب آذونا كثيرًا”، هكذا تقول الأم سمر جوخضار لصحافي نيويورك تايمز وهي تسرد قصتها كيف وصلت اليونان، تركت السيدة سمر سوريا مع أطفالها الثلاثة، ورحلت نحو مدينة مرسين التركية تمهيدا للعبور نحو اليونان، ولكن المهربين سرقوا مالها كله (12 ألف دولار)، وهي الآن تسعى للوصول إلى ألمانيا لعلاج طفلتها العليلة آية ذات السنتين ونصف والاستقرار بقية حياتها هناك.

لاجئون سوريون متوجهون من مقدونيا نحو ألمانيا


يسعى السوريون الفارون من رحى الحرب في بلادهم إلى الهجرة إلى مناطق أكثر استقرارا وأمنا في بلدان الجوار، ولكن الكثير منهم يفضلون الانتقال من حياة المخيمات البسيطة بتركيا والأردن ولبنان نحو البلدان الأوروبية بحثا عن عيش أفضل، إلا أن رحلتهم الطويلة تلك لا تكون سهلة في غالب الأحيان، حيث يتجشمون لأجل ذلك عناء الطريق الطويل واضطهاد المهربين وخطر الاعتقال والأكثر من ذلك ركوب البحر، ما يؤدي ببعضهم إلى لقاء حتفه. بلغ عدد اللاجئين السوريين حتى الساعة بأوروبا 348.540 لاجئًا منذ بداية الحرب.

توزيع اللاجئين السوريين في بلدان العالم

خلفت الحرب السورية منذ اندلاعها حتى الساعة أكثر من 250 ألف قتيل، و11 مليون نازح، منهم سبعة مليون نازح داخل البلاد في مناطق أقل توترًا، وأربعة ملايين خارج البلاد، حسبما كشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهي أرقام لم يشهدها العالم في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية كما قال أنطونيو غوتيريس رئيس المفوضية.

يقيم معظم اللاجئين السوريين الفارين من نير الحرب الضروس بحكم القرب الجغرافي في كل من تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، وقد عزم بعضها على إغلاق المجال أمام السوريين الفارين بسبب الضغط الكبير من الأعداد الهائلة للاجئين وما يترتب على ذلك من تبعات أمنية واقتصادية، خصوصا وأن الجهات المانحة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تتهاون في الدعم الكافي لتلبية احتياجات اللاجئين السوريين.

أبرز البلدان المانحة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي مقدمتهم أمريكا والسويد


هذه هي الدول المضيفة للسوريين نبينها كالآتي:

  • تركيا: وهي البلد الذي يحتضن داخل أراضيه أكبر عدد من اللاجئين السوريين، حيث يتواجد بمخيمات الأمم المتحدة هناك 1.8 مليون سوري، وبسبب التداعيات الأمنية مؤخًرا أعلنت أنها قد تضطر لإغلاق الحدود مؤقتًا في وجه موجات الفارين من الصراع.
  • لبنان: تأتي لبنان في المرتبة الثانية كأكثر البلدان احتضانا لتواجد اللاجئين السوريين، حيث نجد بها 1.1 مليون لاجئ، 55 في المائة منهم يعيشون تحت خط الفقر حسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتعاني لبنان نتيجة التداخل الأمني مع سوريا والوضع السياسي المعقد لديها من تبعات العدد الهائل للاجئين السوريين المتدفقين إليها، خصوصا وأن مثل هذا الرقم سيغير من ديموغرافية الساكنة اللبنانية التي لا تتعدى خمس ملايين نسمة.
  • الأردن: يقيم بها 630 ألف لاجئ سوري، أكثر من 86 في المائة منهم يعيشون في ظروف دون المستوى المطلوب، وقد أغلقت حدودها مؤخرًا بعد عجزها عن تحمل المزيد من اللاجئين.
  • العراق: رغم أن هذا البلد أيضا لا يعرف استقرارا، فإن السكان السوريين بالمناطق المحاذية للعراق وكردستان العراق قد فروا إلى مناطق أكثر أمانًا في الجهة الأخرى من الحدود حيث وصل عددهم إلى 248 ألف لاجئ.
  • مصر: بها حوالي 134 ألف لاجئ سوري، غير أن هذه النسبة قد لا تؤثر شيئا في مجموع السكان لهذا البلد.
  • شمال إفريقيا: بلغ عدد اللاجئين السوريين الذين وصلوا منطقة شمال إفريقيا إلى 25 ألف، معظمهم يوجد بالجزائر وتونس وليبيا، أما المغرب فقد أغلق منذ شهور حدوده أمام مزيد من اللاجئين السوريين مرجعا ذلك لما سماها “أسباب أمنية”. وتجدر الإشارة بأن الكثير من اللاجئين السوريين يستقرون ببلدان شمال إفريقيا مؤقتا ليهاجروا بعدها نحو أوروبا عبر البحر المتوسط، نتيجة ظروف العيش غير المستقرة التي يجدونها في تلك البلدان.
  • أوروبا: تحتضن أوروبا أكثر من 300 ألف لاجئ سوري، 47 في المائة منهم يقيمون في ألمانيا والسويد، والبقية موزعون على مختلف البلدان الأوروبية الأخرى مثل بلغاريا وهنغاريا وأستراليا وصربيا، بالإضافة إلى فرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وغيرها.
  • هناك أيضا بضعة آلاف من اللاجئين السوريين موزعون على كل من البرازيل وكندا وروسيا وغزة.

مخيم لاجئين سوريين


أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي تحتضن حاليا في بلادها ما بين ألف وألفي لاجئ سوري، وقد أعلن المتحدث باسم الدبلوماسية الأمريكية، جون كيربي، نية استضافة بلاده ما بين خمسة آلاف وثمانية آلاف في سنة 2016، بينما أكد أن هناك 15 ألف طلب لجوء سوري قيد الدراسة أحالتهم المفوضية السامية للأمم المتحدة.

في حين أعلن الجيش الإسرائيلي عن اكتمال استعداداته لاستقبال السوريين الفارين من المعارك، دون إدخالهم للعمق الإسرائيلي خشية “تسلل إرهابيين” على حد قوله، وإنما بإيوائهم في مخيمات على الحدود بهضبة الجولان متعهدًا بتقديم الخدمات اللازمة، وقد قامت إسرائيل بالفعل بعلاج بعض السوريين داخل مستشفيات بلادها.

وبخلاف معظم دول العالم ترفض أي من بلدان الخليج استقبال لاجئين سوريين داخل أراضيها رغم قرب المسافة مقارنة مع أوروبا، ما جعل العديد من الناشطين الخليجيين يطلقون مؤخرا حملة على المواقع الاجتماعية يدعون فيها حكوماتهم لاستضافة اللاجئين السوريين، ونفس الشأن لإيران لم تستقبل أيًا من السوريين.

لكن من بين الدول المضيفة للاجئين كانت ألمانيا أكثر إعجابا وتفضيلا بالنسبة للسوريين، حيث منحت عشرات الآلاف منهم حق اللجوء، وقد لقيت الخطوة الأخيرة التي قامت بها ألمانيا، بفتحها المجال لاستقبال عشرة آلاف سوري إضافي، محط ترحيب وتقدير للمواطنين السوريين الذين عبروا عن امتنانهم لرئيسة الحكومة الألمانية أنجيلا ميركل عبر الشبكات التواصلية على كرمها.

وعلى الرغم من كل المجهودات المبذولة لتخفيف الأوضاع المزرية عن الفارين من الحرب في سوريا، إلا أن المفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تدعو إلى تقديم بلدان العالم مزيدا من الدعم والمساعدات لتلبية احتياجات الأعداد المتزايدة من اللاجئين السوريين، موضحة أنها لم تتسلم سوى ربع المبلغ، وهو 5.5 مليار دولار، اللازم للقيام بدورها بشكل فعال.


عرض التعليقات
تحميل المزيد